كرونولوجيا المقاطعة والتصريحات المستفزة

فاطمة واياو

20 ابريل – 20 ماي: شهر كامل من حملة المقاطعة التي دشنها المغاربة انطلاقا من دعوات على مواقع التواصل الاجتماعية.

ورغم دخول شهر رمضان إلا ان المقاطعة مستمرة وناجحة ، بفضل العزيمة القوية لشعب صمد طويلا على الظلم والتهميش والتفقير. وتأتي هذه الحركة الاحتجاجية الابداعية والراقية، بعد سلسلة من الانتفاضات والحراك وحرق الجسد التي لم تحرك  لدى المسئولين ذرة من انسانية او أي صحوة ضمير. بل بالعكس جوبهت هذه الاحتجاجات بالقمع والسجن والمحاكمات الصورية.

إن المتأمل في ما يشهده المجتمع المغربي من ردة فعل طبيعية ومنطقية اتجاه ما آلت أليه الاوضاع بسبب ضعف القدرة الشرائية بفعل الغلاء الفاحش، يستنتج أن الثقة في الاشكال التقليدية للنضال اهتزت وخصوصا في رموزها المتمثلة في النقابات. ويعتبر سلاح المقاطعة ناجعا واجرائيا، لانه لا يمكن لاحد استعماله من اجل حملات انتخابية او مزايدات سياسية. في نفس الآن يدل على ان المغاربة بلغ بهم السيل الزبى سواء بسبب السياسات الحكومية التي اتسمت ولعقود بتفقير الفقراء وإغناء الاغنياء، وسحق الطبقة المتوسطة من على الخارطة الاجتماعية للمغرب. ولكن وللاسف أيضا بسبب ضعف وتواطئ بعض الاحزاب والنقابات. فالمقاطعة تدل على الوعي العميق وايضا تعتبر فرصة للغربلة. الآن ستتضح الرؤيا وينجلي الضباب عن المناضلين الحقيقيين واشباه المناضلين وبائعي الكلام,

 إن سلاح المقاطعة في أدبيات علم الاجتماع والحركات الاحتجاجية هو ارقى أنواع النضال علينا دعمه لأن حقيقة المغرب أن هناك فئة واسعة من المغاربة قدرتها الشرائية في الحضيض . فتحية للمقاطعين الصادقين

ما يميز هذه المقاطعة هو الغياب الشبه التام للأحزاب والنقابات  عنها ، فلم تختلف كثيرا عن موقف الحكومة، اليس الصمت عما يصدره ممثلوا الحكومة من تصريحات وقحة ضد المغاربة المقاطعين أي مواطني الشارع، اليس علامة على الرضى أليس السكوت علامة الرضى؟

في البدء كان الاعلان الهاشتاغ التالي على الفايسبوك:

السؤال المنطقي الذي يطرحه أي  متابع لحملة المقاطعة هذه ، هو ما هو رد فعل الحكومة وكيف عبر وزراءها عن موقفهم اتجاه نجاح المقاطعة للشركات الثلاث: سيدي علي، سنترال وإفريقيا؟ وساوردها هنا بشكل اكرونولوجي:

