ماذا تعني خوصصة الدولة للتعليم

تاريخ إصلاح التعليم: تاريخ الإصلاحات العقيمة سأحاول فيما يلي جرد أنماط الإصلاح التي أقدمت عليها الدولة المغربية منذ ما قبل الاستعمار إلى اليوم. وقد ارتأيت أن أقسم تاريخ الإصلاح المذكور إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى وتغطي أواخر القرن التاسع عشر وبداية تغلغل الاستعمار الفرنسي عبر نظام الحماية. وقد هم الإصلاح في هذه المرحلة مقترحات لترميم التعليم العتيق، والتي يؤكد الكثيرون على أنها لم تكن سوى “ماكياج على البلغم” كما يقول المثل الشعبي. أما المرحلة الثانية فتهم أواخر الثلاثينات إلى منتصف الثمانينات. وكانت هذه أولى المراحل التي شهد البلد فيها نوعا جديدا من المدارس سميت بالمدارس العربية الحرة. وكانت إحدى أهم العوامل الفاعلة في إذكاء روح الوطنية في الناشئة المغربية. أما المرحلة الثالثة فتغطي بداية التسعينات من القرن الماضي إلى مشكل التعاقد القائم في القطاع اليوم. وقد ارتأيت أن أميزها عن المرحلة الثانية نظرا لأنها كانت الفترة التي شهد البلد فيها زيادة الطلب على الديون من المؤسسات الدولية، والتي كان وقع شروط قروضها مهما في تغيير الكثير من مناحي الحياة اليومية للمواطن المغربي، وخاصة في قطاع التعليم. المرحلة الأولى: شهد المغرب أولى أشكال التعليم مع تأسيس جامعة القرويين. كانت القرويين مركزا تعليميا جامعيا ذا صيت مهم إقليميا خلال القرون الوسطى. لكنها احتفظت بصيغة تعليم يقوم على حفظ المتون الفقهية وينبذ التراث الفلسفي والكلامي بإيعاز من السلطات التي كانت تدرك مخاطر مساءلة السلطة، ومن ثم شق عصا الطاعة والخروج عليها. مع نهاية القرن التاسع عشر لم يتجاوز عدد الطلاب المنتسبين إلى القرويين 1000 طالب، يقيمون في بيوتات الحبوس بالجامعة، ويعيشون على كسرة الخبز التي يجود بها المحسنون عليهم. كانت الدولة في شخص السلطان هي المسؤول الأول عن تعيين المدرسين، وتحديد مواد التحصيل والمواد التي يجب أن يتجنبها المدرس، والكتب التي يجب أن يلتزم بتدريسها المدرس. يقول مرسوم أصدره السلطان محمد بن عبد الله (1757-1790): «ليعلم الواقف على هذه الفصول، أننا أمرنا باتباعها والاقتصار عليها، ولا يتعداها إلى ما سواها… -الفصل الثالث في المدرسين في مدارس فاس، فأنا أمرناهم ألا يدرسوا إلا كتاب الله تعالى بتفسيره، وكتاب دلائل الخيرات في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كتب الحديث المسانيد والكتب المستخرجة منها، والبخاري ومسلما من الكتب الصحاح، ومن الفقه المدونة والبيان والتحصيل…[1]» بحلول العقد الأول من القرن العشرين انخفض عدد الطلبة إلى النصف. ولما كان التعليم يقتصر على الكتب المذكورة، ولا يقدم بديلا لطلابه، فقد كانت الجامعة تعيش أزمة حقيقية كانت تهدد وجودها. كانت سلطات الحماية تهاب هجرة الطلبة المغاربة إلى جامعات المشرق التي كانت تعرف ازدهارا نوعيا مهما. فمع توالي البعثات الطلابية التي أقدم عليها محمد عبده في مصر، وبعد عودة هذه البعثات وعملها على تجديد صيغ التعلم ومواده عبر الترجمة ونسخ نظم التعليم الغربية، أصبح النظام التعليمي بالمشرق وخاصة في مصر وسوريا ولبنان محط أنظار طلبة العلم إقليميا. أدركت سلطات الحماية مخاطر عودة الطلاب المغاربة من المشرق محملين بفكر التحرر، فدفعت سلطات الحماية بالسلطان إلى إصلاح شأن التعليم بالجامع المذكور تحت مراقبة فرنسية دقيقة. لم يعرف الوضع أي تغيير مضمونا، بل همت ‘الإصلاحات’ المذكورة تغيرا شكليا فقط. كان هذا الإصلاح أحد أولى النماذج التي سيتبعها مصلحو التعليم منذ ذلك الحين بالمغرب. إصلاح ستقرر