كيف تدعم قطر الاسلام الوهابي بين مسلمي فرنسا؟

ترجمة و إعداد بويسان احماد

 

كيف تدعم قطر الاسلام الوهابي بين مسلمي فرنسا؟

هذا ما يحاول الاجابة عنه الكتاب القيم الصادر مؤخرا بفرنسا “قطر,, القبيحة الصغيرة,, الصديق الذي يريد بنا شرا” للكاتبين الفرنسيين نكولابو و جاك ماري بورجي و لآهمية ما يزخر به الكتاب من معطيات حول دور قطر في دعم التيار الوهابي بين مسلمي فرنسا ,و لتعميم الفائدة على القارئ بالعربية ,ارتأينا ترجمة بعض أجزائه.

الهدف الوحيد لإمارة قطر هو إعادة بناء إسلام فرنسا و ذلك باستعمال جميع الوسائل دبلوماسية هجومية و عطايا في جميع الاتجاهات

“ألو سيدي السفير” جلس في مقهى بساحة الجمهورية بباريس (يناير 2012) محمد بشاري زعيم الفدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا . منظمة رئيسية من بين الجمعيات التي تؤطر الاسلام بفرنسا. هاتف سفير قطر بباريس محمد جهام القيوري. الرجلان تجمعهما  منذ مدة علاقة ود و احترام’ يتحدثان بالعربية. محمد بشاري بعد أن كان  مقربا على التوالي من المغرب و جماهيرية القذافي التي كان يتواجد بها في 10 فبراير 2011 بمعية خمسون إماما من فرنسا. البشاري رجل التوافق مد جسور التقارب مع الدوحة التي ساعدته ب 200000 ألف أورو لتوسيع المركز الاسلامي الذي يديره بمدينة ليل الفرنسية  حيث يحظى  بعطف عمدة المدينة الاشتراكية مارتين اوبري. بذلك أصبح زعيم الفدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا من بين المفاتيح الميسرة لامتداد قطر للضواحي الفرنسية

الدوحة تولي اهتماما كبيرا للجالية المسلمة بفرنسا و تعتبرها بوابة الدخول لبسط سيطرتها على المغرب الكبير. خلال السنوات الاخيرة نلاحظ هجوما شرسا من طرف إمارة قطر على استقطاب مسلمي الضواحي الفرنسية من خلال ” صندوق الضواحي” الذي اعلن عنه سنة2012و رصدت له مبالغ مهمة”  لفك العزلة” عن شباب الضواحي الفرنسية. المبادرة  أثارت جدلا واسعا وسط النخبة الفرنسية حول دواعي و حيثيات الكرم القطري لكن بالنسبة للعارفين بأهداف قطر الامر لا يتعلق بمكافحة فقر و بؤس الضواحي, بل بالسعي  للهيمنة المباشرة على مسلمي فرنسا و توجيههم لخدمة  و اعتناق توجه إسلامي محافظ باستعمال دبلوماسية دعوية  تبشيرية

لوكريم محاولة مجهضة

هؤلاء الحالمون بلا شك و الملعون بقصص الشرق الرومانسية وفي أعز أيام العسل مع نيكولا ساركوزي يعتقدون أنهم با ستطاعتهم إعادة بناء الاسلام الفرنسي. نحن في مستهل سنة 2009 بعض الشخصيات المقربة من رئيس الدولة بوريس بيون و هنري كييون مهندس الاتحاد من اجل المتوسط و المتعاطفون  مع قطر  يحلمون لتأطير مسلمي فرنسا عبر إ نشاء تجمع  للمنظمات الاسلامية على  شاكلة لوكريف ( اتحاد المنظمات اليهودية الفرنسية). ولتحقيق ذلك تم الاستعانة بخدمات امرأة شابة تدعى مليكة بنلعربي, والية سابقة  و مستشارة بديوان وزير الداخلية بريس اورتفو, و تربطها علاقة قوية بسفير قطر بباريس , تطمح ايضا لتصبح كاتبة دولة. الالة القطرية عبأت لذلك جميع الوسائل , ابتداء من الولائم التي تقام  بحضور نخبة من الجامعيين  كالمفكر و الجامعي مالك شبل  وناصر كيتان مؤسس بور فم

الاعداد للهجوم انطلق في اكتوبر 2008 و بتمويل من قطر  احتضن المجلس الوطني الفرنسي اليوم الدراسي لتعليم اللغة العربية و التعريف بالثقافة العربية, و لاعطاء الصبغة الرسمية للحدث تم استدعاء وزير التعليم كزافيير داركوس. الالة الحربية القطرية في تقدم مستمر مارس 2009 كان من  المنتظر انعقاد الجمع التأسيسي للكريم, نسينا جزئية مهمة و هي استحالة تنظيم مسلمي فرنسا دون الاشراك الفعلي للدول المغاربية فتهميشها في هذا المجال عمل انتحاري.

