لماذا يتعلق العرب والمسلمون بنظرية المؤامرة؟

“أمريكا هي الطاعون. والطاعون أمريكا”. هكذا أنشد الشاعر الفلسطيني الراحل “محمود درويش” في إحدى قصائده. وذلك هو لسان حال الكثيرين في العالمين العربي والإسلامي ممن يشيطنون الولايات المتحدة والغرب عموما. والشيطان في الوعي الإنساني هو رمز للشر، بل هو الشر نفسه. لذلك فإن شيطنة أمريكا ومعها منظومة القيم الغربية تأتي في سياق الصراع المعلن حينا والخفي أحيانا بين قوى الشر وقوى الخير. وقد شكل التقابل بين الخير والشر منذ أحداث 11 شتنبر معادلة أساسية في السياسة الأمريكية تحديدا. وتكاد كل خطابات الرئيس الأمريكي السابق “جورج بوش” لا تخلو من المفهومين. وهذا يعني أن النزوع إلى تصنيف الآخر في خانة الشر لا يرتبط بتقافة محددة، لكن الحقيقة المؤسسة لهذا السلوك عند العرب والمسلمين هي نظرية المؤامرة التي أصبحت عقيدة ثابتة في ضميرهم الجمعي…

    وبمقتضى هذه النظرية، فإن الغرب “الكافر” يتحمل كل المسؤولية في الويلات التي يعيشها العرب والمسلمون، وهو الذي يحرك خيوط المؤامرة التي تستهدفهم، وتحول دون تحقيق أسباب الأمن والإستقرار في بلادهم. بل إنه المسؤول الأول عن كل الجماعات الإرهابية التي تنبت في كل مكان وتضرب في كل مكان. هذا الغرب المتآمر هو الذي يقف وراء تفجيرات 11 شتنبر الشهيرة، وهو الذي صنع القاعدة وداعش والنصرة وبوكو حرام… وهو الذي دبر عملية ” تصفية شارلي إيبدو” من أجل الإساءة لصورة المسلمين. إنه المدبر الأول لمخطط تدمير سوريا وليبيا. وهو الذي قتل أبناءه في العملية الأخيرة في “متحف باردو” في تونس من أجل استهداف التجربة الديموقراطية في هذا البلد…

   هذا هو التحليل الذي لا يمل المدافعون عن النظرية من تكراره. وهو التحليل ذاته الذي يعتبر مصائب العرب والمسلمين ومآسيهم قدرا صنعته إرادة أمريكا وكل المتواطئين معها من الماسونيين والصهاينة والعلمانيين… وسواء تعلق الأمر بفلسطين أو العراق أو اليمن أو ليبيا أو سوريا أو غيرها من بؤر التوتر في المنطقة، فإن أصابع الإتهام تتوجه إلى الشيطان الأكبر: أمريكا لا تريد الخير للعرب و المسلمين، لذلك تزرع الفتن والقلاقل بينهم. و هي وحدها المسؤولة عن واقع الأمة التي تتخبط في الأزمات، وتعيش على إيقاع التشتت والفرقة والتشرذم.

    في علاقة بالموضوع يفرض السؤال التالي نفسه بإلحاح: ما الذي جعل العرب والمسلمين تربة خصبة تثمر فيها شجرة المؤامرة دون غيرها من بلاد العالمين؟. لماذا لا يملكون مثلا المناعة اليابانية أو الصينية لمحاربة شيطان الغرب المتآمر؟. أعرف أن أكثر الأجوبة الممكنة حضورا في الأذهان لا تنسلخ عن فكرة المؤامرة مرة أخرى. لذلك سيظل الواقع يدور في نفس الحلقة المفرغة، فالغرب متآمر على العرب والمسلمين، وهؤلاء لا حول لهم و لا قوة لأن هذا الغرب لا يسمح لهم بتحقيق النهضة والرقي.

   البكائيات والإتهامات المجانية لن تغير الواقع أبدا، بل تزيد الأمر سوءا لأنها تعلن عن العجز وعدم الإعتراف بتحمل المسؤولية، وتكشف عن غياب أية إرادة حقيقية للنهوض والتغيير. أما المتآمر الحقيقي ضد هذه الشعوب فهو العقلية السائدة التي مازالت مقيدة بسلاسل الموروث القبلي والعشائري المنغلق… والمسؤول عن مآسي العرب والمسلمين هو النظام الرسمي الذي ينتج التفقير والتجهيل واللامبالاة من خلال السياسات التربوية التي لا تساهم إلا في إعادة إنتاج نفس الواقع الإجتماعي، ومن خلال استغلال الشأن الديني الموجه للتسبيح بحمد السلطان وتكريس “الجهل المقدس” من خلال إطلاق العنان لسباق الفتاوى التي تتنافس في الغرابة والإبتذال… هذا الدين الذي يصر كل المسلمين على تبرئته من تهم العنف والإرهاب، لكنهم لا ينتجون عمليا إلا خطاب الحقد والكراهية والتحريض، وكأني بهم يقولون: ” الإسلام دين رحمة، ومن يتهم المسلمين بالعنف سنقطع رأسه.”…

     إن المسؤول الحقيقي عن حالة التيهان التي تعيشها الشعوب العربية والإسلامية هو ثقافة العصبية التي تكرست عمليا بشرعنة وسيادة الرأي الواحد وتغييب معاني التعددية والإختلاف والديموقراطية في السلوك الإجتماعي وفي الممارسة السياسية. أما الغرب فهو ماض في نشر قيمه بالشكل الذي يخدم مصالحه. وهو يمتلك كل الحق في التصرف على هذا الأساس. وحتى تنقشع غيوم المؤامرة، لا يسعنا إلا أن نعوذ بالله من شرور أنفسنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.