لماذا نجح السبسي في الفوز برئاسة تونس؟

أهم خلاصة يمكن الخروج بها من تجربة ثلاث سنوات من الحراك في بلدان المنطقة هي كالآتي: بغير استحضار البعد الاقتصادي في عملية التغيير، أي تجربة ستجد نفسها سرعان ما تخبو جدوتها وربما قد ترى الناس ينفضون من حولها، وتفتح المجال لعودة النظام السابق من الابواب بعد أن أُخرج من النوافذ.

كل التنظيرات التي تتحدث عن ثورة القيم وثورة الكرامة وثورات الطبقات الوسطى هي تنظيرات ترى الواقع بالمقلوب، ثورات المنطقة يا سادة ثورات جياع ولقمة عيش بالدرجة الاولى، ومن الطبيعي من لا يعبأ بهذا الجانب سيكون مصيره النبذ ويفتح الابواب لعودة “مافيا” الانظمة السابقة المتحكمة في دواليب الاقتصاد والتي تربطها صلات تبعية وعمالة لمراكز القرار المال العالمي الذي هو بالضرورة ايضا مراكز القرار السياسي حتى وإن بدا الامر غير ذلك ظاهريا…

مناسبة هذا القول هو ما يثار من نقاش بعد فوز زعيم حزب نداء تونس بالانتخابات الرئاسية التونسية الباجي قائد السبسي

في مشهد يبدو وكأن دورة “الثورات” قد انتهت من حيث انطلقت، انتهت في تونس بعد ان كانت الموجة قد انطلقت من هذا البلد.

رغم أن التسليم بهذه النتيجة هو امر غير منطقي فثمة فروق عدة بين تجربة تونس وتجارب باقي شعوب المنطقة، صحيح، عاد حزب نداء تونس المرتبط بالنظام السابق، لكن عودته لم تكن على طريقة النظام السابق، بل عاد من بوابة المؤسسات والممارسة الديموقراطية، ونتيجة تخبط قوى التغيير اساسا، عكس مصر التي عاد النظام القديم للتحكم فيها عبر انقلاب عسكري تمت تغطيته بشراشف الثورة الشعبية ككل الانقلابات العسكرية، لذلك لابد من الانتباه إلى هذا الفرق الجوهري بين مسير “الثورة” في كلا البلدين، ولابد من التروي ومحاولة التخلص من الخفة الزائدة قبل أن يخلص الواحد الى القول أن مسيرة الحراك في المنطقة قد انتهت بعودة انصار النظام السابق الى حكم تونس.

بيد أن رغم وجود هذا الاختلاف بيت التجربتين المصرية والتونسية فإن ثمة قاسم مشترك بينهما، هو أن كلا البلدين لم تستطع قواه المشاركة في الحراك تدبير المرحلة الانتقالية بذكاء وحيطة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي؛ هناك اختلاف في طريقة تدبير المرحلة سياسيا في كلا البلدين (تجربة تونس تبدو انضج وأقوى) لكن ثمة اتفاقا الى درجة التطابق على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، لم تستطع قوى التغيير أن تظهر أدني تغيير في هذا الجانب، الاستدانة من المؤسسات المالية العالمية ظلت هي هي، الوضع الاجتماعي ظل هو هو .. فقر، بطالة، غلاء الاسعار..

إن أكبر مطبّ سقط فيه الحراك في المنطقة هو اهماله للجانب الاقتصادي والاجتماعي والتركيز فقط على الجانب الحقوقي والديموقراطي وحرية التعبير والحرية السياسية، بهذه الطريقة وجدت قوى التغير نفسها مكبلة بتبعات اجتماعية واقتصادية ثقيلة وهي لا تحمل اية اجابة عنها، ووجدت نفسها تسير على هدي سياسات النظام السابق من حيث التبعية لمراكز المال العالمي والانصياع لإملاءاتها، فكانت النتيجة أن البرامج الاجتماعية لقوى “الثورة” هي نفسها برامج النظام السابق، وحتى ان اختلفت في الشعارات لكنها في الواقع ظلت هي هي وكأنها امتداد لبرامج الانظمة السابقة، وهنا تكمن المشكلة.

تجربة امريكا اللاتينية واضحة في هذا المجال، لم تحقق ديموقراطيتها السياسية الا عبر تحقيق جزء من الانفلات من التبعية الاقتصادية واستعادة السيطرة على ثروات الوطن وتخليصها من قبضة الشركات المتعدية الجنسيات، أي أنها استطاعت أن تحققا نسبيا نوعا من الاستقلال الاقتصادي وصون السيادة الوطنية، لذلك كانت دائما تفشل قوى الأنظمة السابقة من العودة للتحكم في السلطة رغم المحاولات المتكررة.

عكس قوى الحراك في بلدان المنطقة التي غيّبت الجانب الاقتصادي والاجتماعي، فكان لهذا التغييب دورا حاسما في تسهيل عودة انصار النظام السابق ان بالقوة وبانقلاب عسكري كما في مصر أو عبر الانتخابات الديموقراطية كما في تونس.
صحيح، للوضع السياسي الاقليمي دورا لا يستهان به في تحديد مجريات الأمور في الانتخابات التونسية، وكذا تبعات اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد براهمي، لكن الدور الأساس والحاسم لعبه الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي جعل الناس تولي وجهها صوب المرتبطين بالنظام السابق بعدما لم تستطع “الثورة” ان تقدم شيئا في هذا الجانب.

لكن رغم كل شيء تبقى تجربة تونس رائدة في المنطقة بالنظر إلى مكتسبات “الثورة” في الجانب الديموقراطي والحرية السياسية، وعلى قوى التغيير في البلد أن تعي الامر وتستفيد من أخطائها، وأن تدافع عن هذه المكاسب لأنها مهمة وضرورية لاستئناف استكمال مسيرة التغيير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.