استهل الجمع بسهرة عمومية من إحياء الاوركستر الوطني القطري , مجلة” لوبوان” ذهبت إلى حد الا علان عن حضور نيكولا  ساركوزي و كارلا بروني وميشيل اوباما.  معارضة ميشيل اليو ماري وزيرة الداخلية و الشؤون الدينية, وعدم تحمس ساركوزي لفكرة لكريم و هو الذي كان وراء انشاء المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية. اما الحفل فتم احياؤه بمسرح الشون زي ليزي بحضور العديد من الشخصيات المرموقة. فكرة تأسيس تجمع الجمعيات الاسلامية تم اقبارها و صاحبتها الوالية السابقة اكتفت بالالتحاق للعمل  بمجموعة لوريال الفرنسية. بعد مهزلة إجهاض تأسيس تجمع الجمعيات الاسلامية, و هابيو قطر انتهجوا اسلوبا ذكيا لا ستمالة قلوب الجالية المسلمة, فتجهوا لاستقطاب  مسؤولي اتحاد المنظمات الاسلامية الفرنسية المعروفة اختصارا ب” لواف”. ذلك الاتحاد الذي كان منذ نشأته بداية الثمانينيات مقربا من الاخوان المسلمين حاليا تحت رعاية قطر,  و يعتبر مختبرا للاسلام بفرنسا ,  منظمة غير متمردة و محاور رئيسي لوزارة الداخلية التي جعلت منه الحلقة الرئيسية للمجلس الفرنسي للديانة الاسلامية. فكل سنة و بمبادرة من( الواف) و على شاكلة الحج إلى مكة الاف الاشخاص يجتمعون في المعرض الدولي لبورجي, نساء محجبات من جهة, و الرجال من جهة اخرى, اروقة تؤثت المعرض, كل واحد يدافع عن قضيته فلسطين, البوسنة, تونس واروقة “للربيع العربي”. احد اعضاء الاخوان المسلمين الداعية الاسلامي يوسف القرضاوي صاحب البرنامج الشهير “الشريعة و الحياة” بقناة الجزيرة ضيف شرف دائم في تجمعات اتحاد المنظمات الاسلامية الواف. منذ 1994 لا احد في فرنسا حرك ساكنا على تواجد الشيخ بالتراب الفرنسي بل سبق له  ان إلتقى بجامعيين فرنسيين- لتبادل الراي حول العلمانية الفرنسية- أمثال   برونو اتيان ماسوني معروف بفرنسا, و فرونسوا بوركات احد المهتمين بموضوع العلمانية. الاجتماع بموزع الفتاوى الوهابية لم يثرحفيظة احد رغم معاداته للنموذج العلماني الفرنسي لانه ببساطة يتمتع بحماية امير قطر. سنة2012 انقلبت الاية, تم منع الشيخ القرضاوي من دخول التراب الفرنسي من طرف الرئيس نيكولا ساركوزي الذي جعل من الاسلاموفوبية و بتوجيه من  باتريك بويسون الموضوع المركزي لحملته الانتخابية ل 2012

اذا كانت الوا ف المنظمة الرئيسية لاسلام فرنسا فإن نسبة كبيرة من مسلمي هذا البلد  بقيت تحت تأثير الاخوان المسلمين المدعومين من  السعودية . و الغريب في امر الاسلام الفرنسي تلك العادة السيئة التي تتمثل في تعيين دول اجنبية, المغرب و الجزائر تحديدا لائمة المساجد, لكن تأثير هاذين البلدين رغم توفرهما على جمعيات و وداديات يبقى ضعيفا بالمقارنة مع التأثير الكبير لدول الخليج العربي على الجالية المسلمة. قبل قطر كانت السعودية الممول الرئيسي للنخب الاسلامية الفرنسية , وكلاهما يلعبان دور الراعي و الممول  للجناح المحافظ في الاسلام . لا اليمين و لااليسار حرك ساكنا على هذا التدخل السافر في الشؤون الداخلية الفرنسية.