فيه السلطة لوحدها بدءا وختما بمصالحها الخاصة دون رغبة جادة في إصلاح حقيقي. قامت سلطات الحماية بالإشراف المباشر على الإصلاح بحسب ما تقتضيه مصالحها الاقتصادية التي تهددها قيم التحرر والتنوير. يقول بول مارتي، وهو مؤرخ فرنسي بصدد الإصلاح المذكور: «ومن هنا يتضح أن هذه التدابير المختلفة، المقترحة من أجل تجديد القرويين، والخاضعة لمراقبة فرنسية دقيقة ليست، أبدا، تدابير ثورية، إنها لا تستهدف غير بعث نفس الحياة القديمة التي كانت لجامعة القرويين، ولكن بصيغة جديدة…إنها تدابير ستمكننا من توجيه التطور الداخلي لهذه الجامعة، التطور الذي بدا يعلن عن نفسه منذ الآن. إن المثل القائل ‘لا تحرك من لا يحرك ساكنا’ هو بكل تأكيد من أحسن المبادئ السياسية. ولكن عندما يتململ النائم ويهدد باليقظة، فإن الحكمة تقتضي ولا شك ألا يترك الإنسان نفسه يفاجأ بالأحداث[2].» لم يأت الإصلاح، كحال إصلاحات اليوم، نتيجة للوعي بأهمية التعليم، بل أتت قرارات ما سمي، ويسمى بالإصلاح، كخندق للتجهيل الإيديولوجي وخوفا من انتشار قيم التحرر والتنوّر. المرحلة الثانية: وتهم هذه المرحلة تنامي الوعي لدى سلطات الحماية بضرورة إقامة نظام تعليمي يؤدي مهام استكمال إخضاع البلد وأهله، وذلك عبر تلقين الطلبة المغاربة قيم خدمة الاستعمار ومصالحه. قسم خبراء سلطات الحماية ساكنة المغرب إلى ثلاث طبقات: طبقة النخبةوطبقة المدن المُعْدمةثم طبقة البوادي الأمية الفقيرة. أتى نموذج التعليم الاستعمار استجابة لحاجاته الاقتصادية الاستعمارية، ووفقا للتقسيم الاجتماعي المقترح أعلاه. فقد أقرت سلطات الحماية إنشاء مدارس تهم كل طبقة على حدا. فطبقة النخبة أنشأت لها مدارستدرس علوم الإدارة وأساليب التجارة الحديثة. كان الهدف منها إعداد طبقة متعلمة تعليما حديثا ستختص بالوكالة الاستعمارية، أي بخدمة سادة الاستعمار. بينما تم العمل على توجيه ناشئة الجماهير الحضرية والبدوية الكادحة إلى تعليم مغاير همّ المهن اليدوية (corvée) والصناعة التقليدية، بينما هم التعليم في البوادي تعليم الناشئة في تقنيات الفلاحة وتربية المواشي والصيد في المناطق الساحلية. على هذا الأساس تم إقرار سبل للانتقاء قامت على أسس (1) التمييز الطبقي بين فئات الشعب، وعلى (2) عزل شباب البد عن محيطه الإقليمي الذي كان يعرف طفرة فكرية نوعية تدعوا إلى التنوّر والتحرر، وعلى (3) الحفاظ على الطابع الديني التقليدي للمتعلمين في مدارس الكادحين خوفا من تأثرهم بمثل التحرر. كان هذا هو الإطار العام للتعليم الاستعماري. وعلى نفس الوتيرة استمر التمييز بين مدارس للخاصة تتوفر فيها شروط التعلم الجيدة، ومدارس للعامة، مدارس مهمشة وبعيدة عن متناول ناشئة المغرب عموما والقروية على وجه الخصوص. وحتى يتضح للقارئ ما نقصد بالنخبوية التي اعتمدتها سلطات الحماية سنورد أرقاما أسفله: بحلول سنة 1945، لم يكن عدد التلاميذ المستفيدين من خدمات التعليم يتجاوز 2،7 %من مجموع ناشئة الساكنة، ولم يحصل على شهادة الباكالوريا من هؤلاء في الفترة ما بين 1926 و 1936 سوى 30 تلميذا. وتشير حصيلة التعليم الاستعماري منذ إعلان الحماية إلى سنة 1945 إلى أن نسب التلاميذ المتخرجين لم تتجاوز 3 أطباء و 6 محامين و6 مهندسين فلاحيين. تشير الحصيلة المشار إليها أعلاه إلى أن التعليم الاستعماري كان نخبويا ينحصر في فئة ناشئة الإقطاعيين الكبار و”برجوازية” المدن. هذا بينما عرفت المدارس الخاصة باليهود المغاربة وبالمعمرين الاستعماريين نسب تسجيل أكثر، ونسب تحصيل مهمة في مدارس خاصة بهم، تقوم على تعليم ناشئتها تعليما عصريا ذا جودة عالية. أولى المدارس الخاصة