كيف تأخرت الجمعية المغربية لحقوق الانسان عن اعلان المقاطعة!

هل يمكن فصل المنتدى العالمي لحقوق الانسان المزمع تنظيمه في أواخر شهر نونبر عن السياسة؟ سؤال قد يبدو مهلهلا وغير متماسك في بنائه المنطقي الداخلي، لكنه مفروض من سياق تاريخي وسياسي وطني، بدوره مهلهلا وغير متماسك في بنائه المنطقي…. لنعالج الأمر بقليل من تقنيات التفكيك، كي نستجلي الأسباب التي جعلت الجمعية المغربية لحقوق الانسان تقرر، وعن حق، تعليق مشاركتها في المنتدى العالمي لحقوق الانسان….

هذا الاستجلاء ضروري، لأن بعض الأبواق انتدبت حناجرها لتسفيه قرار الجمعية، ولومها لتعليق مشاركتها، واعتبار هذا التعليق حجة وسببا لاقتناص مغانم مالية وسياسية لا غير….

يعقد المنتدى تحت الرعاية السامية لملك البلاد، ليس باعتباره حقوقيا أمميا، ولا حائزا لنوبل للسلام، ولا للتتويج الأممي بجائزة حقوقية، بل المنتدى تحت الرعاية السامية للملك باعتباره رئيسا للدولة، بمشروعية سياسية مستمدة من نظام الملكية الذي بوأه هذا الوضع، وبالتالي فالقبعة الشرفية الرئيسية هي سياسية بالضرورة….

في المطوية التقديمية للمنتدى، ملامح الجمعيات والشخصيات المرتقب حضورها، وهي كلها تمزج في ذواتها السياسي والحقوقي، بدءاً من بانكيمون وصولا إلى ملالي حائزة نوبل للسلام لهذه السنة….

القضايا المطروحة للنقاش هي قضايا سياسية أساساً، الجانب الحقوقي فيها جانب فرعي لا أصلي، بدءاً من موضوع المصالحة في سيراليون، والقراءة في تجربة الحرب الأهلية التي قامت فيها في نهاية القرن الماضي وصولا إلى مشكل الصحراء الغربية والنقاش حول تقرير المصير وتدبير النزاع في جنوب المغرب وما يترتب عن هذا التدبير من خرق لحقوق الانسان….

إذا الحديث عن الحقوقي والسياسي هو حديث مغلوط، وقنطرة لشرعنة القمع ليس إلا… وهو ما يقع في حالة الجمعية المغربية لحقوق الانسان…. المطلوب من هذه الجمعية أن تحضر إلى منتدى، هو سياسي في جوهره، وتدافع فيه عن وجهات نظرها، السياسية من منظور حقوقي، كي يتغلب المنطق السياسي، المدعم بالالاف الجمعيات التي لا تعرف من حقوق الانسان سوى العنوان، وينتصر المخزن الذكي، بتمرير عرسه هذا تحت راية المشاركة الواسعة، وأساسا مشاركة الجمعية الممانعة….

لعل مطالب الجمعية بتنقية الأجواء السياسية قبل انعقاد المنتدى فيه الكثير من الرزانة والمرونة وتغليب مصلحة البلد العليا، لأن هذا المطلب يضمر سلوكاً انهزاميا أمام تمادي الدولة في السير على درب النكوص والتحكم…. الصحيح، هو أنه كان عليها أن تعلق مشاركتها منذ اليوم الأول، وتعلن المغرب بلدا منكوبا على المستوى الحقوقي…

ليس هذا بالنظر إلى سلوك الدولة ضدها، القاضي بمنع أكثر من أربعين نشاطا حقوقيا كانوا مبرمجين على المستوى الوطني، وليس باعتقال وفاء شرف، الناشطة في صفوفها، ولا الحكم على الخمليشي أحد أعضاءها البارزين بمدينة طنجة، ولكن بالنظر إلى الهجوم الشرس على حقوق المواطنين جميعهم، عبر التدخلات العنيفة ضد مطالب المعطلين، ومنع الوقفات والاحتجاجات القطاعية، وعدم تصفية تركة المصالحة والانصاف، والهجوم على القوت اليومي للمغاربة عبر الزيادات المهولة في الاسعار وتردي الخدمات الاجتماعية وانحسار النمو الاقتصادي وغيرها من الأثافي التي يرفل فيها البلد….

لكل هذه الأسباب كان على الجمعية المغربية لحقوق الانسان أن تقاطع المنتدى السياسي لحقوق الانسان، وأن يقاطعه كل الذين يحملون هم هذا الوطن في قلوبهم وضمائرهم، دون ذلك لن تفعل الدولة سوى تأثيث المشهد العام بهم، على أن تعاود صفعهم وتقريعهم حال مغادرة الضيوف مأدبة المنتدى….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.