  • 24 ابريل: أي بعد اربعة ايام من بدء المقاطعة: الوزير محمد بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، في تصريح مثير، وصف المواطنين المنضمين لحملة مقاطعة ثلاث منتوجات استهلاكية،  بـ”المداويخ”. : ” خصنا نشجعو المقاولة ونشجعو المنتوجات المغربية ماشي بحال دابا شي مداويخ تيقولك مقاطعة المقاولة المغربية لي مقاولات مهيكِلة ومهيكٓلة وكتشغل عباد الله وكتخلص الضرائب ديالها”.
  • 25 ابريل:  قال أخنوش وزير الفلاحة والصيد البحرين والتنمية القروية والمياه والغابات وصاحب شركة إفريقيا للغاز “أن هناك حوالي 470 ألف فلاح يشتغلون بقطاع الحليب، لن يوقفهم الإنترنت عن العمل” ، في اشارة الى الحملة المتواصلة على صفحات الفايسبوك منذ 20 ابريل و التي تستهدف شركة سنترال لانتاج الحليب، شركة سيدي علي ومحطة إفريقيا للغاز ونحن نعلم جميعا أن مثل هذا التصريح يعتبر مجرد مناورة تهدف الحد او إيقاف المقاطعة باعتبارها تهديدا مباشرا للوزير. لتضعنا امام سؤال جوهري  الم يحن الوقت لاعلان الطلاق النهائي بين سلطة المال والسلطة السياسية لما تمثله من تهديد خطير لمجتمع عادل يضمن الكرامة والحقوق الأساسية لكل المواطنين.
  • 25 ابريل : في نفس اليوم لم يفت منصف بلخياط عضو المكتب السياسي لحزب اخنوش التجمع الوطني للاحرار
  • 26 ابريل : عادل بنكيران، مدير المشتريات وتطوير الحليب بمجموعة “سنطرال دانون”، في اول  تصريح صحفي له في اليوم السادس من حملة المقاطعة  وعلى هامش فعاليات المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، أن “الضرب في المنتجات الوطنية خيانة للوطن”.
    وأوضح بنكيران أن شركته لن تتضرر بالمقاطعة على عكس 120 ألف فلاح الذين يتعاملون مع الشركة، لافتا إلى أن هؤلاء سيضطرون إلى إتلاف إنتاجهم من الحليب إن لم تقم الشركة بجمعه منهم، مشددا على أنه مع التنافسية الشريفة، “ولكن الحس والمسؤولية الوطنية يجب أن تكون قبل كل شيء”.
تحالف سنترال وإفريقيا بفضل زواج السلطة والمال – الصورة من موقع عربي 21

 ورغم هذه التصريحات الاولية المؤسفة إلا أن الغالب هو الصمت الرسمي للحكومة بعد مرور أسبوع على حملة المقاطعة  وقد اكد هذا الصمت الناطق الرسمي للحكومة  مصطفى الخلفي حين صرح لوسائل الاعلام يوم 26 ابريل بان ” الحكومة لم تناقش موضوع المقاطعة، خلال اجتماع المجلس الحكومي” .

الحملة تواصلت ، والفيديوهات تتوالى تثبت بالدليل الملموس نجاح حملة المقاطعة، ما دفع بعض اعضاء الحكومة للرد، ولاننا لسنا في بلد الديمقراطية الحقيقية و فأن هذه الردود اتسمت مرة بالاستخفاف من الحملة ومرة بالوعيد والتهديد.

كرونولوجيا التصريحات وردور الفعل الحكومية:

10 ماي: الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي يخرج عن صمته ويهدد المغاربة خلال مؤتمر صحفي، قائلا أن : مقاطعة منتجات ثلاث علامات مبني على مزاعم خاطئة  داعيا المغاربة الى الامتناع عن ترويج “أخبار زائفة” لا علاقة لها بحرية التعبير، مضيفا بأن القضاء المغربي مستقل، دون أن يشير الى امكانية متابعة المعنيين، فيما لفت الى الفصل 72 من قانون الصحافة، الذي يعاقب بغرامة من 20 ألف درهم (نحو ألفي دولار) إلى 200 ألف درهم (نحو 20 ألف دولار)، كل من قام “بسوء نية بنشر أو إذاعة أو نقل خبر زائف.

13 ماي : أما الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة، لحسن الداودي،  فقد اختار ان يلعب دور المحامي في المسرحية التي تلعبها الحكومة والتي تتوالى احداثها الهزلية يوما بعد يوما في ظرف شهر على انطلاق حملة المقاطعة. فقد دافع “المحامي”  الداودي عن شركة الحليب الفرنسية المغربية “سنطرال دانون” التي تستهدفها المقاطعة بالاسم.حيث أطلق   تصريحات أقل ما يمكن القول عنها أنها تستفز مشاعر المغاربة،  حين قال إنه خائف من أن تغادر هذه الشركة البلاد متسببة بفقدان نصف المعروض من الحليب بحسب قوله، قائلاً إن الشركات الأجنبية سوف تخاف الاستثمار في المغرب بعد ذلك. هذا التصريح وبغض النظر على انه يضع الحكومة في صف لوبيات الاقتصاد ضد الشعب وقدرته الشرائية، فإنه أيضا ينم عن سذاجة وغباء سياسي، فقد اغضب الداودي شركة سانترال  عندما عمد لتخويف موظفيها والفلاحين. وكما يقول المثل المغربي: جا يكحلها عماها”

19 ماي: خرج محمد يتيم، وزير الشغل والإدماج المهني، بتصريح مثير حول موضوع ” المقاطعة”، مؤكدا أنه لا دخل له في قضية مقاطعة المواد الاستهلاكية، وأن “موضوع الحليب والكومير وخيزو وجافيل ومطيشة والبصل.. مداخلش فيه”.

