ما الذي ينقصنا حقاً؟

وردت في خطاب العرش جملة شدّت انتباه المتلقين، يقول فيها الملك “وإذا كان ما أنجزه المغرب وما تحقق للمغاربة، على مدى عقدين من الزمن يبعث على الارتياح والاعتزاز، فإنني في نفس الوقت، أحس أن شيئا ما ينقصنا، في المجال الاجتماعي”،  ثمة شيء ينقصنا في المجال الاجتماعي، هكذا عبّر الملك عن الواقع الاجتماعي المزري الذي يزداد سوءا يوما بعد يوم، حيث أضحت القدرة الشرائية للمواطنين في الحضيض، بسبب الزيادات المتتالية في اسعار المواد الغذائية مقابل جمود الاجور، وتنزيل مخططات تصفوية تورّث الهشاشة الاجتماعية متعلقة بضرب التعليم والوظيفة العمومية والصحة، وهو ما ساهم في انتشار البطالة بشكل مخيف، وارتفاع نسب أعداد المواطنين المغاربة الذين يتطلعون الى الهجرة خارج البلد بشكل مهول، حيث أورد الاستطلاع الذي أجراه كل من مكتبي الدراسات الأمريكيين (BCG) و The Network أن 80 بالمائة من المغاربة يتمنون مغادرة البلد اذا أتيحت لهم الفرصة، فيما أكد الموقع الالكتروني المتخصص في التوظيف Rekrute.com أن 91 بالمائة من المغاربة يتمنون مغادرة البلد.

أمام هذا الوضع، لا يفيد المواطن شيئا أن تصف حالته ووضعه الاجتماعي، بل الذي سيفيده هو اقتراح اجراءات عملية استعجالية من أجل انقاذ ما يمكن انقاذه، أما تكرار عبارات من قبيل: “أين الثروة؟” و”أحس أن شيئا ما ينقصنا في المجال الاجتماعي” فلن تحمي فقيرا من البؤس، ولن تثني 91 بالمائة من الرغبة في مغادرة البلد.

لقد كان لحكومة بنكيران دورا اساسيا في تنزيل القرارات التصفوية التي تلكأت الحكومات السابقة عن تنزيلها خوفا من ردة فعل شعبية، هذه القرارات التصفوية أثقلت كاهل الفقراء، وقصمت ظهر الطبقات الوسطى، مثل تحرير اسعار المحروقات، والاجهاز على صندوق المقاصة ورفع سن التقاعد وضرب الوظيفة العمومية عبر شرعنة التوظيف بالتعاقد وغيرها من الاجراءات التي لم تمسّ الاّ المواطنين البسطاء، بينما الأغنياء تضاعفت ثرواتهم، حيث كشفت العديد من وسائل الاعلام المتخصصة تضاعف ثروات أحنوش المستثمر رقم 1 في المحروقات والذي استفاد من قرار تحريرها الذي اقدم عليه بنكيران، في المقابل اكتوى المواطن البسيط بنار الزيادات في المحروقات، خاصة أن حكومة بنكيران لم ترفق ذلك بأي اجراءات وقائية تقطع الطريق على تلاعب مصاصي الدماء في اسعارها، وبل أقدمت على هذا القرار الخطير ومجلس المنافسة مشلولا، وهذا معناه أن الحكومة قامت بتحرير اسعار المحروقات مع اطلاق ايدي مصاصي الدماء ليعيثوا نهباً وسرقةً لجيوب المواطنين.

بعد الخطاب بأيام ظهر رئيس الحكومة السابق في ملتقى شبيبة حزبه، وتفاعل مع الجملة التي وردت في خطاب الملك، غير أن تفاعله كان مضحكاً، وفاضحاً لنوايا الرجل ولمشروعه الاصلاحي الذي يتبجح به هو واتباعه، قال بنكيران مخاطبا الملك: “لما سيدنا قال: شيء ما ينقصنا، كنت بغيت نقول لو: نعم اسيدي الذي ينقصك هو أن يكون معك رجال مخلصون بالشكل المطلوب”، معناه أن ما ينقص البلد والعباد لكي يصلح أحوالها هو أن يجعل الملك من حوله مستشارين مخلصين؟؟ لكن ما معنى الاخلاص هنا؟ الملك نفسه يرى أن الهمة وباقي مستشاريه هم أخلص الرجال وأكفأهم وأقربهم إليه، فكيف يريد بنكيران أن يصلح البلاد والعباد.

الاصلاح بالنسبة لبنكيران هو أن يتخلص الملك من الهمة، ويحيط نفسه برجال من أمثال بنكيران، وهذا بؤس سياسي ما بعده بؤس، لأن الخلل الحقيق كامن في طبيعة النظام واليات اشتغاله، وليس في فلان أو فرتلان، الاصلاح لا يمكن تحقيقه من خلال ازاحة اشخاص، ووضع اخرين مكانهم، كما يحلم ويشتهي بنكيران، لقد تمت ازاحة البصري، وتمت ازاحة جل رجال نظام الحسن الثاني، فهل تحقق الاصلاح؟

الاصلاح السياسي في هذا البلد يقتضي اصلاح النظام وتوطيد دور المؤسسات وسموها على الاشخاص مهما كانوا، فالمؤسسات القوية أبقى، أما الرجال مهما كانوا ثقاة أو قساة فهم ذاهبون، فهل يريد بنكيران الاصلاح حقا أم يريد لنفسه مكانا بجانب الملك بعد أن استكمل دورة طرده من الحزب والتنظيمات الموازية، وكانت محطة مؤتمر التوحيد والاصلاح اخر حلقة حيث احتل بنكيران الرتبة الاخيرة في ترتيب المتنافسين على رئاسة الحركة.

للاسف، الحقيقة دون مكياج تُبيّن أن الصورة قاتمة في هذا البلد، والواقع الاجتماعي لا يبشّر إلا بمزيد من البؤس والبطالة وغلاء المعيشة، ورغم ذلك فالذي يحكم يكتفي بالتعبير عن احساسه بأن شيئا ناقصا، ورئيس الحكومة السابق يعتبر مكمن الخلل في وجود الهمة بجانب الملك، وعدم وجود اشخاص مثل بنكيران في مكانه، ورئيس الحكومة الحالي صامت صمت القبور، عاضّا بنواجده على منصبه، أما مستقبل الوطن فالله وحده أعلم به.

في مسرحية “كأسك يا وطن”، يتوصل دريد لحام بمكالمة هاتفية من الجنة؛ من والده الشهيد، يسأله عن أحوال البلاد والعباد، فيخبره دريد لحام كاذبا بأن كل شيء تمام وعلى أحسن حال، ثم يسأله والده الشهيد قائلا: “خلاصة يعني مو ناقصكم شي” فيرد عليه دريد لحام صارخا بعد أن أخذ رشفة من مطرة العرق في يده :” ابدا مو ناقصنا شي، الله وكيلك يا أبي، مو ناقصنا إلا شوية كرامة بسس”…

اذا كان الملك لا يعرف ما ينقصنا بالضبط، ويشعر فقط أن ثمة نقص واحتياج في المجال الاجتماعي، فلنعد على مسامعه للمرة المليون: تنقصنا الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية…

محمد المساوي

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.