بالمغرب. ستشهد الفترة التي تلت سنة 1944 نوعا جديدا من المدارس في المغرب. وهذه مدارس عرفت وتُعرف اليوم بالمدارس العربية الحرة. كانت هذه المدارس أولى أشكال التعليم الخصوصي التي أنشأتها الحركة الوطنية وكانت تتلقى التمويل من تبرعات المغاربة. عمل مسيرو هذه المدارس على تحديث أساليب ومحتوى التعليم. فبعيدا عن التعليم الاستعماري الذي كان يقوم على استعمال اللغة الفرنسية وعلى تلقين العبودية للقوى الاستعمارية الفرنسية، أكدت هذه المدارس، التي ما فتئت تزداد من حيث العدد، على الروح الوطنية وعلى قيم التحرر وحتميته في مواجهة المستعمر. جلب هذا على هذه المدارس ومسيريها وأساتذتها نقمة السلطات الاستعمارية التي واجهت توسعها بالعنف، وبإقفال أبوابها في وجه التلاميذ ونفي مديريها وأساتذتها. كان من أثر قيام هذا النوع من التعليم في البلد هو زيادات مهمة في نسب تسجيل التلاميذ ومتابعتهم لدراستهم بها. فقد ارتفع عددهم من بضعة آلاف سنة 1937 إلى 20,000 تلميذ سنة 1954. لكن الفترة التي تلت الاستقلال مباشرة ستشهد تحولا جذريا في نمط هذه المدارس. فمع نهم الطبقة المتوسطة إلى ضمان مستقبل أبنائها، وتفريط الدولة في محتوى مواد هذه المدارس وتخليها عن دعمها، ستتحول هذه المدارس غداة الاستقلال إلى مدارس تجارية هدف أصحابها الربح من التعليم الذي تقدمه. بل أصبحت تنافس مدارس البعثات الأجنبية، وتعتمد أساسا على تدريس المواد باللغة الفرنسية، كما نأت بمحتوى موادها عن كل القيم التي طالب باسمها المغاربة وقاوموا خدمة لها من أجل تحرير بلدهم. لما فتحت مدارس البعثات أبوابها في وجه النخب، وعلمت هذه الأخيرة بحتمية رحيل الاستعمار الفرنسي، أو على الأقل وجوده المباشر في البلد، تهافتت هذه الفئات على تسجيل أبنائها في هذه المدارس، وهو أمر لا زال قائما إلى اليوم. لقد فطنت النخب المذكورة إلى أهمية تعليم أبنائها تعليما عصريا، وذلك لأن كل المؤشرات كانت تشير إلى قرب رحيل سلطات الحماية، لكن وفي ظل مصالحها الاقتصادية، ستحتاج إلى فئة متعلمة ستعمل كوسيط بينها وبين مصالحها الاقتصادية بالبلد. وهكذا سينقسم التعليم منذ ذلك الحين إلى نوعين: الأول موجه لناشئة النخب يعتمد على فتوحات فنون الإدارة الحديثة وأساليب التسيير، لأن الغرض منها كان إعداد نخب ستشرف على إدارة البلد، وستقوم مقام الوكيل الاستعماري لسلطات الحماية. ونوع ثان موجه للفئات المهمشة يقوم على تعليم الحرف والمهن اليدوية. لقد اختارت النخب ‘الوطنية’، والتي كانت تدعي التبرم من نمط التعليم الاستعماري، تسجيل أبنائها في هذه المدارس لأن أفقها كان يعد بالسلطة والمنافع المصاحبة للعمل ‘السياسي’ كما تُعرف اليوم. وهذه ازدواجية في الخطاب لا زالت قائمة إلى اليوم. فغالبا ما يدرس مسيرو الشأن ابناءهم في المدارس الخاصة بلغات أخرى غير العربية، وبمحتوى يقوم على تقدير أحدث فتوحات علوم الإدارة والعلوم السياسية والاقتصادية، ويطالبون في الحين عينه بضرورة تدريس أبناء الطبقة الفقيرة على ‘القيم الوطنية’ وباللغة العربية. المرحلة الثالثة: وتغطي هذه المرحلة فترة زمنية تمتد من بدايات السبعينات إلى اليوم. انحصرت مشاكل التعليم خلال هذه الفترة في بضع مشاكل يمكن جمعها في رؤيتين متضادتين للتعليم. الأولى، وتهم النخب المذكورة التي كانت تلح على ضرورة تعليم ناشئة البلد باللغة العربية وعلى القيم العربية قوميا، السلفية دينيا، بينما تخص أبناءها بتعليم أوروبي حديث يبث في نفوس متعلميها النفور من القيم الوطنية الجذرية المطالبة بالتحرر الكامل على كل الأصعدة، وإصلاح تعليمي وطني وجاد يفتح أبواب التعلم في وجه ناشئة كل شرائح