وأضاف يتيم، في تصريح لمنابر إعلامية، جوابا عن سؤال حول موقفه من مقاطعة المواطنين لبعض المواد الاستهلاكية: “أنا ماشي مواطن.. أنا وزير، كتسولني كوزير، لو كنت مواطن من الزنقة متجيش تسولني

ورغم ان الوزير ادلى باعتذار وتوضيح محاولا تبرير وتفسير ماجاء في كلامه إلا انه وكما يقال العذر اقبح من الزلة، وإن الذين يحاولون الدفاع عن يتيم، واتهام الاخرين بانهم اتوا بمشهد مبثور من تصريحات سابقة قديمة إلا انني ارى شخصيا ان اعتبار وزيرا غير معني باحتجاجات المواطنين والتفريق بين كونه وزيرا وليس مواطنا في الزنقة او ديال الزنقة لهو عذر غير مقبول وينم عن عجرفة ااعضاء الحكومة وهم المسؤولون الاساسيون على ما آلت إليه اوضاع المواطنين. فهولاء الوزراء هم امتداد للحكومة السابقة التي رفعت الدعم عن المواد الاستهلاكية الاساسية، وهي التي قضت على التنافسية ونصبت نفسها حامية لبعض اللوبيات الاقتصادية لاحتكار السوق والاجهاز على القدرة الشرائية للمواطنين الذين ينعتون الآن بانهم مواطنين ديال الزنقة ويعابون لانههم اصبجوا يعانون الويلات من اجل شراء خيزو ومطشة ووووو.

وفيما لم يخرج أي مسؤول في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المشارك في الائتلاف الحكومي بأي تعليق حول حملة المقاطعة، دعت البرلمانية عن ذات الحزب حنان رحاب، في تدوينة لها على حسابها بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك إلى كل “تنظيم أو حزب أو جهة لاحتواء مثيلات هذه الحملة، و”عدم السماح للمختبئين وراء شاشات الحواسيب لزرع الفتن وتوجيه القطيع وتعريضه للمضايقات”!

موقف فيدرالية اليسار من المقاطعة اعلن عنه اسبوعا بعد انطلاق الحملة وتضم الفيدرالية الأحزاب اليسارية: الاشتراكي الموحد والمؤتمر الإتحادي، والطليعة الديمقرطي الإشتراكي.

من الحراك الشعبي إلى المقاطعة: تطور أشكال الاحتجاج بسبب تعنت الحكومة

من الإحتجاج في الفضاء العام إلى الإحتجاج في الفضاء الافتراضي.

مشاهدة حوار بن عمور رئيس مجلس المنافسة موقع اشكاين يوتوب

وإذا كاانت هذه الردود المخجلة التي اوردناها لأعضاء الحكومة التي اختارت مواجهة الشعب المغربي بانحيازها الواضح للشركات المحتكرة والمسؤولة عن تفقير الشعب والقضاء على قدرته الشرائية، فإننا نطرح تساؤلا لا يقل اهمية وهي ما موقف الاحزاب والنقابات من حملة المقاطعة الممستمرة منذ 31 يوما؟

