لِلأسفِ عٌيون

و أنت تُدير ظهرك للآخرين، تذكر أن عيون الاسف لازلت ترْقَبُ أن تنطق إسمها، فمهما طال الزمن تبقى الكلمة مُداوية لكل الجروح التي سببناها للآخرين.. لمن هم قريبين منا، للبعدين. لمن نتقاسم معم سواد المعاناة، لأولئك الذين رسموا على أياديهم شارة النصر، و حينما اقتلعوا أصابعهم طارت الشارة و بقي طيفها يزورنا كلما تذكرنا أسمائهم.

أسف… على الهوية التي بحثُ عنها في كتب التاريخ و بين سطور الماضي، وفي سجلات المخزن، لكنها كانت مختبئة في عيون أمي، و شقوق أقدام جدتي.

أسف… لتلك الصبية التي صفعتها أول مرة لأجرب فيها خشونة ذكورتي و قدرتي على أن أجعل الجنس الآخر يُطيعني و لو كان بالصفع و الركل.

أسف… للذين خرجوا ينادون بالحرية و العدل، و حينما نشب المخزن أظافره في لحومهم. تركناهم لبرودة الزنازين و سياط الجلاد، و أسرعنا لنضع صورهم في “بروفيلاتنا” و نكتب تحتها عبارة (كل التضامن)، و نخرج مساءا لندخن سيجارة تَبدد دخانها كما تبدد أملهم فينا.

أسف… للتاريخ الذي لوثوا صفحاته بدماء الشهداء و صنفوهم في خانة الخونة، و توجوا الخونة في عرش الأموات و غرسوا الزهور بين لحُودِهم فخلنا أن التاريخ هو من خانهم لكنه كان من هذه التهمة بريء.

أسف.. لبائع النعناع الذي لم يمل من إنتظار بارقة الأمل الخضراء خُضرة نعناعه، فمصصنا لونها في إبريق الشاي و رميناه قرب باب بيته دون أن نقول له شكراً.

أسف… لمن كانوا بيننا، فخطفهم الموت دون أن يستأذن، لم يجدوا من يداوي جُرح عذابهم و تأوه أنين قسوة الحياة عليهم، تعذبوا في صمت و خلنا بكائهم ضحكٌ، و أنينهم الصامت همسٌ للمُستقبل.

أسف… للنساء و طني، مـر عيدهن دون شموع تبكي ألم وضعهن، مر دون مساحيق و روتُشات تخبئ عذابهن. في الجبال كانوا، أو في السهول يرتعون من بقايا الأخر.. أقول لهم أسف.

أسف… لمعلمة الـصف السادس، إستنميت على صورتها دون علم عيونها المُكحلتين، لطختُ سروالها العُذري دون أن أنال من حُمرة شفتيها و من هِمة تعبها من شقاوتنا.

أسف… للجياع و للمرضى و بائعي “كلينيكس”، صُورهم باتت مشهدا مألوفا نقيس به درجة إنسانيتنا كلما مررنا بجانبهم و حاولت عيوننا أن تدمع لحالهم.

أسف… لشهادتي الجامعية التي تآكلت جنابتها من كثرة ترددها على المصالح، لاقت برودة الشتاء بصبر، و لهيب شمس الصيف بتجلد، لم تفارقني لأنها عرفت أن إسمي العائلي على بياضها تُهمة.

أسف.. لذلك الإسكافي الذي عالج ثقوب الحذاء، و عجز عن إصلاح ثقوب عقل صاحب الحذاء. فكم من واحدة لاحق، و من طريق سلك، و لقضية خان.

أسف… لعامل النظافة نُخَزِنُ القمامة حتى تُطلق عفونتها و نضعها في الصناديق، ظننا أنه المسؤول عن وسخ مدينتنا لكنه  المسكين أكثر مسؤولي الدولة إتقانا و تفانيا في عمــله.

أسف… للوطن كتبنا إسمه على بياض دفاترنا، و لونا خرائطه في الجغرافيا دون أن نحس ألمه، أو نشعر بصياحه وهو يتعذب بين فكي التماسيح و العفاريت التي لا تظهر إلا بربطات العنق.

أسف… لنادلة المقهى طلبت منها فنجان قهوة و ابتسمت في وجهي، و عيوني تراقب نهداها بشراسة سوداء، سواد لون القهوة التي طلبتها.

أسف… لمسؤولينا و وزرائنا اعتقدنا أنهم يصرخون في البرلمان حبا فينا، و هم لم يكونوا سوى “كلاب” تنبح كي تَدُلَ الذئاب على أين توجد ثرواتنا.

أسف … للأسف الذي لم أجد سواها لأعلن للآخرين أننا نبحث عن مشاجب نعلق عليها فشلنا في أن نكون أحـــــــــــــــراراً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.