ما الأخطر على المغرب : زواج السلطة بالمال أم زواج وزيرين ؟؟

 على جريدة هسبريس الإلكترونية وفي عددها لوم الثلاثاء 21 أبريل 2015 كتب الباحث والمحلل الاستراتيجي والأستاذ الجامعي السيد عبد الرحيم منار اسليمي مقالا بعنوان : “لهذه الاسباب قضية الشوباني أخطر من قضية الملعب” ، من يقرأ المقال بتمعن ، سيفهم أن السيد منار حاول جاهدا أن يوضح لقرائه حجم الخطر الكبير الذي يشكله على المغرب  زواج السيد الشوباني الوزير  المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني والسيدة سمية بن خلدون المنتدبة لدى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والمكلفة بالبحث العلمي ، خطر لن يزول ويرتفع إلا بإقالة الوزيرين من منصبهما .

جدير بالذكر هنا ، أنني ،  لست محللة ولا خبيرة استراتيجية ولا  في مقام السيد اسليمي ، لكن صبري القليل لم يسعفني في المرور على مقاله  دون تسجيل رد أراه من حقي كمواطنة  يوجعها حال بلدها ولا تملك غير كتيبة حروف أمامها تعجنها بكثير من الصدق والاستقلالية وترافقها بما تيسر لها من المنطق …  وما قاله الرجل كان كافيا ليخرجني عن صمتي الذي ركنت إليه في نازلة زواج الوزيرين لأني أدرك تماما حساسية  الخط الرفيع _القابل للتمزق في أي لحظة_ الذي يفصل بين الحياة الخاصة والعامة للشخصية العمومية ، ولقناعتي الشخصية  كذلك ، أن مسألة زواجهما هي مسألة شخصية  بحتة  تعنيهما فقط  ، ما لم تتعارض مع مصلحة الشعب المغربي وشؤونه التي يشاركان في تدبيرها ، كل من منصبه ، آنذاك فقط ، بإمكاننا أن نستل أقلامنا/أسلحتنا للدفاع عن هذه المصلحة المهددة .

أعود إلى مقال السيد منار وأهم النقط الواردة فيه ؛ وهي في مجملها ثلاث نقط ، سَيَلي كل واحدة الرد الخاص بها :

1_ قضية السيد الشوباني أخطر بكثير من قضية ملعب الأمير مولاي عبد الله أو ما عُرف بقضية أوزين وكراطته  العملاقة ، فكلاهما تمس صورة الدولة ، وإن كانت قضية الملعب يمكن تفسيرها بسوء التدبير فإن قضية الوزيرين تشكل خطرا ومساسا بصورة الدولة…”

مُسْهِبا في تحليله ،يقصد السيد منار صورة المغرب الحقوقية في المؤسسات والمنابر الدولية التي سيخدشها “الزواج الحكومي” أو تعدد السيد الشوباني، حسب هذا التحليل فإن هذا الزواج سينال من مكتسبات المغرب في مجال حقوق المرأة والمناصفة وسيضرب مصداقية الدولة وأذرعها الحقوقية التي وقعت على عدد من الاتفاقيات الدولية في هذا المجال…، عجبي ، ألم يسأل السيد اسليمي نفسه عما ينال حقا من صورة المغرب في الخارج ؟؟ أليس هذا الفساد الذي توغل في مفاصل الدولة ولم يترك ولو قطاعا واحدا لم ينخر مفاصله ونفَّر الاستثمار الأجنبي الذي يراهن عليه المغرب ؟؟ ألم يسأل نفسه أن الزواج الذي يشوه صورة البلاد حقا أمام الأجانب هو زواج المال بالسلطة  في المغرب وليس زواج الشوباني ببن خلدون ؟؟ أينكر السيد اسليمي أن المغرب من بين  البلدان التي تدعي الديموقراطية وتسمح بهذا الزواج غير الشرعي الذي يضرب مبادئ الديموقراطية في مقتل ؟؟ في الوقت الذي تحاربه دستوريا وقضائيا الدول الديموقراطية  الحقيقية/الفعلية  في عقر داره ، وتمنع بكل الوسائل القانونية الممكنة أن ينجب أو يتكاثر ، ولا تعترف به صراحة أو ضمنيا في دساتيرها وقوانينها الموازية كما هو الحال في المغرب …

