لماذا نقاطع ؟

عائشة بلحاج

في مشهد سياسي أنجب زعامات حزبية مشكوك في صلاحيتها لأي شيء غير التّهريج، من رحم أحزاب فقدت إيمانها بالأسس التي قامت عليها، ليقتصر وجودها في لعب دور فزّاعات ترعى الحقل ظاهريًا، لإبعاد العصافير الحالمة بالتّغير، والمتطلّعة إلى سنابل القرار المحرّمة. فزاعات لم تفعل شيئًا غير الاستماتة في دورها رغم شدة الريح التي تصفعها، وبكل الألوان الإديولوجية الممكنة.

في هذا المشهد الطّويل والممل، والمسدودة طرقه، لن تعني المواقف المعتدلة أو المسايرة له سوى القبول به، وإغماض الأعين عن الحقائق الواضحة، أو التطلع لاقتسام جزء من النعم التي ستحملها هذه الانتخابات للفئة الصامدة في جبهة “التسنطيح” السياسي.

لذا لا يتبقى كفعل حقيقي قد يعني شيئًا، أو كرد فعل بالأحرى، إلا المقاطعة كخيار أخير وشجاع. وهذا الخيار لا يدخل في دائرة التّوجه العدمي أو نفق اليأس المزمن، بل هو اختيار واع يؤدي إلى حفر كوة ضوء يحمل بصيص أمل خافت في غدٍ أفضل، في جدران المؤسسات الحزبية المتهالكة. في الغالب لن نستفيد كثيرًا من هذه الكوّة، لكنّها مسؤوليتنا تجاه التاريخ وتجاه الأجيال القادمة، لأنها ستعيد قطار التّغيير إلى سكته، ومن داخل العملية السياسية العادية.

ولمن يعتقد أن خيار المقاطعة عدمية مفرطة، فلنصِل بنسب التّصويت إلى نسبة انتخابات 2002 التي سجلت أقل نسبة تصويت في تاريخ الاستحقاقات الانتخابات في بلادنا، بـ32%. ونرى كيف ستحمل مثل هذه النسبة مكوّنات النسق السياسي على إعادة ترتيب الأوراق، وتغيير طرق اللعب لتحترم عقلية اللاعب المستجد، وتحترم المشاهد الذي يتثائب مللًا فيما حياته يُلعب بها أمامه.

صحيح أن هذه النسبة لم تحدث وقعًا كبيرًا آنذاك، لكن في ظرفية سياسية مختلفة، خلخلت جمودها حركة 20 فبراير والأجواء التي حملتها، ستؤدي نسبة تصويت كارثية كهذه إلى قلب الطاولة، وإعادة ترتيب الخريطة السياسية، والاقتراب أكثر قليلًا من دمقرطة الممارسة السياسة في المغرب.

خيار المقاطعة ليس ترفًا، أو لامبالاة، أو قلة أوعي، أو انسحاب، بل هو احتجاج صارخ على قواعد اللعبة السياسية، على أطراف هذه اللعبة، وعلى نتائجها.

إذ نختار أن نقاطع لأن هذه الانتخابات مثل سابقاتها لن تحمل جديدًا تحت الشمس، بل ستغرقنا أكثر مع حكومات غير كفؤة، يسيرها أشخاص حملتهم الأحزاب المتحالفة ليسيّروا قطاعات لا يعرفون عنها شيئًا، ويحملوا مسؤوليات أكبر منهم. وزراء مثل افيلال والحيطي اللتان لم تتركا كأثر لولايتهما الحكومية غير زلات سخيفة، وقطاعات غارقة بعدم الكفاءة. وزيرًا مثل الرميد الذي يشكو همه للفايس، فيما كان يحمل على عاتقه وزارة كان يفترض أن تنصف المواطنين وتنظر في شكاواهم.

وزراء مثل الخلفي الذي ليس له علم دائمًا، وبهدهود الذي لم نره طوال مدة استوزاره، ومزوار الذي فعفع الدبلوماسية المغربية، وآخرين بلغوا مستويات قصوى في عدم الكفاءة وتسببوا في انهيار القطاعات التي سيروها وأقربها قطاع التعليم بدرجتيه.

وستحمل رئيس حكومة، لن يخرج عن خياران أحلاهما مر: إما بنكيران الذي نجح في أن يحقق فشلًا ذريعًا في القطاعات التي تحمّل مسؤوليتها، وفشلًا أكبر في فرض وجوده الذي يسنده الدستور في قطاعات أخرى. قبل أن يلعب في مساحة ضيقة أكثر مما توقع له أسوء متشائم.

وستتحقق له الفرصة ليفشل مرة أخرى، فبعد أن صادق التماسيح وعفا عن العفاريت وخضع للتحكم، سيصبح تمساحًا وعفريتًا وأداة للتحكم، في ولايته الجديدة. وكلما حوصر في ركن أضيق مما حسب له، سيذرف دموعه مدرارًا، وسيبدأ في كتابة ستاتوهات في الفايس بوك يشكي لنا أكثر من أي وقت آخر أنه “مافخباروش”.

أو ستحمل العماري الذي سنعرف في عهده المجيد قدرًا من المتناقضات وعدم الكفاءة، أكثر مما عرفنا في تاريخ المغرب بأكمله. سيرتجل بدوره قرارات تعود بنا في الزمن أكثر، ستنهار المنظومة التعليمية أكثر مما هي منهارة. سيتفرغ “للزهو والنشاط”، ومحاولة استلهام قيم ما بعد الحداثة في الحياة العامة، سيدعو لتحليل الكيف في المساجد، ويحمل مسبحته إلى البارات، سنضحك كثيرًا هذا مؤكد، سنبكي أيضًا وهذا أكثر ترجيحًا، وربما نضحك ونبكي معًا.
الآخرون الذين سيصوتون لأحزاب أخرى، هم بشكل أو بآخر يصوتون على هذان الخياران، ويقبلون بلعب دور الكويكب الذي لن يكون له وجودًا أبدًا إلا في مدار الكوكب  الأم.

الذين سيصوتون لفيدرالية اليسار لأنهم أقل سوءًا أو أكثر صدقًا، أو لأن نبيلة منيب امرأة..يعرفون أن الفيدرالية لن تنال أصواتًا إلا بقدر الغبار الذي تحمله ريح صيفية، والذي لن يزعزع ركائز النسق السياسي إلا بالقدر الذي يمكن لنملة أن تحرك فيلًا، وهم يعرفون أن هذا ليس حلًا إنما هو تمسّك الغارق بالجانب الذي سيغرق لاحقًا من المركب.

الحل الوحيد لإحداث تغيير في هذه البلاد هو المقاطعة. المقاطعة العلنية، المكثفة والصاخبة.

الحل الحقيقي هو سحب الكرسي من تحت الأحزاب المهزلة، وإعلان الإضراب الشامل عن التّعاطي مع مؤسسات تسعى لمصلحتها، ولا تكترث للشعب الذي يحترق فيما هي تعيش في بُعد آخر يعم فيه الرّخاء الذي تغدقه المناصب المنتظرة في ظلّ وفاق منافق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.