كتابي الأول حلم يرفض الرحيل

لم أحلم يوما أن أكون كاتبة، مجرد خربشات لم أكن أرى فيها سوى يوميات صبية تختزن أحلامها في دفتر الذكريات، أحيانا ألقي نظرة عليها حينما يهزني الحنين إلى طفولة بعيدة بقيت حبيسة الصفحات المقفلة بعناية داخل صندوق كرتوني صغير كتحفة حياة قديمة، أحيانا أقرأ تلك الصفحات لأطل على تلك الطفلة التي كنتها يوما، أبتسم أحيانا، وأحيانا أستغرب لبعض الأفكار التي راودتني ذات يوم بعيد،إنها الكتابة تخلد ذاكرتنا. بدأت قصتي مع القراءة في الفترة الابتدائية، تلك الابتدائية الفاتنة حيث كانت نصوص المقررات الدراسية تخاطب جمال أرواحنا من خلال الأدب العالمي، هكذا تعرفت في سن صغيرة على روائع مكسيم كوركي، على رحلات ابن بطوطة، وحكايات كليلة ودمنة، على توفيق الحكيم، وروايات من الأدب الفرنسي، مع الشعر كنت صديقة، قارئة نهمة،خصوصا مع الشعر الفرنسي الذي كان له أبلغ الأثر في روحي كقارئة، هكذا بشكل ما ترسبت في نفسي شيئا من عبير كل تلك الأرواح، في أولى سنوات الجامعة اشتريت أول ديوان لبول فيغلان، لقد أحببته كل الحب، لأن إحدى قصائده في المدرسة الإعدادية حملتني على أجنحة فراشة باريسية عطرة، فأمطرت في قلبي دفئا لا يحد، لا ينسى،كنت أمسك بأغنيته الطيبة، أشم صفحاتها،وكأني وقعت عشقا في رجل يكبرني بقرن وعقدين من الزمان، هل للشعر كل هذا الخلود؟. في تلك الفترة، لم أجد في نفسي تجاه الكتابة نفس تلك النار المتقدة التي توقد نهمي للقراءة، حتى تلك الخواطر الصغيرة كنت أرسل من يقرأها نيابة عني وباسم مستعار في الأسابيع الثقافية للثانوية، وكأني أخاف من أن تفتضح مشاعري أمام العالم الصغير المحيط بي، كنت لا زلت فتاة صغيرة، محكومة بخجل قاتل، تخاف أن تعريها الكتابة أمام الأعين التي لم تكن تراها، تفضل الصمت على أن يلحظها أحد تمر في طريق ما، على أن تتعرى أوراقها الثائرة المتأججة بشموس أحلامها الصامتة على مضض. كنت أخشى قول أشيائي وكأني سأفقد عذريتي المقدسة. لكن تحت صمتي كانت أحلام أكبر من أن يتحملها الصمت. ولكل شيء بداية، بدايتي الواعية بالكتابة كانت مع القضية في البوسنة والهرسك، كانت القيم تضرب بقوة هناك، إنها قيمي أيضا، عملت بحكمة جدي الأمازيغي القديم الشاعر آفر ترينس الذي قال ” أنا إنسان لاشيء إنساني غريب عني”، فلم أتقبل السكوت، فكانت أولى إبداعاتي قصة باللغة العربية. مشاكسات الكتابة ستتوالى ولكن بوهج مختلف، في يوم وضع القدر أمامي نصا أمازيغيا قديما يحمل عنوان ” عشاء في بيت ميلو”، إنه من بين فصول رواية الحمار الذهبي لأبوليوس، فرادة النص ليس كونه فقط من أدبنا المغاربي لما قبل الإسلام، بل لأني وجدته مترجما للأمازيغية من طرف سيدة أكيد أن إكراهات كثيرة جعلتها تتوقف عن إتمام الترجمة. هل يمكن أن يكون ثمة شيء اسمه النص البارق؟ ، مثل برق أصابني بإحدى شذراته المتوهجة، وهج أبيض اكتسح كياني الواعي وغير الواعي، أشياء كثيرة تغيرت منذ ذاك اليوم،استفقت على وميض لغة لم أكن أعتقد أن لها وميضا قبل ذاك اليوم، لم يكن حبا أعمى ولا عواطف فوارة، لم أنكر أمازيغيتي يوما، لكن أيضا لم أكن واعية بها ذاك الوعي، لقد تشابكت أسئلة شتى في ذهني لم أتساءلها يوما، ووجدتني وسط رغبة جامحة لا تحتمل الانتظار، رغبة في البوح أنا الصامتة دوما. وذات مساء من شتاء 1998،حملت القلم، وقررت أن أخط ولأول مرة بالأمازيغية على ورقة تكاد تسألني عن كنه هذه المغامرة، انبثقت من روحي كلمات، تلتها كلمات، وفجأة ينقطع التيار الكهربائي، نهضت مسرعة أبحث عن شمعة، كنت حريصة ألا تضيع مني تلك الجلسة الفريدة مع ذاتي التي باحت في سطور، أبتعد قليلا لأقرأها في رعشة مندهشة أني كتبت قصيدة، تألقت عيناي دمعا وأنا أقرأ ” تايري نم إيشقان” أو ” حبك القاسي”، تلك القصيدة الأولى، لم أنشرها في أي من ديواني المطبوعين، وكل مرة أود ذلك أحجم أخيرا، لماذا؟ لا أعرف بالضبط، مثل حب خاص لا أريد أن أشاطره مع أحد، مثل لحظة لم يختطفها ظلام المدينة ذاك المساء حيث حلت العتمة كل الأرجاء، شمعتي تلك كانت بداية حكاية حب لا يريد أن ينطفئ. كانت رغبتي في نحت حروفي على صخرة أفتتها بحكاية عشق خاص يمتزج باحتجاج ، ثمة جدار صامت أصم يسيجني في وجود لا يراني، أردت أن أكون مرئية، يراني العالم لأني سئمت أن أظل أراه وهو لا يدري بوجودي، توق جامح للبوح وجد طريقه إلى الورقة، هناك انسابت كل احتجاجاتي على واقع متناقض يختلط فيه الحب بالاستغلال، احتجاج على الأقنعة المزيفة التي نلبسها كل يوم حين نعيش حياة ليست حياتنا، حين بٱسم المقدس حتى ولو كان طوطما غبيا نقتل أجمل ما فينا، احتجاج على مركز لم يكن يسمعني إذا صرخت بحروفي، يكفي أن أكتب باللغة الأمازيغية لكي يعي وجودي، وأعيه أنا أيضا. وددت حفر ذاك الجدار المنتصب بكل أنواع الحجارة الكرانيتية المترسبة بجفاف، لم يكن لدي معولا حديديا، بل فقط حروفي الموشومة بحب الوطن كما ورثثه من أجدادي، إني أحمل ذاكرتهم. إني تلك الطفلة، نفسها، تلك الحالمة التي ترفض الوصول إلى مكان نهائي، حتى لا ينتهي حلمها على رصيف واقع لا يمنح للأحلام اللامادية مكانا، كان الحلم أجمل شيء تهبه لي الكتابة، فهل سأستمر؟ ثمة ضباب يغشى الأفق، من يدري إلى متى سيقاوم كل هذا الحب كل أنواع الضغوطات، أخشى أن تتلقفني ظروف ما فيتوقف قلمي عن الحلم، أخشى أن تهون خطواتي مهما تحديت وتوكلت وانطلقت، أخشى أن تظل كتاباتي تحلم بأن ترفرف بعيدا في السماء ثم تخبو فجأة بين مطرقة واقع ثقافي ما وسنديان الحياة الخاصة بكل إكراهاتها، أخشى أن يخرسني الجدار الكرانيتي الأصم. كانت رغبتي في التواصل مع العوالم المختلفة تشعل من جذوة الكتابة ، رغبتي أيضا في مخاطبة الآخر التي هي أنا، تلك الأخرى التي تسكنني، التي ألقت القناع جانبا، لتكشف عن نفسها كامرأة، كمواطنة، كحلم يرفض الرحيل. أنا تلك الفتاة الخجولة جدا، تتعرى من كل أوراق التوت المزيفة، واتخذت من الأمازيغية لغة التعري من كل الفظائع الملثمة، تتوق كلماتي إلى عالم أرحب يفسح لها مكانا بين الطيور،لعل النوافذ تفتح أبوابها لطيوري حتى تمر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.