مارييل فرانكو.. السياسية الشابة التي وحدت بإغتيالها فقراء البرازيل ضد العنف السياسي

اغتيلت الشابة البرازيلية مارييل فرانكو أحد أهم الزعامات السياسية اليسارية البارزة والواعدة ببلد البرازيل بوسط مدينة ريو ديجانيرو يوم الأربعاء 14 مارس على الساعة التاسعة والنصف مساء، وقد اخترق جسدها أربعة رصاصات من تسع رصاصات تعرضت لها سيارتها، وقتل معها سائقها أندرسون بيدرو غوميز.

هذا الاغتيال السياسي لسيدة مجلس المدينة مارييل فرانكو 38 سنة ، كما علقت عليه ابنتها لويارا سانتوس البالغة من العمر 19 عاماً، هو بمثابة اغتيال حلم كان يكبر ويتسع كل يوم وأضافت “لم يقتصر الاغتيال على مقتل أمي وحسب، بل تم اغتيال ناخبيها البالغ عددهم 46000”.

قُتلت فرانكو في حوالي الساعة 9:30 مساءً، بعد أن ترك حدثًا بعنوان “النساء السوداوات الشابات اللواتي يغيرن هياكل السلطة” وترك اغتيال مارييل فرانكو غضبا وحزنا وردود فعل غاضبة بكل أرجاء البرازيل، وعمق من أزمتها في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من فضيحة فساد هائلة، وأزمة سياسية، وركود اقتصادي استمر لسنوات ، لينضاف له العنف السياسي وعودة الاغتيالات السياسية بشكل وحشي، وتعتقد الشرطة أن مارييل كانت مراقبة من قبل قاتليها منذ مدة، حيث يعرفون توقيت مغادرة المبنى، وحتى مكان جلوسها بالسيارة مخفية بنوافذ ملوّنة.

 

حدث هذا الاغتيال المروع في شوارع ريو دي جانيرو بعد شهر واحد فقط من قرار الرئيس البرازيلي ميشيل تيمر بإنزال الجيش البرازيلي لشوارع بعض مدن البرازيل باحتلال المدينة لتثبيت الأمن كما برر الأمر ، وهي المرة الأولى منذ نهاية الدكتاتورية العسكرية في البرازيل منذ 21 سنة. هذا القرار شجبته الضحية مارييل فرانكو بشدة، فتم إخضاعها للجنة تحقيق تحت طائلة انتهاكاتها مالية مفترضة، لرفضها ووقوفها ضد قرار الرئيس. وتعتبر مارييل فرانكو عنوان” النساء السودوات الشابات قادمات لتغيير هياكل السلطة”، وقد كان مسارها الشخصي الفريد للوصول للمسرح العام مثيرا للانتباه ومحفزا للكثيرين أمثالها على الانخراط في الشأن العام، والحلم بالتغير، فمارييل هي امرأة من السود في الولايات المتحدة بالبرازيل، اشتهرت بتميزها المتعدد -التمييز على أساس الجنس والعقيدة الدينية التقليدية- كبرت بأحد أكبر أحياء ريو والأكثر فقرا وأشدها عنفا ،أصبحت مارييل فرانكو أم عزباء في سنها التاسعة عشر، تابعت دراستها الجامعية وحصلت على درجة الماجستير في علم الاجتماع ، وأصبحت واحدة من أكثر ناشطات حقوق الإنسان فعالية وتأثيرا بالمدينة والبرازيل عموما، تصدت لحملات الشرطة وعنفها في أغلب تدخلاتها، وكذا الفساد وعمليات القتل خارج نطاق القضاء والذي يستهدف بالخصوص ساكنة الأحياء الفقيرة الذين ترعرعت بجنبهم.

بعدما عرفت مارييل فرانكو كناشطة حقوقية، انتقلت للفعل السياسي المباشرلتنظم إلى حزب اليسار الجديد في البرازيل ،”حزب الاشتراكية والحرية (PSOL) “، وسرعان ما أصبحت واحدة من زعمائه الأساسيين. تقدمت سنة 2016 لانتخابات مجلس مدينة ريو ديجينيرو ، فحصلت على نتائج أذهلت الرأي العام وخلخلت معها الطبقة السياسية في المدينة، حيث تبقى امرأة سوداء من “مارى” ، تترشح لأول مرة، وتأتي على مستوى نتائج الانتخابات الخامسة الأكثر تصويتًا في المدينة (من بين أكثر من 1500 مرشح ، تم انتخاب 51 منهم. وعزز هذا النجاح مكانة مارييل فرانكو ، ليس فقط كقوة سياسية جديدة تدخل عمار السياسة وتسيير الشأن العام بالمدينة، بل كمستودع للأمل بالنسبة للقوى الشعبية الفقيرة والمشكلة من النساء والسود والفقراء المعدمين.

