لهذه اﻷسباب انتحر سعيد آيث حمد بمنطقة تماسينت

تقاطرت على بلدة تماسينت (إقليم الحسيمة) سنة 2000، شاحنات جيء بها لنقل أكبر عدد ممكن من الناس لاستقبال الملك محمد السادس فجر توليه الحكم، في أول زيارة له لمنطقة الريف بعد أن قاطعها والده الحسن الثاني لعقود، أي منذ أن زارها آخر مرة سنة 1958، إبان ما يُعرف بعام “إقبارن” لدى الريفيين وب”تمرد الشمال” في عموم المغرب، وهو الظرف الذي قُتل فيه اﻵلاف من نسوة وشيوخ وأطفال وشباب الريف اﻷبرياء.

في ذلك الصباح اختار الطفل سعيد آيث أحمد ركوب إحدى حاويات الشاحنات كما باقي أترابه، الذين دفعهم الفضول الطفولي للتوجه إلى منطقة أجدير لمشاهدة موكب الملك.

كان الطفل سعيد لا يتجاوز سنه 14 عاما، عندما شُحن مع العشرات من أترابه وكذا العشرات من الشيوخ الطاعنين في السن في حاويات الشاحنات لاستقبال الملك بأجدير..

سعيد لم يُكتب له أن يصل إلى أجدير على متن شاحنة، بل نُقل في سيارة إسعاف إلى أبعد من أجدير، نقل للعلاج بالمستشفى الجهوي محمد الخامس بمدينة الحسيمة، بعد سقوطه من الشاحنة وإصابته على مستوى الرأس إصابة بليغة.

منذ ذلك الحادث المشؤوم، انقلبت حياة الراحل رأسا على عقب، حيث تجرع الكثير من اﻵلام الجسدية والنفسية لمدة 15 سنة، رغم كل تلك اﻵلام، ظل إلى اليوم الذي قرر فيه الرحيل عن هذه الحياة، يمارس فضيحة الحياة بحب وأمل كبيرين. .

ابتسامته لا تفارقه أبدا رغم الوجع الداخلي الذي كان ينهشه، كان فاعلا للخير وشديد الحرص على مساعدة الناس المحتاجين.

15 عاما قضاها بين محطة تماسينت ومحكمة الحسيمة، 15 عاما قضاها في مكاتب المحامين..

ظل ينتظر قرابة عقدين من الزمن، تعويضات لم تأت، كانت مجرد وعود كاذبة وضحك على طفل أصيب في حادثة لم يخترها بنفسه.

عندما أشعل في نفسه النار عشية الثلاثاء 25 مارس، كان يُحاول إخماد نار الظلم والحكرة والاحتقار، كان يردد لقد سرقوا حقي، لقد أهانوني في المحكمة وضحكوا علي.

لقد كان عائدا لتوه من المحكمة ومكتب المحامي بالحسيمة، فقرر أن يحتج ليوصل رسالته إلى مسؤولين من كرطون لا يسمعون ولا يبصرون.

وحتى بعد أن أُخمدت ألسنة النيران التي أتت على كل جسمه، ظل مستلقيا على اﻷرض، يردد بكثير من الاستهزاء واﻷلم ومخاطبا رجال الدرك الملكي وقائد جماعة إمرابطن:

أنتم أولاد ال… “حكارة”، لماذا ضربتموني ورفستم بطني بأخذيتكم؟

لماذا تنعتونني ب”الز…”؟ لماذا تستفزونني وتأخذون مني أموالي؟

سعيد أحرق نفسه إحتجاجا على القضاء الفاسد وعلى الحكَرة واللامبالاة والتأجيل والوعود الكاذبة والانتقاص من رجولته وإنسانيته.

واحتجاجا على دركي يشتغل بملحقة تماسينت للدرك الملكي، هذا الدركي عقَّد الراحل بسبب نعته له ب”الز…” (المِثلي) وكذا تعنيفه وضربه.

مما أثر فيه وعانى من أزمات نفسية حقيقية. إذن هي 15 سنة من التأجيل، تأجيل موت طفل مات عمليا سنة 2000، في أول زيارة للملك إلى الريف ( الحسيمة)، لكن موته أخفي عنا كل هذه المدة وأعلن عنه رسميا يوم الجمعة 27 مارس 2015. تعازينا لأسرة وعائلة الراحل سعيد آيث أحمد، وتعازينا لقلعة الصمود والكفاح “تماسينت” الشامخة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.