كلمة أم ناصر الزفزافي في البرلمان الأوروبي بستراسبورغ.

أنا أم ناصر الزفزافي، أولا أشكر إخوتنا الذين وقفوا معنا إلى أن وصلنا إلى هذا المكان، كما نشكر البرلمان الأوروبي الذي إستضافنا. ونتمنا أن تواصلوا مساندتكم ودعمكم لنا إلى غاية إطلاق سراح أبنائنا. إننا نحن عائلات معتقلي [حراك الريف ]كلنا مرضى، أنا شخصيا أعاني من مرض السرطان والسكري. لا أستطيع تحمل مشاق السفر إلى الدار البيضاء لزيارة إبني وفِي المقابل لا أستطيع التوقف عن زيارته.

إن سبب مرضي بالسرطان هو إعتقال إبني وما تعرض له من تعذيب. منذ إعتقاله وأنا مريضة ووضعيتي الصحية تزداد سوءا. أنا لا أنام إلا بالمسكنات بسبب تفكيري المستمر في معاناة إبني. أطالب منكم الوقوف معنا لمؤازرتنا في محنتنا من أجل إطلاق سراح أينائنا الأبرياء. نحن لم نأتي إلى البرلماني الأوروبي للإستقواء به على دولتنا، وإنما أتينا لنطلب دعمه لمساعدتنا على إقناع دولتنا بضرورة إطلاق سراح أبنائنا، لنتخلص من معاناتنا القاسية والمأساوية.

أنا هرمت ولم أعد صغيرة كي أتحمل هذه الويلات. وقد مرضت بالسرطان نتيجة صدمة الهجوم على منزلي ثم إعتقال إبني والتعذيب الوحشي الذي تعرض له، ما جعلني عاجزة عن النوم بدون الأدوية إلى أن إنفجر فيّ المرض اللعين. لذا أطلب من الحميع الوقوف بجانبنا ومساندتها في محنتنا، لأن دعمكم لنا يمدنا بقوة جبارة على الصمود والتحمل رغم مرضنا. نحن نطالب من دولتنا الإصغاء لصوتنا.

نحن حين خرجنا إلى الشارع للإحتجاج سلميا لم نكن نريد إلا مطالب مشروعة: المستشفى، الجامعة والمعاهد التعليمة، خلق فرص الشغل لأبناؤنا بالريف… هذا ما كنا نطالب به. ويوجد بمدينة الحسيمة مركز صغير للأنكولوجيا لكنه لا يكفي لاستيعاب ولعلاج الأعداد المهولة من مرضى السرطان بإقليم الحسيمة. أنا شخصيا عانيت كثيرا، بمدينة الحسيمة، أثناء مرضي من تدني الخدمات الصحية وضعف التجهيزات، ما جعلني أضطر للإنتقال إلى مدينة طنجة، وبمساعدة المحسنين، لتلقي العلاج.

فكيف يمكنني تحمل مشاق السفر إلى الدار البيضاء لزيارة إبني وأنا في هذه الحالة وفِي هذا السن؟ لكن لا يمكنني أيضا عدم زيارته. وفي كل زيارة يُغمى عليّ داخل السجن، حين أرى ذلك المكان العفن الذي يعاني فيه ناصر إبني الويلات. نحن خرجنا للإحتجاج من أجل مطالب بسيطة ولم نخرج ضد الدولة، فهل هذا ما نستحقه؟

كل أمهات المعتقلين مريضات، كل واحدة بماذا مرضت، لكن مرضي أبشع، إن مرض السرطان ينهش جسدي، لقد أجريت عمليتين جراحيتين. حين هجم رجال الأمن على منزلي [ يوم الحمعة 26 ماي 2017] بعد أن كسروا الباب، وجدوا معي إبن عم ناصر فانهالوا عليه بالضرب والرفس. كنت أصرخ فيهم “دعوه إنه لم يفعل شيئا”. وفِي لحظة ضربني أحدهم بركلة أدخلتني في غيبوبة فحملوني إلى المستشفى. وبقي رجال الأمن بمفردهم داخل المنزل ليعبثوا فيه شر عبث، فكسروا الأثاث والأواني…