الشعب المغربي. كانت أهداف هذه الفئة، ولا زالت اليوم، الحفاظ على امتيازاتها فوائد انتماءها الطبقي. أما الثانية فتهم مطالب الفئات الشعبية التي طالبت بالإصلاح الجذري للتعليم عبر توحيده وعربنته (من العربية) وتعميمه ومغربة أطره. لقد تأثرت هذه الفئة، أي فئة الطلاب الذي تعلموا في المدارس العربية الحرة وفي جامعات المشرق (خصوصا سوريا ومصر) بمثل العدالة الاجتماعية وبضرورة تحقيق مبدأ توحيد التعليم: هم هذا المطلب حاجة الأمة الماسة إلى المساواة بين كل فئات الشعب وحق الجميع في تعليم عصري يقوم على أسس الولاء الوطني (لغويا ودينيا وثقافيا) ومنفتح على أساليب التدريس الغربية الحديثة وعلى فتوحات العلم الحديث في كل المجالات. أما المطلب الثاني فقد هم تأكيد هذه الفئة على ضرورة عربنة التعليم، عوض اعتماد لغة المستعمر. أما المطلب الثالث فهم تعميم التعليم على كل فئات الشعب المغربي، وهذا مطلب لا زال قائما إلى اليوم، وذلك عبر ضمان حق كل المغاربة (في البوادي وفي المدن) وبعيدا عن التمييز الطبقي الذي أقرته سلطات الحماية في حقهم في التعليم الجيد. أما المطلب الرابع فهم ضرورة مغربة الأطر. ففي ظل عجز التعليم الاستعماري عن توفير الكوادر والأطر الكافية لتسيير البلد في كل القطاعات. وهو مطلب سيستمر حتى برنامج إصلاح التعليم الذي تبنته حكومة محمد كريم العمراني سنة 1973. كانت إحدى أولى الضربات التي تلقاها التعليم بالمغرب هي برنامج إصلاح القطاع الذي سمي بالمخطط الثلاثي والذي امتد من سنة 1965 إلى سنة 1967. هم هذا المخطط تقليص ميزانية التعليم، وهو ما انعكس سلبا على نسب التمدرس الضعيفة أصلا. فمع انعدام البنية التحتية التربوية خاصة في المناطق القروية، ومع التقليص المذكور من ميزانية التعليم بقيت فئات واسعة من ناشئة البلد محرومة من حقها في التعلم. كما هم البرنامج الاستمرار في سياسة مغربة الأطر التي كانت، وبعد عشر سنوات على الاستقلال، لا زالت قائمة. وضم برنامج الإصلاح المذكور أيضا مقترحات همت التقريب بين أنظمة التعليم التقليدية والعصرية، كما ضم أيضا تشجيع التعليم الخاص. ففي ظل الفجوة الكبيرة التي كانت تعرفها أنظمة التعليم التقليدية التي حافظت كما ذكرنا على مضمونها القائم على حفظ المتون، ونظم التعليم العصري التي كانت مُفرْنسة في معظم المستويات عدا الثلاث سنوات الأولى من السلك الابتدائي، وجدت الدولة نفسها أمام تناقض صارخ بين حاجياتها وبين خريجي التعليم التقليدي الذين لا يتقنون أيا من المهام التي تتطلبها الدولة الحديثة[3]. سنة 1973، ستقدم حكومة أحمد عصمان برنامج إصلاح جديد سمي بالمخطط الخماسي، وامتد العمل به ما بين 1973 و 1977. أكد هذا البرنامج على ضرورة تشجيع التمدرس، وأكد على ضرورة الاستمرار في برنامج مغربة الأطر، وهو أمر كان لازال قائما، كما أكد أيضا على ضرورة توجيه التعليم صوب خدمة حاجيات الدولة، وأقر الحد من نسب التمدرس في التعليم العالي. كان لمخرجات هذا البرنامج أثر سلبي كبير هم الشرائح المتعلمة التي كانت تحلم باستكمال دراستها الجامعية، وكان بداية لنزوع سياسات تعليم الدولة الحالية إلى إعداد أطر لتولي مهام ذات طبيعة تقنية محضة قصد سد حاجياتها وحاجيات سوق الشغل. بعد فشل البرنامج المذكور ستقدم حكومة محمد كريم العمراني برنامج إصلاح جديد سمي بالمخطط الثلاثي، واستمر العمل به ما بين 1978 و1980. أكد الإصلاح المذكور على استمرار الدولة في تشجيع التكوين المهني، وأكد على استمرار الدولة في مغربة أطر التعليم، كما أقر بضرورة الاهتمام بالتعليم في العالم القروي. حتى ذلك الحين، كانت ساكنة القرى تشكل أغلبية مهمة