استغلت مارييل فرانكو منصبها الجديد للتركيز على ما اكتسبتها في حياتها من خبرات التحقيق والإدانة والتنظيم ضد عنف الشرطة الذي يتعرض له سكان المدينة الفقراء والسود. قبل أيام من اغتيالها، ذهبت إلى أكاري، وهو حي فقير مترامي الأطراف في ريو، للاحتجاج على عمليات القتل الأخيرة من قبل إحدى أكثر كتائب الشرطة التي تشتهر بالعنف. الشيء الذي يترك الباب مفتوحا لقائمة المشتبه بهم المحتملينن فشجاعة وإيمان مارييل فرانكو جعلها تقف ضد الفصائل العنيفة والفاسدة، مما يجعل رغبة تحييدها بقتلها توحدت من خلالها كل هذه القوى التي وقفت مارييل ضد مصالحها المافيوزية.

وبقدر ما شكل قتل مارييل فرانكو خسارة فادحة للبرازيل ولريو، كان أيضا مدمر لعائلتها، فقد تم انتخاب زوجها “ديفيد ميراندا” لمجلس مدينة ريو في نفس الوقت الذي كانت فيه فرانكو عضو بنفس الحزب، حيث خلفياتهم الاجتماعية متشابهة للغاية، نشأ ديفيد في واحدة من أسوأ الأحياء الفقيرة في ريو ، عاش يتيمًا ، وكان أول شخص مثلي الجنس ينتخب لمجلس المدينة.

كانت كراسي مارييل وديفيد في غرفة مجلس المدينة بجانب بعضها البعض، ولم يصبحا رفاق فقط، بل انخرطا في الاهتمام والعمل على نفس المشاريع، ولكنهما أفضل الأصدقاء، أصبحت مارييل مصدر إلهام حاسم لأطفالنا الذين تم تبنيهم مؤخرًا، يقول ديفيد. و تبقى مارييل دليلا قاطعا على إمكانية النجاح والتغيير في بلد لا تزال فيه العنصرية، وعدم المساواة الاقتصادية، والأفكار المسبقة من كل الأنواع قوة سامة، وجميع الجدران غير العادلة يمكن اختراقها، هذه الصورة التي كانت تتسع بسرعة عند الطبقات البرازيلية الفقيرة.

لم تقتصر التظاهرات المنددة باغتيال مارييل بريو دي جان نيرو، بل تجمع عشرات الآلاف من الناس للتعبير عن حزنهم لفقدان هذا الرمز الفاضل للأمل، وعبروا عن اشمئزازهم وغضبهم على الطبقة النخبة السياسية والاقتصادية في البرازيل، حيث يبقون الجناة الحقيقيين المسؤولين عن موتها، بسسب وقوفها ضد الفساد و عدم المساواة الهائل ومناخ العنف والفساد المستشري وأيضا إساءة استخدام الشرطة والفقر المدمر للحياة.

مأساة الاغتيال يتجاوز شخص مارييل فرانكو، فهذه الزعيمة السياسية الصاعدة بالضبط ما تحتاجه البرازيل أكثر من غيرها، كانت تعمل على تمثل محنة الغالبية العظمى من البرازيليين وكرست حياتها لتحسين الوضع وتغييره بدل استغلاله لمصالحها السياسية الضيقة على غرار غالبية الطبقة السياسية. الاحتجاجات مستمرة ورفاق دربها وكل من شاركها حلم التغيير ومحاربة الفساد والظلم يطالبون بكشف حقيقة وواقعة الاغتيال حتى لا يصبح هذا الحدث المأساوي منعطفا يرجع الأمور للخلف، ويترك البرازيل بيد الفصائل العنيفة حرة في قتل أي شخص مع الإفلات من العقاب مسنودة بقوى سياسية واقتصادية، ويبقى الشعار الذي تتناقل أصداءه بكل البرازيل يجب أن لا يذهب موت الأيقونة مارييل عبثا ، وجب من أجلها تحفيز الآلاف وعشرات الآلاف من “ماريليس” جديدة مستوحاة من مثالها وشخصيتها القوية بشكل فريد.

جابر الخطيب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.