لماذا مولاي موحند الان ؟

حميش محمد*

كثيرا ما يتحدث البعض بشكل صريح او مضمر عن أن مولاي موحند كان مجرد “فقيه” قام بما يجب عليه في تلك الظروف، ويحاولون ان ينزعوا عنه كل صفات الكاريزما والقيادة والابداع، في الحقيقة فكرة تبسيط تجربة مولاي موحند حرّكها ويحرّكها اساسا رجال ما يسمى ب”الحركة الوطنية” وكذا القصر الملكي، يفعلون ذلك لنزع صفة الكاريزما عنه، ولتقوية ذاتهم الخالية من أي كاريزما وبل المطبوعة بالخيانة ومفاوضات الكواليس، عكس مولاي موحند الذي اثر المواجهة والدفاع عن الوطن والانسان، لذلك اصبح مولاي موحند ارثا امميا عالميا تخطى حدود الوطن والمحيط الاقليمي، واصبح نبراسا تهتدي بتجربته شعوب العالم، ولهذا يحسون بعقدة النقص امام قامة مولاي موحند، فلجأوا الى محاولة تسفيه تجربة القائد والزعيم محاولة منهم تقزيم تجربته، وحشرها في زاوية ضيقة.
حين ندافع عن مشروع مولاي موحند لا نفعل ذلك لأنه ابن دوارنا او قبيلتنا او… بل نفعل ذلك ايمانا واقتناعاً بالقيم التي رسختها تجربته، وايضا افتخارا بهذه التجربة التي اضحت نبراسا للانسانية لشق طريق تحرير الارض والانسان، عندما تحدث زعماء حركات التحرر في العالم عن جعل مقاومة الريف قدوة لهم لم يفعلوا ذلك تزلفا لمولاي موحند او دفاعا عن الانتماء القبلي، بل فعلوا ذلك لانهم فعلا استفادوا من تجربته.
تجربة مولاي كانت تجربة رائدة ليس لانه ريفي ونحن الريفيون نقول ذلك محاولة للنفخ في تجربة متواضعة، بل لأن تجربته كانت فعلا حدثاً تاريخيا فرض اعادة حساب موازين القوى، بعد زمن كان لا صوت فيه يعلو على صوت الاستعمار، الى درجة أن ظنت بعض الشعوب ان الاستعمار قدرها المحتوم، لكن مولاي موحند قلب هذه المعادلة، وفتح باب الامل، وجعل امكانية هزيمة الاستعمار متاحة ان توفرت العزيمة والوفاء للارض والانسان، كانت تجربة مولاي موحند فاتحة عهد هزيمة الاستعمار وتقوية حركات التحرر، ولذلك امتدّ تأثير تجربته لتصل الى الفكر والثقافة والابداع، ولم تظل تجربة عسكرية فقط، فكثير من الباحثين والمفكرين جعلتهم تجربة مولاي موحند يعيدون النظر في مجموعة من المسلمات حينها، بل إن اشهر مدرسة فنية و ادبية في بداية القرن العشرين، التي هي السوريالية، اشارت في بيان تأسيسها الى تجربة مولاي موحند، كأحد البواعث التي جعلت اصحابها يقدمون على التفكير في مدرسة جديدة في الفن والادب.
اضف الى ذلك أن مولاي موحند ظلّ وفيا لتجربته الى اخر حياته، وهذا قليل جدا في تاريخ تجارب النضال والمقاومة في المنطقة، هناك من ناضل وقاوم لزمن وبعد ذلك اصبح نصابا استولى على السلطة واستأثر بها بدعوى انه قاوم، كما حدث في الجزائر مع جبهة التحرير، مولاي موحند، واصل نضاله من أجل الارض والانسان حتى بعد الاستقلال الشكلي، ورفض كل المساومات التي تسيل لعاب البعض اليوم، وظل يصدح بمواقفه وهو في منفاه، ولعل موقفه الصارم من مجازر النظام الملكي وما يسمى بالحركة الوطنية في حق اعضاء جيش التحرير خير دليل، وكذا موقفه المتقدم والجريء من دستور 1962.
لهذا نعزّ هذا الرجل، ونفتخر بتجربته، ونعلن استمرارنا على نهجه، فالقيم التي رسختها تجربة مولاي موحند في المقاومة وفي التعبير عن الموقف السياسي من هذا النظام ما زالت هي نفسها المؤطرة لنضالنا المستمر من أجل استكمال معركة تحرير الارض والانسان والتاريخ من سطوة العملاء واعوانهم.
وعليه فإن من يسقط عن جهل في فخ تبخيس تجربة مولاي موحند، قد يكون معذورا لكونه ضحية، لكن ان يتجرأ احد على ذلك وهو يعلم يقينا كلّ هذه الحيثيات، فأكيد انه يفعل ذلك لغرض في نفس يعقوب.

*فاعل وناشط امازيغي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.