بين ساكنة البلد، وكانت معظم ناشئتها محرومة من التعليم، وهو أمر دعا المسؤولين إلى إعطاء الأولوية لهذه الفئة، وعلى الرغم من إقرار الدولة بهذا الأمر كواقع معاش إلا أن ناشئة سكان القرى اليوم لا زالت محرومة من التعليم، وتتمدرس الفئة المحدودة منها في ظروف مزرية نظرا لتردي بنية المدارس التحتية. فشل البرنامج على غرار فشل البرامج السابقة، وأتى هذا الفشل في ظرف اقتصادي عصيب. فعلى الرغم من ضخامة أرقام ميزانيات التمويل إلا أنه، وعلى شاكلة البرامج السابقة واللاحقة، عرف اختلالات همت سوء التدبير واختلاس ميزانيات الإصلاح. لكن وعوضا عن انتباه الدولة إلى ضرورة إنشاء مؤسسات خاصة بالمراقبة والحكامة والإشراف، إلا أنها اختارت التقدم بطلب قرض للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لإنقاذ الدولة من الإفلاس والانهيار التامين. كانت شروط القرض واضحة: يجب الحد من إنفاق الدولة على التعليم، وذلك عبر الخصم من رواتب أطر القطاع أساتذة وتلامذته وطلبته، ووقف كل أشكال الإنفاق على البنية التربوية التحتية وعلى برامج التعليم الأولي الإجباري للجميع، وتشجيع التمدرس الخاص في الوقت عينه، وتوجيه الطلبة إلى معاهد التكوين المهني، وإحداث الأقسام المشتركة (مستويين في قسم واحد). لقد دخل القطاع خلال هذه الفترة، أي أواخر الثمانينات والتسعينات في انتكاسة همت الهجوم على مكتسبات أطر القطاع. لكن اليقظة النقابية للشغيلة التعليمية ستقلب موازين الأوضاع في البلد وستجبر الحكومة على الجلوس إلى طاولة الحوار. كان من نتائج الحوار الذي أجرته الحكومة مع النقابات فيما أصبح يعرف باتفاق فاتح غشت سنة 1996 احترام حق الشغيلة التعليمية في الإضراب، تراجع الحكومة عن قرار طرد الموظفين الذين طالهم تعسف الطرد أو التوقيفتعميم استفادة عمال القطاع العمومي من أشكال التغطية الصحية والاجتماعيةالتزام الدولة بدراسة مشروع التأمين الاجتماعي عن المرض، والتزام الدولة بتوفير السكن الاجتماعي (حوالي ألف وحدة سكنية كبرنامج أولي)التزام الدولة بدعم الموظفين في امتلاك سكنهم، تحسين أجور الشغيلة العموميةالتزام الدولة بتمتيع جميع الموظفين بالحد الأدنى من الأجرالتزام الدولة بحق أطر التعليم بالترقي على أساس الأقدمية، الرفع من الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص بنسبة 10%التزام الدولة بضمان استفادة الأرامل من راتب الموظف الهالك واستفادة ذوي الاحتياجات الخاصة من الدعم حتى سن 21ومواصلة العمل على توفير مناصب شغل سنوية لخريجي المعاهد والجامعات، وإدماج حاملي الشواهد المعطلينوأخيرا التزام الدولة بتحسين الأجور حالما تتحسن أحوال البلد الاقتصادية[4]. كانت هذه جملة المكاسب التي استطاع الحراك النقابي تحقيقها في حواره مع حكومة عبد اللطيف الفيلالي. لكن شهد المغرب خلال هذه الفترة أزمة اقتصادية ساهمت فيها توالي سنوات الجفاف وضعف المردود الفلاحي. على المستوى التعليمي تميزت هذه الفترة وحتى حدود سنة 2000 بمحاولات إصلاح همت المنهاج الدراسي بالخصوص. وعلى الرغم من أن العقد الأول من القرن الحالي سمي “عُشرية التعليم”، وعلى الرغم من إغراء القرارات على الورق التي أتى بها برنامج الإصلاح المسمى “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” والميزانية الضخمة التي رُصدت لتحقيقه إلا أن تفعيلها على الأرض شابه الكثير من العبث وسوء التدبير ونهب الميزانيات كما أقر وزير التعليم في ولاية العدالة والتنمية الأولى محمد الوفا، والتي وصلت إلى 33 بليون درهم. ستعرف هذه الفترة إقرار الدولة لأسلوب توظيف مؤقت هم فئة تعرف اليوم ب”الأساتذة