ما تشفرش بلادي

لم تكن مجرد صدفة أن يختار شباب 20 فبراير محاربة الفساد والاستبداد شعارا مركزيا لحركتهم التي ألهبت حماس المغاربة، وجعلتهم يلبون نداءات المشاركة في مسيراتها كل أسبوع على مدار عام كامل، صارخين بملئ حناجرهم “ما تشفرش بلادي”، وهم يجوبون شوارع المغرب ويملؤون ساحاته في مسيرات سلمية رائعة. فقد صار الفساد يعشش في كل مكان من دواليب الدولة، حتى أصبحت رائحته تزكم الأنوف، وصارت مغامرات الفاسدين وحكاياهم تؤثت فضاءات الجلسات الخاصة للأسر المغربية، دون أن يجدوا حسيبا أو رقيبا ليضع حدا لنزيف النهب الذي يطال المال العام.

لقد احتل المغرب المرتبة 80 عالميا بين 175 دولة في مؤشر الفساد للعام 2014 الصادر عن منظمة الشفافية العالمية “ترانسبرانسي”، وهذه الرتبة المخجلة هي انعكاس طبيعي لتغلغل الرشوة بين رجال الدولة، وسوء استخدامهم للسلطة وخيانتهم لثقة الشعب من أجل مراكمة الثروات الحرام.

إن تكالب الفساد والمفسدين على مقدرات الشعب وثرواته، هي جريمة ما بعدها جريمة، واعتداء شنيع على سمعة الوطن وتاريخه، وعلى حاضر المواطنين ومستقبلهم. فكيف يعقل أن نكون في وطن ثلث أبنائه فقراء، في حين أن بعض المسؤولين الفاسدين والفاشلين ممن يدعون أن المغرب بلد فقير، يستبيحون لأنفسهم ما حرمه القانون والضمير الإنساني دون أن حسيب ولا رقيب؟ وكيف يعقل أن تسجدي الدولة المساعدات وتقبل العطايا والهبات التي يجود بها كرم المانحين، في حين أن ما يتم سلبه ظلما وعدوانا يفوق بكثير حجم هذه العطايا المخلة بكرامة الوطن وتاريخه؟ وكيف يعقل أن يهدر المال العام بطرق إجرامية سفيهة وتوزع الامتيازات على من لا حاجة لهم بها، في حين أن خمس المغاربة عاطلون عن العمل؟

لقد أصبحت الصفقات العمومية في المغرب، لا تعطى إلا للشركات التي تنخرط في لعبة الشيكات التي تمرر تحت الطاولة، حيث لم يعد لمعيار الكفاءة والجودة أي دور في اختيار الشركات لإنجاز مشاريع الدولة، بقدر ما أصبح المحدد الأساسي هو مدى تشعب العلاقات ودسامة العمولات، وهو ما ينعكس في الأخير على قيمة الخدمات المقدمة للمواطن المغربي، والتي يجدها ماثلة أمامه كل يوم في بنية تحتية مهترئة، وإدارة صدئة، وتجهيزات طبية ضعيفة، ومدرسة عمومية على حافة الإفلاس…

ومادام القضاء المستقل والنزيه غائبا عن المشهد المغربي، فقد أصبحت ميزانيات مؤسسات الدولة وإداراتها المدنية والعسكرية مغنما للمسؤولين، حيث أصبحوا يتصرفون فيها كما لو كانت ملكا شخصيا أو إرثا تركه لهم أحد الأجداد. وعندما يريدون التغطية على سفههم يدخلون ما اختلسوه تحت أي بند ضمن الميزانية، لأنهم مطمئنون أن تقارير المجلس الأعلى للحسابات ستبقى حبرا على ورق، وأن الخصوم مهما فعلوا فرنة هاتف كفيلة بطي الملفات ونيل البراءة مع مرتبة الشرف.

يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة : ”إن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها و اكتسابها, لما يرونه حينئذ من أن غايتها و مصيرها انتهابها من أيديهم. و إذا ذهبت أمالهم في اكتسابها و تحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك. و على قدر الاعتداء و نسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب, فإذا كان الاعتداء كثيرا عاما في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه بالآمال جملة بدخوله من جميع أبوابها. و إن كان الاعتداء يسيرا كان الانقباض عن الكسب على نسبته”.

والحقيقة أنني حين قرأت خبر اختطاف وزير الشباب والرياضة في إفريقيا الوسطى تمنيت لو أن المخطوف كان هو ‫‏أوزين‬، وتخيلت للحظات أن الخاطفين سيطلبون فدية وأننا بطبيعة الحال سنقبل دفعها عن طيب خاطر، بشرط وحيد وهو أن يحتفظوا به للأبد، حتى لا نضطر لإعياء أنفسنا بالمطالبة بمحاكمته، بعد أن قرر ‫‏بنكيران وحكومته‬ حمايته هو وغيره من الفاسدين، بشعاره الخالد ‫عفا الله عما سلف‬.

إن الفساد لا يقف ضرره في مجرد إخلاله بمبدأ المساواة المنصوص عليه في الدستور، حيث يستفيد البعض من زبانية السلطة من امتيازات لا يبلغها عامة الشعب. بل إنه في حالة المغرب يسبب سنويا نقصا في معدل النمو بما يقارب نقطتين في المائة، و يجعل المواطنين يفقدون الثقة أكثر فأكثر في جدوى العمل والإنتاج، مادام ما سيزرعونه بالنهار سيحصده الفاسدون ليلا دون كلل أو تعب.

إنه لا نهوض للأوطان المتخلفة دون ديمقراطية، ولا ديمقراطية دون حساب، ولا حساب دون توازن للسلط، ولا توازن للسلط إلا بإيمان نخبة المجتمع بقيم النزاهة والشفافية والعدل والمساواة، تلك القيم التي بها ينتفي الفساد وينطلق قطار التنمية الذي سيستفيد منه الجميع دون ميز ولا ظلم… وفي انتظار ذلك اليوم المشهود، ما علينا سوى أن نحتفظ بشعلة حركة 20 فبراير حية في قلوبنا، وأن نتذكر صراخهم في كل الشوارع: “ما تشفرش بلادي”.

_ رئيس مركز الحريات والحقوق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.