كان على بنكيران أن يرفض…

كان من المفروض أن يصمت الموظف العمومي الكبير، السيد عبدالاله بنكيران ، حيال واقعة زيارته إلى مصر، مترئسا الوفد المغربي في القمة العربية الأخيرة… كان سيكون لصمته معناً معينا، ليس بالضرورة ضده… كان يمكن تفسير زيارته إلى مصر بإكراهات الحكم، بانصياعه لآلة المخزن الرهيبة في ظل انحسار موازين القوى التي لم تسعفه ليكون رئيسا للحكومة بشكل حقيقي، واكتفى بلعب دور الموظف العمومي الكبير، والذي لن يتعدى في أقصى حالاته وزيرا أولا كما ينص على ذلك الدستور القديم، والذي لا تتعدى أدواره في تنسيق العمل الحكومي والوشاية بالوزراء للديوان الملكي…
لكنه نطق… نطق ويا ليته لم يفعل…
نطق حين أدلى بتصريح لجريدته غير المعلنة، أخبار اليوم، لصاحبها توفيق بوعشرين، وهو ينسب للدستور حصر المجال الدبلوماسي للملك، ثم وهو يمتنع، وعن صواب هذه المرة، عن معارضته للتوجه الدبلوماسي للمغرب…
نفس مضمون التصريح أدلى به لموقع فبراير.كوم حين أجاب بشكل استنكاري أنه لا يمكن أن يعترض على أمر الملك القاضي بالتوجه إلى مصر، ثم طلب الرئيس المصري المشير عبدالفتاح السيسي لاستقباله وأخذ الصورة التي كانت موضوع تعاليق وانتقادات حتى من داخل حزبه…
بهذين التصريحين مسح بنكيران شخصيته السياسية بشكل كلي، ومسح معهما هويته الحزبية ومسح أيضا اختيارا شعبيا المفروض فيه أنه كان سببا في تبوئه لمنصبه هذا… فعل ذلك كله عبر تحويل منصب دستوري مدعوم أساسا بشرعية انتخابية وشعبية سابقة عن الاختيار الملكي له كرئيس الحكومة، بل أن الاختيار الملكي له هو نابع أساسا من الاختيار الشعبي لا العكس…
ليس بالضرورة الاتفاق مع عبدالاله بن كيران، ولا مع حزبه العدالة والتنمية، لكن وجب تذكيره بأن غداة ما سمي بكارثة رابعة العدوية، أصدرت الأمانة العامة لحزبه بيانا أهم ما جاء فيه أن “الحكام المتغلبين في مصر اليوم مازالوا مع الأسف يراكمون الأخطاء والخطايا بعضها فوق بعض بدءا بانقلابهم على الشرعية”، وذكرهم بمسؤوليتهم أمام الله وأمام التاريخ، مبينا أن عليهم الرجوع إلى الشعب ليحكم برأيه كما تقتضي ذلك الديمقراطية ولا يتسببوا في ضياع وطن يعتبر عبر التاريخ من حصون الأمة.” كان ذلك والحزب يتقلد مسؤولية رئاسة الحكومة ويتقلد المسؤولية في وزارات عديدة، ولم يفكر عبدالاله بنكيران بأن موقف الحزب يعارض التوجه الدبلوماسي للبلد، ولا يتعارض وموقف الدولة الذي أيد السيسي في بدايات حكمه….
كذب بنكيران على الوثيقة الدستورية وهو ينسب إليها حصرها للمجال الدبلوماسي للملك ودائرته، والحالة أن البرنامج الانتخابي للحزب لم يخل من تدابير في السياسة الخارجية، أهمها ملف الصحراء والذي انتقد فيه الحزب التدبير الذي عرفه لمدة اربعين سنة، وهذا الانتقاد للمدة الزمنية ما هو في الحقيقة إلا انتقادا للمسؤولين عليه، وهي الدائرة الملكية…
كان على بنكيران أن يحفظ القليل من استقلالية ومركزية مؤسسة رئيس الحكومة، برفضه، بكل الأدب وكل الكياسة التي تليق برجل الدولة، اتجاه رئيسه الملك، تمثيل المغرب في قمة الدول العربية ورفض الذهاب إلى مصر، وبحفاضه على هيبة هذه المؤسسة سيكون قد عزز موقعها في سيرورة توطيدها المستقبلي من جهة وفي سيرورة تنزيل ديمقراطي لباقي مضامين الوثيقة الدستورية الجديدة…
للأسف لم يفعل، بوعي منه كمتآمر قديم، أو بغباء سياسي واضح، ساهم في هذه الدحرجة نحو الهاوية التي تعرفها الممارسة السياسية المغربية…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.