العرضيين” و”أساتذة سد الخصاص”. أتى قرار توظيف هذه الفئة من حملة الشواهد المعطلين سنة 1999. كلفت هذه الفئة بأداء مهام الأستاذ التربوية مع حصر رواتبها في حدود 1800 درهم كأجر شهري، وعلى الفور شرعت هذه الفئة في الاحتجاج على الوضع المُزري الذي عاشته، ولم تسو أوضاعها إلا مع بداية العقد الثاني من هذا القرن. سنة 2009 ستُضطرّ الحكومة، على إثر فشل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، إلى إصدار برنامج ترقيعي جديد سمي ب “المخطط الاستعجالي” والذي استمر العمل به حتى سنة 2012. يورد الباحث الحسن اللحية جملة المشاكل التي شابت تنزيل المخطط الاستعجالي في: •تضخيم الجهاز الإداري بلا مبرر؛
• الارتجالية في تدبير مشاريع البرنامج الاستعجالي؛
• إبرام صفقة مع مكتب بييف حول بيداغوجيا الإدماج لاتعرف تفاصيلها إلا هي؛
• استبعاد المنتقدين من برامجها؛
• الاشتغال بالأوامر المباشرة و اللجن الخاصة؛
• اعتبار الإصلاح قضيتها وحدها؛
• عدم تقويم التكوينات المستمرة ؛
• عدم تقويم مراحل مشاريع المخطط الاستعجالي؛
• تعميم تقنيات التواصل على الجميع (الإدارات و المؤسسات التعليمية) دون تقويم للعملية و بيان أهدافها؛
• صرف أموال باسم جمعية النجاح التي كانت ترأسها على المؤسسات التعليمية لتمويل المشاريع[5]. كانت العبثية عنوان برنامج الإصلاح المذكور، وكان الفشل كما العادة من نصيبه. فعلى شاكلة الإصلاحات السابقة بدءا بإصلاح نظام التعليم بالقرويين في بدايات القرن الماضي ستبقى كل البرامج عرضة للفشل مادامت سبل تفعيل هذه البرامج خاضعة لنزوات الأفراد ولأشكال نهب الميزانيات وغياب عين الرقابة. بينما بدأت اليوم أولى بوادر الفشل على المشروع الجديد لإصلاح التعليم، وأقصد هنا “الرؤية الاستراتيجية 2015 -2030” في اللحظة التي أقرت حكومة العدالة والتنمية في شخص الحركي محمد مبديع عن إصلاح نظام التشغيل. هم “الإصلاح” الجديد إقرار التوظيف بالعقدة لكل أطر المؤسسات التربوية بدءا من الموسم الدراسي 2016 -2017. وقد أتى برنامج التوظيف بالعقدة بعد إقرار الوزارة الوصية لمبدأ فصل التكوين عن التوظيف والذي بدأ العمل به على مستوى مراكز التكوين الجهوي سنة 2014 فيما سمي ببرنامج تكوين 10،000 إطار. كان الهدف من هذا البرنامج هو إعداد طبقة من ‘الأساتذة المحترفين’ المستفيدين من التكوين والذين سيكونون رهن إشارة برنامج التوظيف الجديد، برنامج التعاقد. وعليه، فسيصبح بإمكان الأكاديميات الجهوية سد حاجياتها من الأساتذة عن طريق توظيف هذه الفئة من الأساتذة المحترفين، وبما أن الجامعة تفرخ سنويا عشرات الآلاف من الخريجين فإن مؤسسات التكوين ستقوم بإعدادهم لمهامهم. وبما أن الطلب على العمل سيكون أكثر من المناصب المعروضة من قبل الأكاديميات سنويا، فسيصبح بإمكان هذه الأخيرة فرض شروط عقد العمل على الفئات المعنية الراغبة في العمل، والإجهاز على مكتسبات الأستاذ الموظف. مؤشرات متأخرة على مضي الدولة في مشروعخوصصة التعليم كثيرا ما تكتب صحف أمريكية أو غربية عموما عن نموذج الاقتصاد المغربي الرأسمالي وتمطر نظامه بالمدح[6]. فقد كان المغرب في الخندق الرأسمالي يوم كان الصراع الإيديولوجي بين الغرب والاتحاد السوفيتي على أشده. وعليه، كان نصيب التعليم الخصوصي فيه على العموم مهما تماشيا و ‘قناعات’ قادته الليبرالية. وسيرا على نهج النيوليبرالية المتوحش، تخلت الدولة المغربية منذ منتصف الثمانينات عن الكثير من شركاتها ومقاولاتها لصالح القطاع الخاص. كان إقدام الحكومة بتوجيه من الملك الراحل الحسنالثاني على تأسيس وزارة الخوصصة سنة 1989 هو اللبنة الأولى في مشروع تخلي الدولة