النموذج التركي

مع بروز الدور القطري و تربعه على جميع السلط طرح السؤال التالي كيف يتم ترويض الاخوان المسلمين؟ أليست قطر الحليف الرئيسي للغرب؟ باريس بيمينها و يسارها و ضعت ثقتها في قطر للاضطلاع بدور المروض للتيار الاسلامي.  لذلك دوافع عدة اولها توجس الامريكيون  من السعودية منذ احداث 11شتنبر 2001, ثانيا الدور الريادي الذي تلعبه قناة الجزيرة القطرية و تأثيرها المتزايد على مسلمي اوروبا , امريكا , البوسنة و انجلترا. القوة الاعلامية للجزيرة منحت قطر شعبية واسعة و تأثيرا متزايدا.  وفي الاخير و منذ سنتين ومع انفجار ما يسمى “بالربيع العربي” وجدت قطر الارضية الخصبة لزرع الاديولوجية الوهابية وسط الثورات العربية التي كانت في الاصل ضد الفقر, و غياب الحرية. كان الهدف الرئيسي  من التعاقد الباطني  مع  قطر هو منح مفاتيح الديموقراطية و الحكم  للتيار الوهابي. دور  خطير,  كمن يمنح حق العفو للمجرم(للجاني) .ذكاء قطر يتجلى في استقطاب اديولوجية الاخوان المسلمين و تقديمهم للغرب كأصدقاء يمكن مرافقتهم. أليست الشيخة موزة امرأة عصرية شبه متحجبة؟ الدوحة تحتضن كذلك المتحف العالمي. كل هذه المؤشرات توحي بان قطر دولة عصرية متسامحة بل تقترب للنموذج العلماني التركي. الرسالة التي تريد قطر ارسالها للغرب مفادها ان الاديولوجية  الاسلاموية تنسجم مع الديموقراطية. ففي الوقت الذي تهلل فيه بعض النخب الفرنسية لهذا التوجه نجد قطر تدفع بأعوانها في الساحة الاسلامية الفرنسية. احمد جاب الله طالب سابق و عضو بجماعة النهضة التونسية تسلم قيادة اتحاد المنظمات الاسلامية الفرنسية  الواف (ماي 2011). نجده غالبا في تونس حيث يحلم بمنصب وزير الخارجية. له قدم بالدوحة فضلا عن عضويته  بالمجلس الاوربي للفتوى الذي يراسه الشيخ يوسف القرضاوي. قطر تستعمل و تنسخ  نفس الاساليب السعودية . وجبة بسيطة لا تتطلب سوى الدولارات , شراء الذمم ,تمويل وانشاء المراكز الاسلامية ثم تنتظر انتعاش الايمان الوهابي. حتى مسجد باريس المقرب من الجزائر, لم يسلم من هيمنة السخاء  القطري تسلم 2 ملايين اورو سنة2009ا لمؤسسة الخيرية القطرية مولت بمبلغ 2 ملايين اورو بناء مسجد بمدينة مولوز. يوم السبت 24 يناير  2009 جمعية مسلمي الالزاس( الامل)احيت حفلة بمناسبة وضع الحجر الاساس لبناء مسجد اختارت له من الاسماء “النور” المشروع ضخم  على مساحة 4600 متر مربع يشمل  مدرسة للتجارة قدرته الاستيعابية 2000 مصلي, المبلغ الاجمالي للمشروع يقدر بنحو 7 ملايين اورو. نفس الدولة الصغيرة قطر مولت بنفس المبلغ بناء مركز ثقافي ب ريم و مراكز ثقافية اسلامية مماثلة منضوية تحت لواء الواف( اتحاد المنظمات الاسلامية الفرنسية )ذا التوجه الاصولي الوهابي.

اذا كان نظام الكونكوردا المعمول به في منطقة الالزاس و الذي يسمح بالتمويل العمومي للشأن الديني, فإن قانون1905يمنع ذلك بباقي مناطق الجمهورية . ومن اجل ضمان  استقبال جيد للمسلمين في اماكن عبادة لائقة  و لتفادي الصلاة في الشارع العام, الهم الذي يؤرق مارين لوبين رغم كونها تقطن قصرا ب سان كلود, يتم الاستنجاد بسخاء امير قطر. فحينما يتم تحويل الاموال القطرية إلى فرنسا لتمويل الجمعيات المذكورة سفير قطر بباريس يتصل بوزيرة الداخلية ميشيل اليو ماري لابلاغها بالامر .الادهى من ذلك ان مستشاري الوزيرة  لا يرون اي مانع لدخول تلك الاموال التراب الفرنسي رغم رائحتها الوهابية.

مع عودة اليسار إلى الحكم سنة 2012 الامر لم يتغير و زير الداخلية مانويل فالس على علاقة طيبة مع القطريين. لكن لحسن الحظ هناك بعض الشخصيات القريبة من الوزير الاول  جون مارك ايروت تنظر  بارتياب لتنامي الدور القطري لدى مسلمي فرنسا  “قبل الذهاب إلى قطر لابد ان افكر في الامر” الكلام للوزير الاول جون مارك ايروت- حسب احد معارفه- مع ذلك مبعوثي قطر يؤثتون ديوانه. و دائما عن طريق الجمعية الخيرية القطرية رجل اعمال قطري تطوع  لمساعدة الجمعية الاسلامية لغرب فرنسا و المنضوية دائما  تحت راية الواف لتمويل بناء مسجد “السلام” مسجد عصري بصومعة 17 متر. 17 نوفمبر عمدة مدينة نونت ( خلف جون مارك ايروت) شارك في وضع الحجر الاساس لانطلاق الاشغال لبناء المسجد رفقة رئيس الواف و قنصل قطر.

