كشف أمازيغوفوبيا رشيد الإدريسي و تفنيد إتهاماته السفسطية

نشر رشيد الإدريسي الأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية مقالا عَنونه ب ” هل الأمازيغ شعب أصلي؟ ” حاول فيه إيجاد نماذج الإقران بين إتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بالشعوب الأصلية و بين ظهير 16ماي 1930 الذي سماه صاحب المقال بالبربري مشيا على منوال خطاب ما يسمى بالحركة الوطنية ليتوصل إلى هدفه من المقال و هو إتهام الخطاب الأمازيغي بالعنصرية و هذا قول مجانب للصواب قطعا بإعتبار أن خطاب الحركة الأمازيغية إرتكز على مبادئ تقديس الإنسية و تمخض عن قراءة موضوعية لعصارة الفكر البشري المُؤسسة لمبادئ التعددية و الإختلاف القائمة على أواصر العقلانية و النسبية و الحداثة في التفكير و السلوك التعاملي الإنسي ، فمن باب التعقل المنطقي فلا يمكن للحركة الامازيغية التي ولدت من رحم الحرمان و الطمس الممنهجين ضد الهوية و الثقافة الأمازيغيين أن تكون عنصرية و هي المنادية و لا تزال بضرورة رفع التهميش و التراتبية المكرسة في السياسات الممنهجة ضد إيمازيغن ، و كذا لا يمكن الجزم قطعا أن يكون الخطاب الأمازيغي المناهض لأشكال الميز الإقتصادي و السياسي و السوسيوثقافي أن يكون ظالما و هو المُؤسَّس لمجابهة أشكال الأمازيغوفوبيا .

إن إدعاء صاحب المقال أن الإستناد على الإتفاقية الأممية للشعوب الأصلية يكرس تسييد و تشييع العنصرية هو منطلق يحمل إعتلالا بينا في الزاوية التي تناول فيها السيد رشيد الإدريسي عمق الإتفاقية و التي ساهمت في توصله إلى إستنباط خلاصة خاطئة عمقها تصفية حسابات إيديولوجية سياسية مع الحركة الأمازيغية للأسباب التالية :

_أولا : يرى صاحب المقال أن الحديث عن الشعب الأمازيغي كشعب أصلي فيه تهديد لوحدوية النسيج المجتمعي المغربي و هذا دليل مسبق على عدم إيمان السيد الإدريسي بالمجتمع الواحد المغربي و أمر مناف لبنود الإتفاقية رقم 169 بشأن الشعوب الأصلية و القبلية في البلدان المستقلة التي إعتمدها المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية في دوته 76 بتاريخ 27 يونيو1989 ، فالإتفاقية ترمي إلى تحصين حقوق الشعوب الأصلية من باب منصوصات العهود و القوانين الدولية لوقف أشكال التمايز السياسي الناتجة عن معادلات الحروب و الإستعمار التي تقصي المجابِه للفكر الكولونيالي في دولة من الدول ، و لكن صاحب المقال أسقط نصوص الإتفاقية لتفنيد المعطيات التاريخية و مقومات الهوية الامازيغية ليسقط في تناقض النظر إلى إيمازيغن كأقلية بالمغرب و هو إدعاء مفارق للمعطيات التاريخية و الإحصائية .

_ثانيا : إقران صاحب المقال لمحددات الشعب الأصلي في الجانب المظهري بحديثه عن المظهر الفيزيولوجي و الملامح و الخصائص البشرية ، ليظهر أن الشعب الأمازيغي مختلف في بنيوية تركيبته ( كإشارته إلى الأمازيغي الأسود و الأبيض ) ، و هنا يكون السيد الإدريسي قد زكى مقومات الميز العنصري بإدراك منه أو لاإدراك بحصره البوثقة المركبة للنسيج المجتمعي المغاربي على تباينات العرق و هذا الطرح حذرت منه الإتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري و المعتمدة بموجب قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم | 3068(د_28)| المؤرخ في 30 نونبر 1973 ، و يكون صاحب المقال قد عارض دون إحتساب منه بنود المادة الثانية من الإتفاقية التي تجرم أي اضطهاد لفئة شعبية على أساسي عرقي و محاولات إخضاعها بالقوة ، إذ أن الحديث عن مغرب عربي ينافي بنود إتفاقية منهاضة الميز العنصري و هو تكريس لمناصرة فئة مجتمعية على أساس عرقي الذي يجرمه الباب الثاني من البند الثاني من نفس الإتفاقية .