عن ملكها العمومي. فبحلول منتصف التسعينات كانت الدولة قد سلمت إلى القطاع الخاص ما ينيف عن 112 مقاولة وشركة كانت في ملكية الدولة، وهمت عملية الخوصصة قطاعات مختلفة كالسياحة والمناجم والفلاحة والصناعة. أما فيما يخص قطاع التعليم فقد دعا تقرير منح القرض الذي قدمه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى “الحد من الإنفاق العمومي في التجارة، والفلاحة والتعليم[7]…” وأضاف بأن “التعليم…من القطاعات التي تعرف ضعفا بنيويا… وتحتاج إلى استثمار شركاء من القطاع الخاص[8]…” ضمت التوصيات التي منحت بموجبها المؤسستين القرض المرقم ب2664 الخاص بقطاع التعليم سنة 1986 التقليص من ‘عبء’ ميزانية التعليم على كاهل الدولة وذلك عبر حجب نصف المنحة عن التلميذ المكرر للسنة الدراسية[9]، وخلق الأقسام المشتركة (أي تدريس مستويين في قسم واحد). كما أثرت الشروط المذكورة على رواتب الأساتذة ومنح التلاميذ والطلبة. فقد انخفض راتب الأستاذ في الفترة ما بين 1983 و 1986 بنسبة 18%، كما همت الشروط أيضا الخصم من منح الطلبة والتلاميذ، وخفض نسب الإنفاق على المدرسة الذي بلغ ما بين 1983 و1989 نسبة 11%. ومع بداية العقد الأول من القرن الحالي نص ميثاق الإصلاح الجديد”الميثاق الوطني للتربية والتكوين” على ضرورة إشراك القطاع الخاص في تمويل قطاع التربية والتكوين. وأشار رئيس الوزراء السابق عبد الإله بنكيران في خطاب قدمه في الذكرى الخمسين لتأسيس بنك التنمية الإفريقي سنة 2014 إلى ضرورة تخلي الدولة عن التعليم العمومي: “لقد حان الوقت لترفع الدولة يدها عن التعليم والصحة”، وأضاف بأن دور الدولة يجب أن ينحصر في تسهيل استيلاء القطاع الخاص على القطاعين المذكورين. يوضح الجدول أسفله مخطط الدولة الذي يقضي بحصار القطاع العمومي التعليمي وتشجيع البديل الخاص على استلام زمام المبادرة دون أدنى مراعاة لتحديد تكاليفه تحديدا قانونيا.
السنة 2000 2005 2010 2013 2020 2023 2030 2038
نسب التلاميذ المسجلون في مدارس خاصة بالسلك الابتدائي 4.2% 5.5% 10% 13% 24% 30% 52% 97%
الجدول: الأرقام باللون الأحمر توقعات للسنين القادمة حسب تزايد نسب التسجيل بالقطاع الخاص[10]. ما الدرس المتفاد من حملة الخوصصة التي بدأها المغرب في أواسط التسعينات ولا زالت رقعتها تتسع إلى حدود اللحظة؟ يقول موقع “أرشيف” على الإنترنت على لسان وزير المالية والخوصصة السابق عبد العزيز الطالبي بأن أرباح المغرب من عمليات الخوصصة في الفترة ما بين 1993 و2005تجاوزت 75،5 بليون درهم[11]. تعتبر هذه الفترة الذهبية لعملية الخوصصة، لكن ما تخفيه أخبار مماثلة هو من المستفيد من هذه العملية. يقول الباحث محمد بيغوتان في بحث أنجزه لمدرسة الاقتصاد بدبي بأن فئة النخبة الفاسية كانت المستفيد الأكبر من عملية الخوصصة، خاصة وأن لها صلات مهمة بالقصر منذ قيام الدولة العلوية[12]. يعتبر التعاقد، حسب المعطيات الواردة أعلاه بداية لاتجاه الدولة إلى خوصصة التعليم. تـؤكد كل المؤشرات المذكورة على أن الدولة تسير في هذا المنحى، وعلى غرار قطاعات أخرى كالنقل العمومي بالمدن، والماء والكهرباء، والصناعة، والسياحة، والرفع التدريجي للدعم عن المواد الاستهلاكية الأساسي منها والثانوي، وتحرير السوق من “القيود” القانونية التي تهم امتيازات العامل الاجتماعية وحقوقه في الترقية والتأمين الاجتماعي وحقوقه النقابية، على غرار القطاعات المذكورة سيتم التخلي عن التعليم العمومي في أفق قادم لا يتعدى العشرة سنوات. إن التعليم والصحة اليوم هما آخر قلاع الملك العمومي الذين ما فتئ المسؤولون في الإعراب عن تبرمهم من انعدام ربحهما