لغة الأم هي أم اللغات

بمناسبة اليوم العالمي للغة الأم 21 فبراير، نشر الاستاذ السوسيولوجي قيس مرزوق الورياشي تدوينة على صفحته الفايسبوكية، تحدث فيها عن واقع اللغة الامازيغية بوصفها اللغة الام، وما السبيل للانتقال من “الحديث عن الامازيغية” إلى “الحديث بالامازيغية”. وفيما يأتي اعادة نشر التدوينة/المقال على أنوال بريس بعد اذن الاستاذ قيس.

قيس مرزوق الورياشي

أول كلمة ينطق بها الرضيع هي “ما”، وبعد جهد جهيد يضاعف هذه الكلمة فتصبح “ماما”. لهذه الكلمة جاذبية كبيرة تلازم المرء طيلة حياته. من الأم يتعلم الإنسان الحب والحنان، ومنها يتعلم اللغة كوسيلة للتعبير عن هذا الحب والحنان. لغة الأم ملازمة للحب والحنان، لذلك فهي اللغة الأقرب إلى الوجدان.

وبما أننا لا نعيش بالحب والحنان وحدهما، فإننا نضطر، مع مرور الوقت، إلى تعلم لغات أخرى غير لغة الأم، بجانب لغة الأم أو بمعزل عنها: لغات إما فرضت نفسها دينياً و إيديولوجياً، أو فرضت نفسها اقتصادياً وتكنولوجياً، أو فرضت نفسها فكرياً وأدبياً…

بعض لغات الأم تتطابق مع اللغة/اللغات المهيمنة، لكن بعضها يبقى، لظروف طبقية وتاريخية وسياسية، على الهامش، ومنها اللغة الأمازيغية.

في المجتمعات ذات الأنظمة المفتوحة تتعايش كل اللغات المستعملة فيه وتستفيد من نفس شروط التطور والارتقاء، لكن في المجتمعات ذات الأنظمة المغلقة، والتي يسود فيها الرأي الواحد الأحد، تبقى لغات الأم مهملة، وأحياناً كثيرة، يُعتبر الحديث بها أو عنها مسألة محرّمة.

في المجتمعات ذات الأنظمة المغلقة، لا تعاني لغات الأم من الحصار السياسي و/أو المؤسساتي فقط، بل الأخطر من ذلك أن الذات المتكلمة في حد ذاتها تنوب عن مالكي السلطة القائمة فتقوم إما باحتقار لغة أمها أو التحامل عليها أو إهمالها (عن وعي أو عن غير وعي).

في الحالة المغربية، هناك سلوكان تجاه الأمازيغية كلغة أم: سلوك رسمي براغماتي، أملته ظرفيات سياسية، يوجد الآن في مرحلة تجريب موازين القوى، وسلوك مقاوم يفتقد إلى استراتيجية واضحة لتثبيت لغة الأم الأمازيغية وإعادة بنائها.

السلوك الأول، وهو سلوك الدولة، يبدو أنه يطغى عليه مبدأ “كم حاجة قضيناها بإهمالها”. هذا السلوك أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه سلوك غير ديمقراطي: الديمقراطية تفترض عدم التمييز بين المواطنين (وبين لغاتهم) وتوفير إمكانيات التنمية اللغوية بالمساواة، وبالخصوص الإمكانيات المادية والبشرية.

السلوك الثاني، أي السلوك المقاوم، ما يزال يعتمد على نفس أساليب الماضي: جعل الأمازيغية كموضوع صراع رئيسي يتوخى بناء قومية “أمازيغية” عابرة للحدود على شاكلة مشروع القومية العربية أو على أنقاضها. ونتيجة لذلك، دخل هذا السلوك حلقة مفرغة لا تعدو أن تكون إنتاج خطاب على خطاب. من مميزات هذا التوجه الرئيسية أنه يتحدث “عن” الأمازيغية ولا يتحدث الأمازيغية أو يُحدِّثُها.

عن التناقض بين الاتجاهين، الذي أعتبره تناقضاً ثانوياً، ينتج صراع مُحَوَّل: صراع بدل أن ينفذ إلى واقع التناقضات الطبقية (وتجلياتها اللغوية) ويحاول رصدها من أجل المساهمة الإيجابية في التغيير الديمقراطي، يسعى إلى بناء يوطوبيا “الدولة الأمازيغية العظمى” بناءاً على أسطورة التاريخ. التاريخ الحقيقي ليس هو الذي نستلهمه، بل هو الذي نصنعه.

إن استراتيجية تثبيت وإعادة بناء لغة الأم الأمازيغية التي أراها ملائمة في الشرط التاريخي الحالي تمر عبر مسألتين:
1. الانخراط الواعي في جدلية الصراع من أجل التغيير الديمقراطي في الجبهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية واللغوية والثقافية؛
2. الانتقال من مرحلة الحديث “عن” الأمازيغية إلى الحديث بالأمازيغية وتحديثها. وأقصد الحديث بالأمازيغية هنا تفعيل العمل اللغوي، في أرضية الواقع، بدعم وإنعاش الإبداع العلمي والأدبي والفني والفكري والإعلامي. إن نشر كتاب في قواعد اللغة مثلا، أو إنتاج مسرحية أو فيلم سينمائي أو إبداع قطعة موسيقية… هو أقصر طريق لتثبيت اللغة الأمازيغية وإعادة بنائها.

إن التاريخ الحقيقي ليس الذي نستلهمه، بل الذي نصنعه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.