_ثالثا : الحديث عن المغرب العربي من طرف المعني بالأمر يتنافى مع الإتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري بموجب القرار رقم |2106 ألف (د_20)| الصادر في 21_12_1965 و لاسيما المادة الثانية القاضية بتعهد كل دولة بعدم إتيان أي عمل أو ممارسة من أعمال أو ممارسات التمييز العنصري ضد الأشخاص أو جماعات الأشخاص أو المؤسسات، وبضمان تصرف جميع السلطات العامة والمؤسسات العامة، القومية ، و يتنافى مع منصوصات الوثيقة الدستورية لفاتح يوليوز التي تنص على البعد المغاربي الإفريقي دون إضفاء القومية على المجال الجيوسياسي للمغرب ، و يتعارض أيضا مع باب التعددية لنفس الوثيقة الدستورية .

_ رابعا : إتهام الحركة الامازيغية بتهمة العنصرية هو تهجم صريح و عدائي بتغليب صاحب المقال للنزعة العاطفية على مسوغات العقل و المنطق ينطبق من القناعات الإيديولوجية للسيد الإدريسي المنبنية على الخطاب العروبي يتأسس نفي محددات الهوية الثلاث المعمول بها ، لتبيين عروبة شعب ليس بعربي ، و هو سير على الخطاب الأرسلاني المؤسس على إقحام الدين كمحدد للهوية لإضفاء طابع القومية على دين ليس بقومي قصد إحلال تراتبية تضع العرق العربي في الدرجة الأولى و تصنيف باقي الشعوب في مراتب دونية ، ثم إن كان تاريخ شمال إفريقيا الأمازيغي ضارب في عمق التاريخ لما يزيد عن 35 قرنا و لغة الإنسان تمتد جذورها إلى ما قبل الحضارة الفرعونية فكيف يعقل أن نسمي هذا المغرب عربيا و جماده و تاريخه و إنسانه و ثقافته لا تمت بصلة للعروبة إلا من باب الغزو المؤدلج لإخضاع شعوب بإستغلال الدين ، ثم إن كان المغرب بالفعل عربيا ، فلم تم تسخير كل الطاقات و الآليات لتعريب المجال و الإنسان ؟؟

_ خامسا : الحديث عن ظهير 16 ماي 1930 الذي وصفه الإدريسي بالبربري هو محاولة يائسة للأسف لإحياء أساطير تم تفنيدها بالحجة و البرهان ، بإعتبار أن الظهير المعني يسمى ب16 ماي 1930 المنظم لسير العدالة المعترف بها كقبائل ذات أعراف بربرية و قد أعقب مجموعة من الظهائر التي تفادى السيد الإدريسي الحديث عنها لخطورة مضامينها المؤسِّسة لتشريع سلب الأراضي و إنتزاعها من أصحابها لتفويتها للمعمرين من بينها ظهير 11شتنبر 1914 المؤسس للنظام القضائي العرفي ، و ظهير 15 يونيو 1922 المؤسس للقواعد الخاصة المتعلقة بالتفويتات العقارية التي يستفيد منها الأجانب و الواقعة في المناطق المصنفة كقبائل ذات عرف بربري .

تجدر الإشارة إلى كون هذه الظهائر جميعها تحمل أختاما سلطانية ، فإن تم وصفها بمحاولات تنصير الامازيغ فيجب إخضاع السلاطين للمساءلة و سبب إمضاءها لما يخالف وحدوية الشعب أنذاك ، ثم إن لفظ البربري و وصف ظهير 16 ماي به هو من إستصناع المتخرجين من المدارس الفرنسية قراء اللطيف الذين أوهموا العامة بمحاولات تنصير الأمازيغ و تلفيقهم تهم واهية ما أنزل بها الظهير من سلطان ، كل ذلك أتى في سياق صناعة تيار موالي للإقامة العامة الفرنسية لكسر شوكة المقاومة المسلحة البطلة التي كانت تهدد المشروع الكولونيالي و حلفاءه من عرابي المخزن ، دون إغفال الإشارة إلى أن قراء اللطيف هم أنفسهم من أشعلوا الشموع في بوجلود أمام بيت ليوطي بعد إصابته بوعكة صحية و هتفوا بالشفاء له .

