لماذا لا يراد لنا أن نقبل الآخر؟

       يكتسي هذا السؤال مشروعيته من خلال الوقائع الكثيرة التي يظهر فيها مفهوم “الآخر” البشري في مجتمعاتنا كمرادف للعداوة وداع إلى التباعد والنفور. ويبدو أن الردم مازال واسعا بين الذات والغير بشكل يلغي إمكانية بلوغ مشاركة وجدانية تؤسس لحضور فعلي لهذا الغير بوصفه ” أنا آخر ” يمثل امتدادا للذات وتعبيرا عنها بشكل مختلف.
من المؤكد أن سؤال الأنا والغير لا يقتصر على مجتمع دون آخر، ولا يخص طائفة بعينها، بل يمثل إشكالية حقيقية تتحكم تفاصيلها ومفارقاتها بشكل كبير في طبيعة وواقع العلاقة بين البشر سواء كانوا أفرادا أم جماعات في كل مناطق العالم. وقد انتبه الفكر الفلسفي إلى الموضوع منذ الجدل الهيغلي الذي وجد في حضور الغير ضرورة لا غنى عنها بالنسبة للأنا. ومن تم فلا معنى للأنا بدون حضور الآخر المختلف. لكن التعبير الذي ينطق بلسان الحال، ويختزل موقف الذات من الآخر، هو ذلك الذي وظفه فيلسوف الوجودية الفرنسي ” جون بول سارتر” حينما قال: ” الجحيم هو الآخرون “. وكلمة الجحيم في هذا المقام تنطق بحقيقة الشعور الذي يتكون عند كل واحد منا وهو في مواجهة مباشرة لكائن اسمه ” الغير”، يمنعه من التصرف كما يشاء، ويجثم على أنفاسه، ويراقب كل حركاته وسكناته.
وهكذا يبدو الآخر بوصفه نفيا للأنا، لكن سارتر نفسه يقول في تعريفه للغير ” إنه الأنا الذي ليس أنا “. وهذا يعني أن حضوره بهذه الصفة يجعله حاملا لمفارقة أساسية في علاقته بالذات، فهو يؤشر للمخالفة ( ليس أنا )، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى المشابهة ( الأنا). هذه المفارقة ( المشابهة والمخالفة ) هي المدخل الرئيسي الذي ينبغي الولوج منه لفهم مشكلة موقف الأنا من الآخر. وهذا الإشكال الفلسفي هو الذي يتجلى واقعيا في ثنائيات تحمل مفارقة: الأنا / الغير، سواء تحدثنا عن الغرب في مقابل الشرق أوالشمال في مواجهة الجنوب، أو عن حوار وصدام الحضارات، أو عن الرأي و الرأي الآخر… فكل هذه العناوين هي في نهاية المطاف اختزال لإشكالية الأنا والغير. لكن بلوغ علاقة تفاعلية بين هذه التقابلات يرتبط بطبيعة المنظار الذي ينظر من خلاله كل طرف للآخر. و بما أن صيغة السؤال الوارد في العنوان تتعلق بواقعنا الإجتماعي، فإن الإجابة لا يمكن أن تتعالى عن طبيعة الثقافة السائدة وأنماط التفكير التي تتحكم في توجيه الأفعال وردود الأفعال الصادرة عنا. ولا يخفى في هذا الإطار الطابع البدوي الذي يميز انفعالاتنا. والبداوة هنا لا تحضر كلغة قدحية، بل هي توصيف واقعي للمزاج الحاد والمنغلق الذي يحكم الضمير الجمعي في مجتمعاتنا. لذلك فإن عقلية القبيلة والعشيرة والقرابة هي التي تهيمن على أشكال العلاقات السائدة، وتتحكم في أنماط التواصل والتفكير. وهي عقلية تتأطر اجتماعيا بالإنتماء للعرق والدين… وهي بذلك تتخذ من الإختلاف العرقي والديني بوابة لرفض الآخر والنفور منه ، بل ومحاربته أيضا. و ذلك ما يتجلى بوضوح في ثقافة: ” أنا وأخي على ابن عمي. و أنا وأخي وابن عمي على الغير”. ومن تم فالآخر الذي يختلف عنا في أسلوب تفكيره أو في قناعاته العقائدية أو حتى في هويته العرقية يحضر في الغالب الأعم كغريب عنا، وبناء على تلك الغرابة نعمل على رفضه والتصدي له دون أن ننصت إليه أو نحاول تحويل عناصر التباعد بيننا إلى محاور للتقارب والإتصال بناء على مشترك إنساني ينبغي أن يوحدنا جميعا.
إن ما نعيشه اليوم من انغلاق حول الذات ورفض للآخر من خلال استفحال كثير من الأساليب والسلوكات التي تعبر عن الأحادية والإستئصالية، مثل التكفير والتخوين واعتناق ثقافة المؤامرة…  كل هذه التجليات إذن هي نتيجة طبيعية لأشكال التربية التي توارثناها في كل مراحل التنشئة الإجتماعية ولهيمنة خطاب واحد يلغي الإختلاف. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن ننال احترام الآخرين و اعترافهم بالمعنى الجدلي الهيغلي إلا من خلال التأسيس لعلاقة صراعية مع الآخر. لكن الصراع هنا لا يعني الحرب والمقاطعة والكراهية، وإنما هو فرض ذواتنا وسط هذه الزحمة التي تطبق على أنفاسنا من كل جانب. ومن يريد أن يفرض ذاته ينبغي أن يكتسب احترام الآخرين. فهل عندما نلغي هذا الآخر و نحاربه بكل الوسائل(لأنه لا يفكر مثلنا) نستطيع أن ننال هذا الإحترام؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.