وجهة نظر: ماهو الأساس القانوني والدستوري لقرار منع القباج من الترشح؟

خالد أوباعمر

مهما حاولت بعض الأطراف السياسية و الحقوقية والإعلامية المتشابكة المصالح والأجندات إضفاء المشروعية على قرار والي جهة مراكش الذي تم بموجبه منع مرشح حزب العدالة والتنمية حماد القباج من الترشح للاستحقاق الانتخابي ليوم 7 أكتوبر المقبل، فإن القرار يظل قرارا تعسفيا، وأن الجهة التي اتخذته، انتهكت من حيث تدري أو لا تدري أحكام الفصل 145 من الدستور الذي يجعل من  الولاة والعمال مؤتمنين على تطبيق القانون.

و يستشف من خلال حيثيات القرار أن التعسف على الحقوق القانونية والدستورية للمرشح القباج قد تأسس على نتائج البحث الإداري الذي قامت به السلطات المختصة لملف المعني بالأمر، وهو البحث الذي ينبغي له أن يركز على فحص شروط الترشيح وموانعه، عوض  البحث في ميولات ومواقف وسلوكيات وتصريحات المعني بالأمر، الذي تعرض لحملة إعلامية قاسية استبقت قرار السيد الوالي !!!

القرار برأي عدد من الحقوقيين والمحللين والمراقبين المحترمين  فيه تجاوز بين للقانون، و حيثياته تمس في العمق بكرامة ومواطنة القباج وحقوقه الدستورية التي يكفلها له الفصل 30 من دستور المملكة الجديد، وغيره من الفصول الدستورية الأخرى التي تحمي شخصه من أي تعريض ماس بالكرامة، لا سيما، وأن تعليل القرار تضمن تهما خطيرة لمرشح العدالة والتنمية، دون الأخذ بعين الاعتبار قرينة البراءة، وصلاحيات السلطة القضائية التي يبقى لها لوحدها حق التكييف القانوني للأفعال التي يجرمها القانون، وليس مصالح وزارة الداخلية التي يتعين عليها أن تمارس وظائفها بما لا يعطي الانطباع بأنها ليست على نفس المسافة مع  الأحزاب السياسية المتنافسة انتخابيا. كما أنه من المعروف أن هناك قاعدة ذهبية تقول لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص؟

إذن نحن أمام قرار تعسفي وعديم الأساس القانوني مادام أن القانون يحدد بشكل حصري ولا لبس فيه شروط الترشح للانتخابات وموانعه، وهو ما لا ينطبق عن حالة المرشح حماد القباج الذي توفرت فيه الشروط المطلوبة للترشح استنادا لما صرح به لوسائل الإعلام، واستنادا أيضا لما تضمنه بلاغ الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية من ملاحظات تذهب في هذا الاتجاه. أما من اجتهدوا لتسويغ قرار والي جهة مراكش من خلال استحضار أحكام الفصل 175 من الدستور الذي يشير إلى الاستثناءات المتعلقة بالمراجعة الدستورية، فإن استحضارهم لهذا الفصل ينم على جهل و أمية دستورية لا مثيل لها، لأن الفصل 30 من دستور المملكة ينص بصريح العبارة في فقرته الأولى على حق المواطنين والمواطنات في الترشح للانتخابات. كما أن هناك مواد قانونية صريحة ولا لبس فيها تحدد شروط وموانع الترشح للانتخابات.

غير أن المثير للانتباه في رأي العديد من المتتبعين والمراقبين والمحللين الموضوعيين، أن قرار والي مراكش لم يكن مختلفا في مضمونه عما نشرته المواقع التي انخرطت في حملة استعداء ممنهج لحزب العدالة والتنمية على خلفية ترشيحه للقباج في دائرة جليز الانتخابية مند تاريخ إعلان ترشيحه إلى غاية الآن، وهذا ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفية القرار الذي تجاوز في تعليله ما هو قانوني صرف؟

وفيما يتعلق بالانتقادات التي وجهتها الأطراف المعادية لمرشح العدالة والتنمية “حماد القباج” الممنوع من الترشح للاستحقاق الانتخابي  بقرار تعسفي لممثل الإدارة الترابية بخصوص مراسلته الموجهة للملك محمد السادس والمتمثلة في تجاوز وتحقير مؤسسة القضاء، فإنه باستحضارنا للشرط الدستوري الحالي، يمكن القول بأنها انتقادات مجانبة للصواب، لاسيما، وأن أحكام الفصل 42 من دستور فاتح يوليوز، تجعل من الملك بوصفه رئيسا للدولة وممثلها الأسمى، ضامنا للحقوق وحاميا الحريات، التي أفرد لها المشرع الدستوري بابا كاملا في الوثيقة الدستورية. هذا دون إغفال  الفصل 41 من الدستور الذي يعتبر الملك أميرا للمؤمنين وربطه بمرجعية المرشح التي تعطي الأولوية لعقد البيعة ولإمارة المؤمنين على أي مؤسسة أخرى.