فماذا فعلنا حتى تعاملنا الدولة بهذه القسوة وهذا العنف؟ وهل هذا هو ما يستحقه من يطالب بحقه؟ وحين عرفت ما تعرض له ناصر إبني من تعذيب همجي، دخلت في غيبوبة دامت ثلاثة أيام. فما ذنب ناصر ليعذبوه بتلك البشاعة والوقاحة؟ وبأي حق؟ كان بإمكانهم بعد إعتقاله محاكمته، لكن دون تعذيبه والتنكيل به بتلك الطريقة الجهنمية، وبالتالي فإنني أبدا لن أنسى التعذيب الذي تعرض له إبني ولن أسامح الذين عذبوه.

أول مرة أرى فيها ناصر بعد إختطافه تمت خلال عرضه على قاصي التحقيق، وبطلب من المحامي الذي شرح للقاضي حالتي الصحية المزرية. حين رأيته صُدمت، فقد رأيت على وجهه آثار الضرب بالأصفاد، رأيت جرحا غائرا على رأسه، وجسده كان مطوقا بالكدمات الناتجة عن التعذيب الأعمى الذي تعرض له. فماذا فعل ناصر إبني ليفعلوا به كل ذلك؟

إن ذنب إبني الوحيد هو أنه تحدث عن حقوقه، ومن لم يرق له ذلك كان عليه تقديمه للمحاكمة، لكن أن يعذبوه كل ذلك التعذيب، لا. وأبدا لن ننسى ذلك. أنا لن أنسى ولو للحظة واحد معاناة إبني ناصر وما تعرض له من تعذيب. أنا لا آكل ولا أشرب، أظل دوما أفكر في إبني وفي جحيمه.

إبني لم يقل إلا كلمة الحق، فلماذا ينتقمون منه بهذه الشراسة والعدوانية؟ وهو، إلى الآن، مازال في الزنزانة الإنفرادية. يعاني من مرض الحساسية، كلما زرته أجده لا يتوقف عن حك جسده وعينيه حمراوتين، وفِي كل زيارة أحمل له دواء مرض الحساسية، وإدارة السجن، من حين لآخر، تعرضه على الطبيب، لكن الطبيب لا يمكنه فعل أي شيء ما دامت الزنزانة التي يوجد فيها ناصر لا تدخلها أشعة الشمس ومليئة بالرطوبة والتلوث. فماذا فعل إبني ليفعلوا فيه كل هذا؟ لماذا يستمرون في وضعه في زنزانة إنفرادية تنعدم فيها كل الشروط الصحية؟

لماذا يمنعون علينا زيارته فوق ثلاثة أفراد من عائلته مع أننا نقطع المائات الكيلوميترات لرؤيته؟ لماذا باقي رقاقه المعتقلين تزورهم عائلاتهم بشكل جماعي بحسب عددهم في الجناح الذي يوجدون فيه فيما إبني يفرضون علينا زيارته بمفرده؟ إن زيارتنا لناصر تتم في ظروف جد مجحفة، حيث نضطر للبقاء واقفين خلال فترة الزيارة وبحضور مكثف للحراس، إنهم لا يوفرون لنا حتى المقاعد للجلوس عليها. فلما يعذبون أبنائنا المعتقلين ويعذبوننا بهذه القسوة؟ هل هذا هو جزاؤنا لأننا طالبنا بحقوقنا؟ إذا كان الأمر كذلك، فإننا لن نتراجع عن مطالبتنا بحقوقنا. فرغم التعذيب والعذاب والمعاناة. سنظل نطالب بها.

ترجم الكلمة من الأمازيغية جمال المحدالي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.