ليس دفاعاً عن بوعشرين

لنفترض أنني كلما كتبتُ وكلما سنحت لي الفرصة، أعيد على مسامعكم” انا ابن مربية الماعز”، ودائما ما استعمل هذا التعبير في معرض افتخار.
غدا أو بعد غد قد أصير ما أريد، وقد يكتب عني ” صحفي صديق”: ماذا بعد أن صار ابن مربية الماعز ما يريد؟ فهل سيكون هذا الصحفي يمدحني أم يذمني؟
إذا تم استحضار السياق الذي ذكرته من قبل، فالأكيد أن الصحفي سيكون في معرض مدح لشخصي، وهو ما يسمى في البلاغة العربية ب”الذم في معرض المدح”، لكن ان قيلت في حقي الجملة منزوعة من هذا السياق، فسنكون حينئذ في معرض الذم  والتنقيص من شأني، لا مراء في ذلك.
هذه المقدمة، كانت ضرورية للاشارة إلى المقال الذي كتبه الصحافي توفيق بوعشرين في جريدته حول تزكية إلياس العماري امينا عاماً لحزب الأصالة والمعاصرة، وعنونه ب”ماذا بعد وصول ابن مربية الدجاج الى قيادة البام؟”. وبالنظر الى محتوى هذا المقال مقارنة مع ما كان يكتبه بوعشرين عن حزب الأصالة والمعاصرة، فإننا سنلمس لا محالة تطورا، إن لم أقل انعطافا في تعاطي بوعشرين مع الحزب، فحوى المقال عموماً يذهب إلى التسليم بأمر الواقع، في كون حزب الأصالة والمعاصرة صارا رقما حزبيا لا يستهان به.
حتى عندما وظف بوعشرين عبارة “ابن مربية الدجاج” طيّ المقال، وظفها في سياق تخدم الياس ولا تنقص من شأنه ابداً، وظفها في معرض طرحه أسئلة حول مستقبل الصراع بين البيجيدي والبام بعد تربع الياس على قيادة هذا الأخير، واستعمل جملة “لكن ابن مربية الدجاج يعول على استراتيجية أخرى في مواجهة البيجيدي”. فلنتذكر أن بنكيران وعشيرته كلما أرادوا الحديث عن إلياس تحدثوا عنه مأسورا بألقاب وأوصاف معيّنة، من قبيل (السلكوط، بائع الغبرة، كيخوف الناس بالحبس، التحكم، التماسيح، العفاريت…الخ)، وكان يردّ الياس على هذه الاتهامات بأجوبة من قبيل (أنا ولد خديجة مربية الدجاج، انا ولد فقيه…).
في المقال نلاحظ أن بوعشرين لم يستعمل  اوصاف البيجيدي ولا حتى ما يداني معانيها في حديثه عن صراع الياس وبنكيران، بل استعمل وصفاً وديعاً، يحبّذه الياس كثيراً، وغالبا ما يوظفه جوابا حينما يُطرح عليه سؤال : أنت رجل نافذ.
بوعشرين في توظيفه لهذا الوصف المحبب الى الياس فإنه يقف الى جانبه وليس ضدّه، بوعشرين لسان حاله هنا يقول أن الرجل ليس تمساحاً ولا سلكوطا ولا… بل هو ابن مربية الدجاج، وابن مربية الدجاج لا يمكن له إلاّ أن يكون ولداً طيباً، مهما تدرّج في مسالك المكر والذكاء.
عموما، إن تخلّصنا من شَرَك العنوان، واستحضرنا السياق، سنجد أن المقال يمدح الياس وحزبه ولا يهجوه أو يذمه، بل ربما قد نعتبر المقال فيه تأشير على اشتغال حاسة الشم لدى بوعشرين، وهو المعروف عنه من فرط برغماتيته أن حاسة الشم لديه لا تخطئ الهدف، أضف إلى هذا بوعشرين نفسه اعتذر عن التجريح الذي قد يُفهم من عنوان المقال، وأقسم انه لم يكن في نيته ولا علمه أن هذا العنوان سيثير كل هذه الضجة، وأحسبه صادقاً فيما يقول، فلو كان قصده غير ذلك لكانت له سبل اخرى للتحايل والامعان في التجريح.