لنفترض جدلا أن من يقاطع رغم ان دوافعه منطقية ومشروعة خائن للوطن ، الا يمكن القول بان اعضاء الحكومة هم اكبر الخائنين، لانهم يقاطعون المستشفيات العمومية، والمدارس المغربية والجامعات الوطنية بل وحتى المنتوج السياحي المغربي، فهم وبدون استثناء يرسلون ابناءهم للدراسة بالجامعات الاجنبية، ويدرسونهم في المدارس الخاصة او مدارس البعثات بالمغرب، ويتعالجون بالمستشفيات الأوربية، بل ويقضون كل اجازاتهم الاسبوعية او السنوية بالبلاد الاجنبية، مقاطعين بذلك قطاعا حيويا وطنيا أي السياحة. من هو الخائن الحقيقي هل الذي بلغ به السيل الزبى، ولم تعد قدرته الشرائية  قادرة على استيعاب الارتفاع الصاروخي للأسعار، في العديد من المنتجات،  ولم بجد بدا من سلاح المقاطعة كارقى انواع الاحتجاجات، أم الذي يملك من المال فائضا يمكنه من السفر للفنادق الفخمة بالخارج، وتدريس ابناءه بتكلفة عالية بجامعات عالمية، بل ومنهم من يتسوق من الخارج بما في ذلك المنتجات الحيوية اليومية اليسوا خائنين، هؤلاء الذين خانوا وعودهم وجروا البلاد والعباد إلى ازمة خانقة، في بلد يثير استغراب الاجانب ودهشتهم من الفوارق الطبقية الصارخة وهم يعلمون علم اليقين ان المغرب يملك ثروات طبيعية وبشرية يمكن ان تجعل منه بلدا ضامنا للكرامة الإنسانية لجميع مواطنيهم بمن فيهم مواطنو الزنقة كما وصفهم الوزير الذي يعتبر نفسه غير مواطن. وهو أمر ربما يحتمل وجوها عديدة للتفسير، ولكن تنم كلها على الاستخفاف بالمسؤولية والعجرفة وقلة الحنكة السياسية وغياب القيم الإنسانية في ابسط صورها وهي احترام الجميع.

قد يعتقد البعض أن كل هذه التصريحات المستفزة جاءت كرد فعل على نجاح المقاطعة، إلا انني هنا اود ان اذكر الجميع أن استفزازات أعضاء الحكومة ليت وليدة اليوم او منذ شهر من بدء المقاطعة. فالشعب المغربي لم ينس تصريحات رئيس الحكومة السابق المنتمي للحزب الحاكم حاليا، والتي لم تشذ عن قاعدة الاستفزاز.

أما وزيرة  الأسرة والتضامن والتنمية الاجتماعية والتي انست المغاربة في اسمها واصبحت اكثر شهرة بوزيرة 20 درهم، فقد صرحت على اثر حادث الصويرة الذي اودى بحياة 17 امرأة بسبب التدافع الذي حصل في اثناء توزيع المساعدات المخجلة من طرف جيمعية خيرية وهنا نشير فقط بأن مثل هذه الحلول الترقيعية والمهينة لكرامة المواطنين المغاربة نساء ورجالا عرف تشيجعا وانتشارا اوسع مع حكومة العدالة والتنمية  ، وفي معرض حديثها خلال الندوة الجهوية لمحاربة العنف ضد النساء بمراكش يوم 8 ديسمبر 2017، بأن سبب الحادث ” اللهطة” وهو تعبير قدحي في حق نساء دفعتهن الفاقة والحاجة وخوفهن من عدم تسلم القفة المهينة والتي قد تسد رمقهن ورمق ابناءهن ولو لايام معدودات. الوزير لم تجد حرجا ايضا من قول : أن عدم النظام الذي لم تلتزم به النساء خلال انتظار دورهم لتسلم المعونات الغذائية. هكذا بكل بساطة وثقة وهي وزيرة التنمية الاجتماعية وكأنها لا تدرك ان السبب الحقيقي وراء المأساة هي مأساة اكبر منها. انها ابتلاء المغاربة بمسئولين امثال وزيرة اللهطة . غير ان الوزيرة هذه لم تكتفي بهذا اللقب بل اردات ان تحصل على لقب جديد من خلال تماديها في استفزاز المغاربة واحتقار الطبقات المعوزة منهم على وجه الخصوص ،حيث صرحت يوم بان من يحصل على 20 جرهم في اليوم ليس فقيرا، هكذا أصبحت لدى المغاربة وزيرة باسم مستعار  وزيرة 20 درهم. فالوزيرة تلقبت باسم جديد يدل على الأوضاع السيئة لبلد يحكمه المتعجرفون والوصوليون والمنافقون، إنها الوزيرة اللهطة 20 درهم.

خلاصة القول : إذا كانت كل هذه التصريحات المستفزة والمتعجرفة والتي ادلى بها هؤلاء على المنابر الرسمية ووسائل الإعلام، تحمل كل هذا الحقد واللامسؤولية والتكبر بل والغباء السياسي أيضا. فماذا عن تفوهاتهم في مجالسهم الخاصة، وبينهم وبين زملائهم وبينهم وبين أنفسهم بل بينهم وبين الملك. يتقلبون ويتلونون ويمارسون أبشع أنواع النفاق السياسي والاجتماعي.

فاطمة واياو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.