سيد اسليمي ، حَمَلتك “غيرتك” على مصلحة البلد وصورتها في الخارج وكتبت ما كتبت ، طيب ، أين كانت غيرتك هذه وانتهاكات حقوق الإنسان في المغرب صارت مفضوحة ولا تخفى على أحد في الداخل والخارج ولطالما تداولاتها منابر دولية ونددت بها منظمات حقوقية عالمية ؟؟ ، لماذا لم نقرأ لك مقالا تدافع فيه عن صورة بلدك في وجه من يحتكرون السلطة ويعبثون بالمال العام وكرامة المغاربة وحولوا مطلب العدالة الاجتماعية  إلى حلم مستحيل ؟؟ لماذا تلجأ غالبا إلى الصمت أو إلى نظرية المؤامرة الخارجية  في تحليلاتك ؟؟

2_قضية الزواج الوزاري تمس صورة حزب العدالة والتنمية القائد للحكومة وتحدث به  شرخا يصعب رتقه..”

 اسمح لي سيد منار أن أذكرك أن أداء الحزب ووزراء الحكومة سلبا أو إيجابا هو الكفيل بتحسين أو تلطيخ صورته وليس زواجا يسمح  به  الشرع وحدد له القانون شروطا وضوابط ، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع التعدد ….قد يثير الموضوع بعض الثرثرة هنا وهناك ، وقد يعود بنا النقاش مجددا إلى مسألة تعدد الزوجات ومدى انسجامها مع مبادئ حقوق المرأة بمفهومها الكوني ، لكنه أبدا لن يؤثر على صورة ولا على أداء الحكومة ، صورة الحزب مُست حين صافح السيد بنكيران زعيم  الانقلابيين  الدمويين في مصر وبادله النكتة بالنكتة  ، خدشت حين بدأ الحزب في التنازل عن مبادئه ووعوده للشعب شيئا فشيئا ، تارة  باسم التدرج في الإصلاح والحفاظ على الاستقرار وتارة باسم الحفاظ على التوازنات الاستراتيجية  والمصالح العليا للوطن ، الصورة تهشمت حين بدأ الحزب مسيرة الانبطاح أمام القصر بحثا عن نيل رضاه ، تلطخت تماما حين قرر تطليق المسؤولية  من المحاسبة  طلاقا بائنا وأعلن زعيمه العفو عما سلف من فساد المفسدين ونهب الناهبين ….إلخ  ، وهذا التناول الإعلامي المكثف المقصود وغير المقصود لهذا الزواج الوزاري ليس سوى جعجعة بلا طحين ، ولا يعدو أن يكون في جوهره تحويلا للأنظار عن النقاش الحقيقي/المصيري  الدائر مؤخرا حول مدى إعمال الدولة لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على إثر فاجعة طانطان ؛ عملا بالمثل القائل :” النازلة بالنازلة تنسى”

أما عن المؤسسات الحقوقية الدولية التي سيكون على الحكومة المغربية والمجالس الحقوقية الوطنية تقديم تفسير وتوضيح أمامها  حول نازلة الزواج هذه  فاسمح  لي أن أقول لها : فلتخرس هذه المؤسسات ولتذهب إلى الجحيم إن كانت تعمد إلى لَيِّ ذراع المغرب بهذا الشكل المهين ، المغرب ليس مطالبا أبدا بالتنازل ولا حتى تقديم توضيح  عن تصرف  شخصيتين عموميتين راشدتين  مالم يقوما بخرق القانون ، وليس مسؤولا عن النظرة السلبية التي يمكن أن تتكون لديها عن وضع حقوق الإنسان بالمغرب لأن أحد وزرائه  قرر أن يتزوج للمرة الثانية ، ولتعلم سيدي ؛ أن هذه الجمعيات الحقوقية التي تخشى غضبها هي نفسها التي تفعل المستحيل للدفاع عن حقوق الشواذ في الزواج والتبني بكل فخر ، وتضغط على حكومات الدول الأوربية والأمريكية  للإقرار بحقوق هذه الفئة  ، وما قرار السيدة ميركل  تهنئة وزير شاذ جنسيا من حكومتها تمكن من الزواج من صديقه إلا مثالا و دليلا على قوة هذه الجمعيات ومدى تأثيرها في توجيه القرار السياسي وفي إعادة تشكيل المنظومة  الأخلاقية للمجتمع الأوروبي ، إذن ، نحن هنا لسنا مطالبين أبدا بتقديم تنازلات أمامها ،على العكس تماما ، التشبث بالموقف والانسجام معه هو ما سيكسبنا مصداقية أكبر ، ما دام الأمر لا يتعارض مع مقتضيات دستورية واضحة تنص على أن الدين الإسلامي هو الدين الرسمي للمملكة المغربية ، وأكرم للمغرب أن يكف عن تقديم تنازلات مهينة له استجداء لرضى منظمات دولية حقوقية كثيرا ما تمارس السياسة  ممتطية  صهوة حقوق المرأة .