و نخبة قراء اللطيف هم أنفسهم من سيؤسس لما سمي بالحركة الوطنية الموقعة على وثيقة 11 يناير 1944 المطالبة بالإصلاحات و أحفادهم سيكلفون فيما بعد بتكوين ميليشيات لتصفية رموز جيش التحرير لتمهيد بيع المغرب و أهدافه الجيواستراتيجية على طاولة إيكس ليبان .

_سادسا : إن محاولة إدعاء صاحب المقال أنه من اللازم عدم الحديث عن الإنتماء الأمازيغي و هوية المغرب الأمازيغية بدعوى أننا كلنا مغاربة فيه الكثير من الحيف و محاولة لبتر السيرورة التاريخية و حصرها في قرن و نيف ، إذ أن مصطلح ” المغرب ” ظهر فقط بعد إتفاقية الجزيرة الخضراء المشرعة للتواجد الكولونيالي ، و تاريخ الأرض و الإنسان الامازيغيين أكبر بكثير من ذاك و يمتد إلى ما قبل إطاحة شيشونغ بأسرة رمسيس 21 المؤسِس للتقويم الأمازيغي الذي حاول صاحب المقال شجبه و شجب الإحتفال برأس السنة الأمازيغية المعبرة عن مجد تاريخي أمازيغي الذي يستلزم إقراره كيوم عطلة رسمية لحفظ الأمجاد التاريخية و ضمان سيرورة التشبث بالماضي النير .

_ سابعا : محاولة تصوير صاحب المقال للمجتمع المغاربي كفئة غير متجانسة بالإستناد إلى الخصوصية اللسنية ( الناطقين بالأمازيغية و الغير الناطقين بها ) تحمل بين ثناياها الكثير من الإجحاف ، إذ تم التغاضي عن الظروف اللاإنسانية المصاحبة للغزو العربي لشمال إفريقيا و استغلال الغزاة لعنصر الدين لإخضاغ إيمازيغن بالرغم من شكاوي الأجداد لدار الخلافة بدمشق التي أُعقبت برد الخليفة أنذاك ( لن يسلموا حتى يعربوا ) فتم فرض الجزية على إيمازيغن بعد إسلامهم لتسريع وتيرة التعريب ، ثم إن الفيسفياء اللسنية الحالية ناتجة عن سيرورة التعريب الممنهجة بدءا من فرض إقران العروبة بالإسلام و إنتهاءا بسياسات دولتية آنية تهدف لطمس الأمازيغ و فصلهم عن ماضيهم التاريخي لتوطيد لبنات الشرعية المخزنية المقامة على النسب الشريف و العروبة القريشية ، الأمر الذي أفزر تباينا في النتائج فهنالك من تم تعريبه بالكامل ( الأمازيغ الناطقين بالدارجة ) و هنالك من تمسك بلغته رغم كل الحيثيات و هذا ليس مؤشرا و عاملا للإستناد حول الهوية فالتغيرات اللسنية متحولة و لكن هوية الأرض تبقى ثابتة ، و إن إرتأى صاحب المقال عكس هذا الطرح فليحاول أن يقنعنا في مقالة مقتضبة أن السينغاليين فرنسيين لأنهم يتحدثون بالفرنسية أو أن المكسيكيين إسبانا ، لن يفعل و لو حاول فالحق بين و الباطل بين .

و على سبيل الختم فإن العنصري الحقيقي هو من يحاول فصل الشعب عن ماضيه التاريخي الذي تمسك الخطاب الأمازيغي رغم أنف الخطابات العروبية الجوفاء المدحوضة ، فلا يعقل أن تكون الحركة الأمازيغية عنصرية و قد ظلت تنادي بدسترة الأمازيغية إلى جانب العربية ، و لا يمكن أن يكون المطالب بإحترام خصوصياته السوسيوثقافية عنصريا مادام تزاوج مع الدخيل عبر التاريخ و بايع الدخلاء من جانب السذاجة السياسية بإستغلال الدين ، فالعنصرية ترقص في نبض من حاول تصوير نفسه متحدثا بإسم الله في الأرض و العنصري هو من لا يحرك ساكنا و هو يعاين سلب الحقوق في المحاكم لسبب عدم إتقان لغة القاضي أو يتعرض للتضييق في الإدارات العمومية لكون الموظف غير ملم بلغة الشعب ، فالتعايش يقتضي التشبع بإحترام الخصوصيات الجماعية و عدم بلقنة خطابات سفسطية لنصرة إيديولوجيا شرقية لا تمت بصلة للشعب الأمازيغي و خصوصيات أرضه و محددات هويته .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.