خلاصة القول، مقال بوعشرين كان فيه نوعا من الاجتهاد في التزلف لالياس، ولم يكن موفقاً في اجتهاده، لكن الأكيد أن الياس كان منتشياً بهذه الخدمة الجليلة التي قدمها له “صديقه” بوعشرين.
ثمة سؤال اخر قد يثار على هامش هذا النقاش، وهو سؤال مفخخ، سؤال منذور للعاطفة والتسرع أكثر مما هو متاح للتأمل والتروي، السؤال المطروح يتأرجح بين المهنية الصحافية ومقاربة النوع، فقد يقول قائل: أنا لا يهمني الياس ولا بوعشرين، لكن يهمني لماذا أقحممت والدة الياس في النقاش وهي (امرأة لا ناقة ولا جمل لها في الرهانات السياسية لابنها)؟ أليس اقحام الوالدة في النقاش هو نوع من الذكورية التي فُطمت على التنقيص من شأن المرأة؟
في الاجابة على السؤال لا يمكن لنا إلا أن نقول نعم، ما كان له أن يقحم والدته في النقاش، لكن أيضاً هذا ليس معزولا، فأغلب العناوين الصحافية تُكتب بِنَفسٍ ذكوري واضح، ومع ذلك لا نحتج ولا نأبه لذلك، بل احيانا نصادف “مجازر” مهنية، وتحقيراً واضحاً للمرأة ومع ذلك لا أحد يحتج أو ينتبه أو يتضامن.
قبل أشهر اقترف موقع “كود” جريمة في حق تليمذة  تدرس في الباكلوريا، وصاغ عنواناً للخبر تنزّ منه عفونة الذكورية المتغطرسة وتحقير المرأة، يقول العنوان “دعوة الشاعر مليكة مزان لممارسة العادة السرية بدأ التجاوب معاه.. شوفو اش دارت هاد الدرية” مع ارفاق الخبر بصورة الصفحة الفايسبوكية للفتاة المقصودة وفيها تظهر صورة البروفايل، والتدوينة التي يتحدث عنها الخبر، حيث كتبت ” وووواوو جبتو حمدلله”، طبعا الفتاة تلميذة في سنة الباكالوريا، كتبت هذا احتفاءً بنجاحها في امتحانات الباكالوريا، لكن تم اعطاء تأويل جنسي للتدوينة، رغم أن المرحلة كانت مرحلة امتحانات الباكالوريا، وليلتها كانت ليلة اعلان النتائج، ومع ذلك لم نرَ احتجاجا واستنكارا واسعين، فقط تدوينات فايسبوكية محدودة تحدثت عن الامر، ولم ينبر احد من صحافيينا ولا مناضلينا ومناضلاتنا ليقولوا اللهم ان هذا منكر، وليحتجوا ويستنكروا، بل الجل التمس العذر للصحافي أحمد نجيم صاحب موقع كود، هذا العذر لم يلتمسه أحد لبوعشرين، فما السبب يا ترى؟
قد نكلّ من البحث عن السبب والاسباب، لكن أكيد لن نجد سببا واضحاً ومقنعاً، الجواب عن السبب يكمن بكل تأكيد في طمي السياسة التي غطّت عن الموضوع فوجهته أين تشاء.
اذا استحضرنا مقاربة النوع، فبوعشرين أخطأ في صياغة العنوان، رغم أنه ليس من أولئك الذين يمكن تصنيفهم في خانة “اعداء المرأة” بل مواقفه العامة من المرأة متقدمة جداً مقارنة مع العديد من الصحافيين والصحافيات حتى.  اذا استحضرنا السياسة السياسوية على الطريقة الموغربية، فبوعشرين قدّم خدمة جليلة لالياس، بغير هذا وذاك، فالعقلية الذكورية، وتحقير المرأة والتنقيص من شأنها لا تكمن في “مربية الدجاج” فقط، بل هي طبقة سميكة تغطي جلّ اقوالنا وافعالنا واحاديثنا وأمثالنا وبل تشمل حتى اللغة نفسها التي نعبّر بها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.