هوس قطر لايشمل فقط الاستثمار في بناء المساجد  بل يمتد ليشمل المواطن و الانسان. منذ ان تسلمت قطر مفاتيح قيادة الاسلام الوهابي خبراء الدوحة  عملوا على استقطاب النخب الكاريزمية الاوروبية الاسلامية و على راس هؤلاء المفكر الاسلامي طارق رمضان الذي يشارك باستمرار في تجمعات الواف ( اتحاد المنظمات الاسلامية الفرنسية), يتمتع بشعبية واسعة في انجلترا و فرنسا , و قد عاد للانتعاش مؤخرا بفضل كتابه “الاسلام و الانبعاث العربي” .خلال الثلاث ا  لسنوات الاخيرة هذا الداعية اللبق كان يحاضر في جامعة اكسفورد الامريكية بتمويل قطري,لكن فور انتهاء عقد عمله لم تر الجامعة فائدة في تمديده. هل الامريكيون سئموا من طارق رمضان؟ بعيدا عن امريكا فهو حاليا يدرس بكلية العلوم الاسلامية بقطر,و يرأس مركز الابحات في التشريع والاخلاق.

طارق رمضان ليس الجامعي الوحيد الذي يخدم المشروع القطري. نجد كذلك ماتيو كيدار الوافد الجديد على الساحة الاعلامية من خلال كتابه الاخير الذي يكيل فيه المديح للتيار الاسلامي يقول “الذين كانوا يتوهمون بنهاية الاسلاموية وهم يفكرون في ايران فقد اخطؤوا لان ا لاسلاموية تنبعث في كل أزمات الحكم التي تعرفها الدول الاسلامية و ذلك منذ 14 قرنا  كالرجوع إلى منابع الحضارة الاسلامية.  الاسلاميون ابعدوا من السلطة من طرف قوى داخلية و خارجية  و يمثلون تاريخ عريق و مطالب هوياتية “. رئيس تجمع مسلمي فرنسا نبيل ناصري يعد حلقة وصل قطرية وسط المثقفين المسلمين . الرجل له امتداد داخل التنظيمات الاسلامية و ناشط عبر الشبكة الاجتماعية و المواقع الالكترونية مقرب من طارق رمضان ومدافع شرس عن قطر.

بالمقارنة مع النجاح الذي حققته قطر في بناء و تمويل المساجد و المراكز الاسلامية فإن مخطط “صندوق مساعدة الضواحي” بقي حبرا على ورق و الحلم الذي علقه بعض شباب الضواحي على اموال قطر لفتح مطاعم”البتزا” في الحي الشعبي ساندوني ذهب ادراج الرياح.

في نوفمبر 2011 مجموعة من المنتخبين من اصول مهاجرة  تمت دعوتهم لزيارة الدوحة من طرف امير قطر شخصيا. مثل هذه الرحلات الاستتكشافية اعتادت على تنظيمها الادارة الامريكية لفائدة منتخبي الضواحي و نخب الجالية المسلمة بفرنسا. العطف القطري المفاجيء امتد لتنظيم مثل هذه الرحلات. احد المشاركين فيها محمد حاكو مستشار جماعي في كونيس نشر في 03 دجنبر2011 يوميات رحلته, ذكر فيها بان الامير وعدهم بدعوتهم لحضور كاس العالم في الدوحة, وعدهم كذلك ببناء المزيد من المساجد و المراكز الاسلامية  و بتو فير الاساتذة الاكفاء لتدريس اللغة العربية. رئيس جمعية المنتخبين الفرنسيين من اصول مهاجرة و الذي كان وراء تنظيم تلك الرحلة لقطر من اقرب المتعاونين مع اريك راولت , النائب البرلماني السابق لسان دوني والمنتمي للحركة من اجل الجمهورية( يمين) نائب معادي للمهاجرين لكنه صديق الجمعيات الاصولية الفرنسية

خلال و لاية نيكولا ساركوزي توطدت العلاقة  بين الحركة الشعبية من اجل الجمهورية و الجمعيات الاسلامية الوهابية برعاية قطر لتشمل تنظيم الرحلات لفائدة منتخبي الحزب و بناء المساجد و تمويل المراكز الاسلامية التي تفرخ الاسلام الوهابي.

باريس ترجمة و إعداد بويسان احماد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.