fbpx

ليس دفاعا عن محمد بن عيد الكريم الخطابي

من الطبيعي جدا أن يكون الرجال العظماء مثار جدال وخلاف يصل حد التناقض. وفِي حالة محمد بن عبد الكريم الخطابي، فقد تعودنا أن يجد فيه اليساري ذاته، نفس الشيء بالنسبة للإسلامي والعروبي والأمازيغي والإنساني حتى. ومن حق أي كان أن يرى في محمد عبد بن عبد الكريم ما يريد، شريط أن يدرك أن الخطابي يظل أكبر مما يراه فيه زيد أو جاك.
من المطلوب وبإلحاح إخضاع التجربة الخطابية لنقد صارم مؤسس على البحث العلمي المتعدد التخصصات.
وعادي أيضا أن يتعرض الخطابي من طرف أعدائه للتخوين والتشويه. لكن ما ليس عاديا ولا طبيعيا، هو أن يُستهدف، من طرف أبناء جلدته ومن المحسوبين على نخبه المثقفة المتنورة، في ذمته وكرامته وحنكته العسكرية والسياسية والفكرية التي لا تزال وعلى امتداد قرن من الزمن تُلهم شعوب العالم وتثير اهتمام الباحثين الأكاديميين والمهتمين، على نطاق دولي وبشكل متواتر.
ما ليس مقبولا هو أن يتحول محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى مرتزق وسارق وخائن وجبان على إثر تدوينات ولايفات شاردة. وقمة العبث هو ان يتم ربط تهمة السرقة بمولاي موحند زمانيا بلحظة حصار الريف والهجوم عليه بالغازات السامة غداة التآمر الدولي على المقاومة الريفية. فكيف يسرق المرء حين يكون محاصرا جوا وبرا وبحرا؟ كيف يفكر في السرقة من يتعرض شعبه للإبادة من طرف تحالف استعماري همجي؟ كيف يجرؤ على السرقة من يمضي إلى المنفى؟ وماذا يسرق ولماذا؟ ومَن الأجدر بان يُتهم بسرقة ثروة الريف وثورته؟ هل هو الضحية أم الجلاد ؟ هل هو قائد تلك الثورة التحررية أم هم من هاجموا الريف بقوة خارقة وبأسلحة محرمة دوليا؟ وأي ثروة يمكن سرقتها من طرف شخص تعادل تدمير تجربته التحررية ودولة حديثة كان في طور بنائها؟ وعلى افتراض أن محمد بن عبد الكريم الخطابي أخذ شيئا ما من ثروة الثورة، فما قيمة ما قد يكون أخذه مقارنة بما تم نهبه من طرف القوتين الإستعماريتين الفرنسية والإسبانية وحليفهما الداخلي؟ ومن هو حري بان يُتهم بالسرقة والنهب ويُساءل ويحاسب هل هو المعتدي أم المعتدى عليه؟ فلماذا هذا السكوت إذا عن الخونة الحقيقيين وعن اللصوص والمجرمين الفعليين وتوجيه التهم إلى إنسان تقاذفته المحن والمنافي، لم يُخلّف غير الأمجاد ولم يورث لأبنائه غير العلم والقيم التي أفنى عمره يدافع عنها، وقاوم كل الإغراءات كي لا يساوم عليها؟
ولماذا كل هذه الجرأة والإصرار ريفيا ومغربيا على جلد الذات وتدمير رموزها وتشويه تاريخها فيما المطلوب هو التفانى في تحصينها، مع ضرورة إعمال الفكر النقدي لا الحقدي في قراءتها؟
إن محمد بن عبد الكريم الخطابي إسوة بقادة المقاومة وأبطالها كانوا لحظة الهجوم على الريف من طرف التحالف الإستعماري منشغلين بالدفاع عن النفس وصد العدوان، وحين اشتد الحصار على الريف وتمادي الغزاة في إبادة شعب أعزل كان هم قادة المقومة هو وقف تلك الإبادة وتخفيف الخسائر في الأرواح والممتلكات. لم يكن الوقت يسمح واقعيا ولا منطقيا لمحمد بن عبد الكريم ولغيره بالسرقة والمتاجرة بسلاح المقاومة. ولو كان يريد الخطابي أن يسرق لما انتظر إلى ان يحاصَر الريف وشعبه حصارا رهيبا كي يفعل ذلك، كان بامكانه أن يسرق حين كان في عز مجده وقبله. لو كان الرجل من هواة النصب والسرقة لما تمكن من توحيد الريفيين الذين كانوا غي حالة السيبة (الريفوبليك)، على اعتبار أن الشعوب لا يوحدها الخونة واللصوص، ولا تصنع الملاحم وهي تنقاد خلف الجبناء. واتهام الأمير هو اتهام لكل الذين صنعوا أمجاد الريف خلف راية المقامة وبقيادته. ولو كان الأمير لصا لما ظل منفيا في جزيرة لارينيون لأكثر من عشرين سنة، ولما نزل بالقاهرة مع عائلته خالي الوفاض تاركا كل أمتعته بالباخرة الفرنسية، ولما مكث بالقاهرة منفيا إلى ان مات ميتة العظماء. لو كان الخطابي يهوى المال الحرام لعاد إلى المغرب كي يأخذ نصيبه من الوزيعة، كما فعل غيره، أو لما غادر الوطن أصلا، ولكان قبل عروض المساومة التي عرضت عليه حين كان بالريف وبجزيرة لارينيون والقاهرة.
إن المنفي لا يسرق.
المنفي يترك كل شيء وراءه ولا يحمل معه غير ماضيه وأحزانه وأحلامه المنكسرة ليرممها هناك في غربته القاسية.
الذي صودرت أملاك عائلته، لا يسرق.
الذي يصنع التاريخ، ليس جبانا.
الذي كانت البيصارة غذاءه الأساسي لا يسرق.
الذي اختاره الريفيون قائدا، لا يخون.
الذي صنع ملاحم خالدة، لا يخاف.
الذي اسمه مولاي موحند لا يمكن المزايدة عليه.
هذا الذي لم يسرق ولم يخن ولا يخاف: الأمير، مولاي موحند، الزعيم، محمد مّيس ن عبد الكريم الخطابي وفِي ذكرى رحيله وعلى مقربة من الإحتفال بمرور قرن على ملحمة أنوال التي ارتبطت باسمه، ما أحوجه، أولا، إلى الإنصاف وإعادة الإعتبار له في بلده وبلدته. وما أحرجه، ثانيا، إلى الدراسة والتقييم العلميين لتحريره من الأسطورة والخرافة ومن إسقاطات خصومه ومريديه.
وإذا كان ولا بد من مطاردة ناهبي الثروات والزعماء الجبناء فلنبحث عنهم بيننا وفِي حاضرنا. لتكن لدينا الجرأة على مواجهتهم ومحاكمتهم، والأكيد أننا إن استطعنا ذلك فإننا سنهتدي إلى من سرق واختلس ثروات الثورة والوطن والشعب من الآن وارتدادا إلى زمن المقاومة الريفية وأبعد، فينكشف المستور.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.