بعيدا عن  التبريرات التي تضمنها قرار مصالح وزارة الداخلية بمراكش، يمكن القول أن هناك عوامل رئيسية، هي التي يمكن أن تكون قد أملت على السلطة اتخاذ قرار منع السلفي حماد القباج من الترشح باسم حزب العدالة والتنمية، يمكن إجمالها فيما يلي:

 1 طبيعة المرشح الذي يعد رمزا من الرموز السلفية التقليدية الأكثر تأثيرا والذي تتجاوز شعبيته حدود جهة مراكش وقد أثبت انشقاقه على المغراوي أن للرجل مصداقية في الوسط السلفي وله أتباع أو مريدين في كل جهات المملكة،

 2 طبيعة الحزب السياسي الذي  رشح القباج للانتخابات. فلو كان هذا الأخير مرشحا باسم حزب آخر مثل الأصالة والمعاصرة، لما حفروا في أرشيف مداخلاته وتصريحاته، ولما اتهموه بالغلو والتطرف ومعاداة اليهود، بل كان سيتم الاحتفاء به وسيقدم للرأي العام كمثال في الوسطية والاعتدال وهنا لا بد من الأخذ بعين الاعتبار حساسية الملف السلفي لدى الدولة التي لن تقبل على الإطلاق أن يكون البيجيدي بوابة السلفيين إلى المؤسسات الدستورية لأن في هذا الأمر إضعاف لسلطة الدولة وهبتها،

 3  حظوظ الرجل في الفوز بالمقعد البرلماني وهو  ما يفرض إدخال إصلاحات على بناية البرلمان ” الولوجيات” بسبب إعاقته الجسدية،

4 ولوج حماد القباج إلى البرلمان باسم العدالة والتنمية معناه أن السلفيين سيصبح لهم حاضنة سياسية وصوت سلفي داخل المؤسسة النيابية ينقل قضاياهم ومظالمهم إلى قبة البرلمان،

5 هناك ضغوط اللوبي اليهودي خارج المملكة والتي تحدث عنها الشيخ الفيزازي الذي قال أن وزارة الداخلية هي التي تعرف كيف تقدر مصلحة البلد رغم أن هذه الورقة تبقى شماعة لتحصين قرار الوالي  وتبريره بالمصلحة العليا للوطن لأن الترشح للانتخابات محكوم بنصوص قانونية واضحة وليس بالموقف السياسي أو الاديلوجي كما أن اعتماد معاداة السامية كمبرر يمكن أن يفجر نقاشا وطنيا حول السيادة الوطنية.

بناء على كل ما سبق، واستنادا على ما رشح في وسائل الإعلام من نقاشات عميقة على خلفية قرار منع القباج من الترشح في الاستحقاق الانتخابي المقبل بناء على مبررات لا أساس قانوني لها، ومن باب  الإحاطة علما لا غير، لا يجوز لمصالح وزارة الداخلية الحلول محل القضاء في تكييف أفعال وموقف المرشحين للاستحقاق الانتخابي خارج إطار الصلاحيات التي يخولها لها القانون كجهة إشراف، ولا يحق لمصالح هذه الوزارة في كل الجهات منع أي مواطن أو مواطنة من ممارسة حقوقه الوطنية في الترشح أو التصويت خارج إطار الشروط والموانع التي يحددها القانون حصرا.

 كما يتعين على ولاة وعمال الإدارة المركزية في كل الجهات عدم التصرف بما يخل بأحكام الفصل 145 من دستور المملكة  الذي يجعلهم مؤتمنون على تطبيق القانون، أو التصرف بما يوحي للناخبين، وللفاعلين الحزبيين الذين يتنافسون في الانتخابات، أن وزارة الداخلية بوصفها الجهة المشرفة على الانتخابات إلى جانب أطراف أخرى غير محايدة أو متماهية في قراراتها مع طرف سياسي معين..

المغاربة يطمحون إلى مستقبل جيد، و تكريس الخيار الديمقراطي كثابت دستوري مطلب أساسي للقوى الحية في البلاد وللرأي العام ورهان ملكي ما لبث الملك محمد السادس يؤكد عليه في أكثر من مناسبة. ومن هذا المنطلق فإن وزارة الداخلية بوصفها الجهة الأكثر علاقة بالإشراف على الاستحقاق الانتخابي المقبل بحكم الجهد الذي تبذله في هذا الإطار، مطالبة بالحرص على شفافية العملية الانتخابية في كل مراحلها، و على تطبيق القانون دون أي شطط، لأن مسؤولي الإدارة الترابية في الجهات والأقاليم وفقا للفصل 145 السالف الذكر مؤتمنون على تطبيق القانون باسم الإدارة المركزية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.