لشكر من فشل التدبير السياسي الحزبي إلى الاجتهاد التنطعي الديني.

    بداية، نأسف على حال الفكر السياسي المغربي الآني الذي يعيش منزلقات خطيرة في مساره العام، كلما مر الزمن معه يعرف انتكاسات جمة حيال مجموعة من القضايا الأساسية التي يعيشها المجتمع المغربي، لا هو عاد إلى أمهات الأفكار السياسية التي تتأسس عليها المفاهيم والمؤسسات والمشاريع والأنظمة، ولا هو نهل من الاجتهادات الفكرية السياسية المعاصرة لثلة من المثقفين والمفكرين والسياسيين المغاربة الذين طرحوا أفكارا واجتهدوا في إيجاد صيغ سياسية لإيجاد حلول لمعضلاتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والثقافية وغير ذلك من مستحدثات ومستجدات الواقع المغربي، ولا هو حافظ على مكتسبات كانت إلى عهد قريب تمثل مخارج لبعض من مشاكلنا السياسية المعاصرة، بل الأخطر من هذا هو أن نخبتنا السياسية الحزبية لم تعد قادرة على طرح ومطارحة برامج ومشاريع سياسية كفيلة بالاستجابة لتطلعات المغاربة ولآمالهم العريضة، سواء كانت في الحكم أو في دفة المعارضة, حيث هذه الأخيرة أصبحت عقيمة في أطروحاتها السياسية بناء على ماهية الحزبية وأهدافها المنوطة بها، وهو ما يتراءى لنا في خطاباتها وفي خرجاتها الأيديولوجية التي تؤشر على أزمة مفهوم الأيديولوجية الحزبية بالمغرب بكل ما تحمل الأزمة من معنى، بانحرافاتها عن مسارات الفكر السياسي الحزبي وتبنيها مواقف لا تخدم المغاربة في حل إشكاليا تهم الواقعية، بل تعمل على خلق فضاء المزايدات الكلامية والشطحات اللسانية بعيدا عن التفكير السياسي الرصين، ولا ندري ما هي الدوافع الحقيقية في الركوب على الطواحين الهوائية هاته وما أهدافها، هل الهدف من وراء هذا هو الإلهاء السياسي الذي يستهدف المواطن المغربي والعمل على التشويش عليه، وبالتالي فقدان البوصلة الجادة في علاقاته بالقضايا الأساسية والجوهرية في حياته ؟ هل يمكننا التساؤل عن أن المغاربة لم يعودوا قادرين على صنع الحدث الهادف انطلاقا من مفهوم العقل السياسي الحزبي، مما جعل أمثال أشباه السياسيين يتربعون على كراسي الأمانات العامة للأحزاب والمراكز السياسية بمكاتبها ولجانها وكأن الوطن عاد أرضا قفارا خالية من أية إمكانية لحياة تبث في شرايينها ومن ثمة انعدام أية إمكانية للتطلع والأمل في الزرع والضرع ؟ وإلى أي حد سيبقى هذا البوار السياسي الحزبي قائما في كيان المغرب السياسي ؟ . إنها جملة من الأسئلة المسائلة لواقعنا السياسي الحزبي المغربي تطرح على الفاعلين الحزبيين خاصة وعلى المغاربة عامة .

    لقد أثار انتباهنا ما أصبحت عليه لغة السياسيين الحزبيين بالمغرب، وخاصة في هذه الآونة الأخيرة، ودليلنا في هذا على سبيل المثال لا الحصر ما صرح به الكاتب الأول للإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية السيد إدريس لشكر، بخصوص دعوته لإعادة النظر في مسألتي الإرث وتعدد الزوجات في النص القرآني الكريم، ونحن لا نجادله في هذا من موقع ديني أصولي أو من وجهة نظر أيديولوجية دينية بل من موقع سياسي أيديولوجي في العلاقة مع مفهوم الحزبية وبرامجها وأهدافها، فنعتبر أن دعواته هاته مغالطة للرأي السياسي المغربي العام وتحويل أنظاره عن الجدالات الحقيقية الممكنة على مستوى الشأن العام المغربي، وأن دعواته لا تعمل على تفعيل آليات هذا الأخير في أي شيء، اللهم في إمكانية تعطيل العقل السياسي والأيديولوجي بالمغرب وإبعاده عن مفاهيم الثقافة السياسية الحقيقية، ففي ماذا يفيدنا التنطع الأيديولوجي في مسائل قد تجرنا إلى وبال وخيم من الردود الخطابية الملغومة، من جهة، وإلى فقدان بعض من ركائز مشروعيتنا الفكرية والأيديولوجية في العلاقة مع الجماهير الشعبية، من جهة أخرى ؟ . وهل تعتبر دعوات السيد إدريس لشكر نفحة أيديولوجية في إعادة صياغة جديدة لأيديولوجية حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ؟ وإلى أي حد أصبحت أرضية العقل الديني الثقافي المغربي مؤهلة لتقبل ولقبول مثل هذه الدعوات وخاصة الجماهيرية منها ؟ بالطبع كل هذه الأسئلة تحيلنا على إجابة مفادها أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يعيش أزمة تصورات سياسية في ارتباطه مع القضايا الجوهرية التي تمس الكيان الجماهيري المغربي، وأنه فشل في التدبير السياسي الحزبي سواء على المستوى الأيديولوجي أو التنظيمي، ليقفز عن واقعه بشيء من المزايدات ونوافل الخطابات غير الوجيهة، مكرسا متاهات ثقافة سياسية بالنظر إلى حجم تنطعات الفاعلين الحزبيين سواء فيما بينهم أو في علاقتهم بهموم وتطلعات الإنسان المغربي، وفي غياب برامج سياسية حزبية واضحة المعالم، حيث لا يلمس الإنسان المغربي أية قفزة نوعية في الثقافة السياسية الحزبية ومدى حدود تقاطعاتها مع رهانات الشعب المغربي، إنه التيهان بذاته الذي يسم الفكر السياسي لدى كل مكونات المجال السياسي بالمغرب في أبعاده الرسمية وغير الرسمية .

    إن الجدل المصاحب لدعوات السيد إدريس لشكر، وما أثارته من سجالات وردود أفعال من جهات هنا وهناك سواء كانت تأييدية أو معارضة وبمسوغات ما بمرجعياتها المتعددة، نعتبرها زوبعة من دون غبار وجعجعة من دون طحين، حيث لا يمكن  للشعب المغربي أن يستفيد منها ولو بشق ثمرة، ولا يجني منها إلا ثمار الضبابية والهشاشة والتيهان واللاعقلانية في الطرح السياسي والأيديولوجي، والخروج به عن جادة التفكير الصائب في ارتباطه بأزماته المتعددة وعلى كافة الأصعدة، لذا يجب على السيد لشكر وأمثاله أن يكفوا عن تمثيل مشهد النعامة التراجيدي، وأن ينبتوا أزهار ربيعهم الحزبي بعدما تساقطت أوراق خريفه في هذه اللحظة بالذات، لتتهشم على أرضية الواقع المغربي من دون سماد كيميائي، فغرق الشعب المغربي ونخبه السياسية الحزبية وثقافته السياسية في أوحال الأزمات الخانقة والقيم المعادية للصواب والمنطق، والمكرسة للتخلف والنكوص التاريخي والحضاري .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.