المباشر، ويدعون باستمرار إلى تخلي الدولة عنهم، وهو أمر سيتم بالتدريج تفاديا للحنق الاجتماعي الذي قد يجهض محاولات الإجهاز عليهما الجارية اليوم. إن الهدف من مرسومي فصل التوظيف عن التكوين في القطاع ليسا سوى محاولة من الدولة لخلق فئة محترفة عريضة من الأساتذة ستبقى رهن إشارة الأكاديميات التي، وبفعل ازدياد أرقام المتخرجين ستجد أن كل الفرص متاحة أمامها للتوظيف بالصيغ التي تريدها وبالشروط التي ترى فيها مصلحتها فقط. ولأن نسب الخريجين في ازدياد مستمر ستعمل مراكز التكوين على تفريخ الأساتذة وستزداد نسب الإقبال أو الطلب على وظيفة الأستاذ، بينما سيقل العرض بالتدريج، وهو ما سيمكن الأكاديميات من توظيف فئة قليلة بالشروط التي تريد. على سبيل الختم لقد كان التعليم دائما بالمغرب موضع صراع بين السلطة وبين الشعب. فبينما يطمح الجميع إلى تعليم عصري يقوم على تربية ملكات التساؤل والفضول والتنوّر والانفتاح، لا تريد السلطة أيا من هذا، فقد رأت في التعليم على الدوام مصدرا للمعارضين وقلاقلهم، وأشرفت بشكل مستمر على أساتذته وعلى مواده، واستمرت في ضخ الميزانيات في برامج إصلاحه، ميزانيات غالبا ما يكون مصيرها سوء التدبير والنهب، وهو الأمر القائم إلى اليوم. لم يكن إصلاح التعليم العتيق في بدايات القرن الماضي سوى محاولة من سلطات الحماية خنق قيم التحرر والتنوّر ومنع وصولها إلى الفئات المعدمة خوفا من نقمتها وتحررها. وعلى هذا النهج ستستمر محاولات الإصلاح التي بقدر ما تعددت بقدر ما ساهمت ولا تزال في هزال التحصيل العلمي لطلبة المغرب، وما لم تسارع اليوم كل القوى الاجتماعية إلى إنقاذ المدرسة العمومية، فإن السلطة ستستمر في التفنن في صيغ التجهيل المسماة تعليما، وفي هدر فرص الإصلاح الواحدة تلو الأخرى.

[1]-محمد عابد الجابري. أضواء على مشكل التعليم بالمغرب. دار النشر المغربية: الدار البيضاء. 1985. ص. 8 و9. [2]-المرجع السابق، ص، 11 و 12. [3]-انظر مقال الحسن اللحية. “تاريخ الإصلاحات التعليمية منذ 1956 إلى اليوم.” جريدة الإعلام المدرسي على الإنترنت. 03 يناير، 2014. [4]– انظر نص التصريح المشترك لأطراف الحوار الاجتماعي وملحقه. 1 غشت، 1996. [5]-انظر مقال الحسن اللحية، الهامش رقم 3. [6]– انظر مقال Craig Copetas. «Morocco and Capitalism: aBeaustifulFriendship». New York Times. Aug. 8, 2007. [7]-World Bank.Report and Recommendation of the President of the IMF on a Propose Structural Adjustment Loan tothe Kingdom of Morocco.Nov. 8, 1988.ص 2. [8]-انظر المرجع السابق ص 6. [9]-انظر المرجع السابق ص، 74. [10]– انظر تقرير الجمعيات أسفله: the Coalition Marocaine pour l’Education Pour Tous, the Fédération Nationale des Associations de Parents d’Elèves au Maroc, the Global Initiative for Economic Social and Cultural Rights, the Mouvement Anfass Démocratiques, Bayti, the Union des Etudiants pour le Changement du Système Educatif, Zaynoo and ATTAC/CADTM Maroc. [11]-انظر المقال على صفحة Web.archive.orG. «PrivatizationearnedMorocco 7.55 Billion Euros in 11 Years. 4-2-2005 [12]– Biyagautine, Mohammed. The Political Economy of Privatization in the Maghreb Region. Nov. 2011

منادي إدريسي عبد الباسط .

العثور على مدفع بقصبة سنادة والأستاذ عبد العزيز طليح يعتبر مقاربة تدبير التراث الأثري بالريف غير مجدية إن اقتصرت على ترميم المعالم فقط

جمعية عائلات معتقلي حراك الريف تندد بممارسات مدير سجن عين عيشة اتجاه المعتقلين وتقرر الاحتجاج