ماذا وراء تصريحات بنكيران بخصوص الأمازيغية؟

خرج علينا رئيس الحكومة عبد الإله بنكران بتصريحات حول (ملف الأمازيغية) حاملة لمعاني كثيرة تستوجب منا الوقوف عندها, لمعرفة خليفياته السياسية ومراميها, وذلك عندما صرح وقال “كدت أستقيل…” معلقا على العراقيل التي تواجهها حكومته أمام الاصلاح حسب قوله, ويضيف “…ملف الأمازيغية مرتبط بجهات العليا يتجاوز مسؤوليتي وحكومتي…”.

هذا كلام يستدعي منا الوقوف, لكن لن نتوقف هنا عند المسؤولية المخولة لحكومة بنكيران في تدبير هكذا قضايا من داخل دستور 2011, كما لن نتوقف عند “تعثر تنزيل القانون التنظمي”, ولا عند فشل حكومة بنكيران في “ملف تدريس الأمازيغية” فكل هذا مبني على سياسة فاشلة وباطلة في أصلها, كما أن هذه “الملفات” ليست هي جوهر المشكل السياسي الأمازيغي بالمغرب, بل مشكلها يتجاوز الدسترة والتعليم والاعلام, ليصل إلى طبيعة إيديولوجية الدولة وهويتها السياسية المحتضنة ل “ملف الأمازيغية” كما ألفت الجهات الرسمية تسميها, وما هي ب”ملف” بل هي قضية وجود شعب بتاريخه وثقافته ولغته وهويته.

قول السيد بنكران أن “ملف الأمازيغية مرتبط بالجهات العليا” قاصدا المؤسسة الملكية, قول له قراءة واضحة يستدعي من إمازيغن التمعن فيها, وبالخصوص إذا علمنا بأن المؤسسة الملكية إلتزمت الصمت, ولم تشر إلى الأمازيغية في افتتاحها لدورة التشريعية البرلمانية, في حينه لمحت إلى الاعتزاز بما سمته “تامغربيت” و”الوطنية”, ولا ندري ما الذي يُقصد ب “تامغربيت”! وبماذا تتميز وتنفرد!

فإلتزام الصمت من أعلى سلطة سياسية في البلاد (عكس الخطابات السابقة) عن الأمازيغية وخروج بنكيران ليؤكد أن “ملف الأمازيغية مرتبط بالجهات العليا” ليس بالأمر العادي والبريء, بل هذا الكلام وراءه رسالة ما يريد بنكيران والمؤسسة الملكية أن ترسلها لامازيغن وهي أن “المؤسسة الملكية هي الضامنة الوحيدة للأمازيغية في المغرب” وبالتالي يجب على إمازيغن “التشبث بالمؤسسة الملكية إذا أرادو الحفاظ على الأمازيغية”.

فهذا الخطاب سبق أن نبهنا إليه من خلال مقالة نشرناها قبل أشهر تحت عنوان “الأمازيغ من الطوق التحرري إلى شرعنة الاستبداد” حينما بدأت بعض الكتابات مرتبط بالمخزن تروجه من خلال عدة مقالات تطالب بها إمازيغن ب “التحالف مع المؤسسة الملكية لضمان الحفاض على الأمازيغية” وأن “العدو االحقيقي للأمازيغية هم الأحزاب السياسية وليست المؤسسة الملكية” مستشهدة في ذلك بما تقوم به “المؤسسة الملكية من مجهودات للاعتراف بالأمازيغية والنهوض بها والمعارك التي تدخلت فيها كحكم لنصرة الأمازيغية مثل تبني مسألة الحرف الأمازيغي تيفيناغ بعد التجاذبات السياسية التي حدثت في المعهد بين الحرف العربي واللاتيني وتيفيناغ”.

كل هذا الكلام الذي قيل وما صرح به السيد بنكران وصمت المؤسسة الملكية, يراد منه إقناع إمازيغن بالتشبث بالمؤسسة الملكية في شخص الملك, ناسين أن ما تقوم به المؤسسة الملكية ما هو إلا إلتزام بصلاحياتها الدستورية ليس إلا, بإعتبارها أعلى هيئة سياسية تقريرية في البلاد, وبالتالي ما تقوم به لا يخرج عن صلاحياتها التي يخولها لها الدستور الممنوح, واستشهاد ب”مسألة الحرف” وتحكيمها فيه لا يخرج عن نفس الإطار الدستوري, وبالخصوص إذا علمنا أن “المعهد” مؤسسة استشارية لا تقريرية جل أعمالها ترفع للسلطة العليا للبث والحسم فيها.

وبالتالي فالملك ليس بالضامن ولا بالمنقذ بل وما يقوم به لا يدخل إلا في اطار صلاحياته الدستورية التقريرية والتحكيمية. وأعتقد أن نفس السيناريو سيتكرر مع ما سمي ب “القانون التنظيمي للأمازيغية” (إن صدر طبعا) الذي من المستبعد أن تتواقف عليه “الأحزاب السياسية” من منطلق نظرتها الايديولوجية وحساسية عدائها التاريخي, مما سيجعل المؤسسة الملكية تتدخل لتلعب دورها ك “حكم دستوري”, وهذا ما يريد أن يلمح إليه المخزن من خلال هذه التصريحات, قائلا بأن أي حديث عن الأمازيغية لا يمكن حسمه بمعزل عن المؤسسة الملكية، ما دامت الأمازيغية ترتبط بطبعية السلطة السياسية, هذا يقتنع إمازيغن أنها هي “الضامن الوحيد للأمازيغية في المغرب”.

كل هذا يراد منه تحويل الأمازيغية وإمازيغن إلا مشرعنين للسلطة بكل ما تحمله من صفات التحكم والتسلط والاستبداد, وما “ترسيم الأمازيغية” في الدستور الممنوح إلا جزء من هذه السياسية, يراد منه -الترسيم- إستعمال الأمازيغية كذريعة لتقوية السلطة السياسية السائدة بالمغرب, ثم الالتفاف على حقوق الأمازيغ المشروعة الديمقراطية وكذا التحايل على الترسيم الحقيقي للأمازيغية في دستور ديمقراطي شعبي لا سلطوي فوقي تحكمي تسلطي من خلال سياسة مخزنية معهودة بالهروب إلى الأمام دون تحقيق أي شيء يذكر على أرض الواقع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.