3_على السيد بنكيران ممارسة صلاحياته الدستورية باقتراح إعفاء الوزيرين من مهمتهما…”

في هذا الاقتراح الغريب بنى الدكتور منار  خلاصته  على معطيات قال أنها ألهمته هذا الحل ، وطالب بأن يكون هناك نوع من العدل في الإعفاء مادام السيد رئيس الحكومة  سبق له وأن قام بإعفاء أوزين في قضية الفساد و”الكراطة”  … صراحة ؛ لا علاقة تربط  بتاتا بين ما سرده السيد المحلل من معطيات وبين حق رئيس الحكومة في إعفاء الوزيرين الخطيبين ، فكما يعلم الجميع ، ليكون من حق رئيس الحكومة  اللجوء إلى قرار الإعفاء لابد أن يكون ذلك بناء على خرق لا لبس فيه  للمعنيين بالأمر لمبادئ دستورية وقانونية واضحة ، قرار الإعفاء ليس قرارا مزاجيا أو اعتباطيا سيدي المحلل ، ولا يبنى على احتمال وجود أخطار وهمية/تمويهية ،  لابد أن يكون مبنيا على تهمة مهددة وواضحة ، و في هذه الواقعة نستطيع  الجزم أنه لا وجود لنص قانوني أو مجرد إشارة بسيطة تمنع على وزير الزواج من وزيرة زميلة له في الحكومة والحزب أو تمنعه عليه التعدد ،  فعلى أي أساس بنى الأستاذ هذه الصلاحية الدستورية  التي طالب رئيس الحكومة  بتفعيلها ؟؟ كان أولى ب “محلل رسمي” أن يأتينا بهذا النص الدستوري ليتبين للقارئ “جريمة الوزيرين” ، وإن كان لا بد من مقترح الإعفاء لمراكمة تجارب الإعفاء من المهام كما أشار الأستاذ ، كان أجدر به  أن يطالب رئيس الحكومة بإقالة  أي وزير أو مسؤول عن احتراق مواطنين أبرياء  في فاجعة طانطان وموت آخرين في حادثة  تيشكا  وغرق العشرات وتشرد المئات  في فيضانات الجنوب ، تماما كما يحصل في الدول الديموقراطية التي تحترم نفسها ،  أما أن يطالب بإقالة وزيرين تزوجا فهذا لعمري سخرية واضحة  من القارئ .

إن من يقرأ بتمعن مقال السيد اسليمي ويفككه  سيتأكد أنه قد كتبه عن سابق إصرار على تسفيه النقاشات العمومية المصيرية الدائرة حاليا ، وتحويل الأنظار نحو “قضايا هامشية” _إن كان يجوز أصلا تسميتها قضايا_ ..هي في الأصل شؤون شخصية لشخصيات عامة/بيبل كما يصطلح عليه في الغرب ، ولمن يرفض ذلك أن يجعلها مادة دسمة لثرثرة على جنبات المقاهي فقط لا غير ، وأكرر هنا ، الحالة الوحيدة التي يمكننا فيها الخوض في خصوصيات الوزيرين هو حالة تأثيرها بشكل شلبي على أدائهما أو استغلال منصبهما أو المال العام في هذه الخصوصيات  ..

للأسف الشديد ، هذه الواقعة خرجت إلى النور _وقد تكون صدفة مقصودة_ في نفس الوقت الذي بكى فيه المغاربة أبناءهم المحروقين في طانطان ، وللأسف الشديد أيضا انخرط الإعلام المسؤول وأقلام بعض “المثقفين” في هذه المهزلة تاركين هموم المغاربة لرب كريم يتولاهم ، ومن  الصادم  أن يصفها محلل استراتيجي وأستاذ جامعي بأنها تشكل خطرا على المغرب وعلى الحزب القائد للحكومة  ، خطر أكبر من الخطر الذي يشكله طاعون  الفساد ، الابن “الشرعي”  لزواج المال بالسلطة في المغرب…الآفتين الاخيرتين اللتين يتفادى محللنا الخوض فيهما يمكن إيجاد تبرير لهما ، لكن “جرم” الوزيرين ، فأقل ما يستحقه هو قرار دستوري بإقالتهما وكفى الله المغاربة  شر المنطق والقانون  ..

لك الله يا وطنا يعرف مثقفوه من أين تؤكل الكتف ويسخرون من همومه بحثا عن موطئ قدم .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.