قوة حراك جرادة.. ارث نضالي عمالي وطلابي ومحاولة الاستفادة من تجربة حراك الريف

تستمر الاحتجاجات بجرادة لليوم السادس على التوالي في تعبئة وحشد للإضراب العام التي تم الدعوة إليه من قبل الحراك الشعبي بمدينة جرادة التي بدأ عوده يشتد وينتظم أكثر هذا الحراك المسنود ببعض الإطارات النقابية والحقوقية والسياسية التي أعلنت عبر بيان مشترك انخراطها في الحراك الشعبي وتبني المطالب التي بلورها الحراك، مع الانخراط العملي وذالك عبر الدعوة للإضراب العام ليوم الجمعة 29 دجنبر.

وانطلق حراك جرادة كغيره بعد حادث مصرع الشابين بأحد آبار استخراج الفحم بشكل عشوائي، واستغرقت محاولات إخراج الجثتين لأكثر من 36 ساعة، خاطر متطوعون بحياتهم لانتشال الجثتين، وأمام أنظار عناصر الوقاية المدنية التي عجزت على النزول لعمق البئر، وفور إخراج الجثتين انطلقت مسيرة حاشدة في اتجاه العمالة بعدما كان الغضب سرى في كل ساكنة المدينة بكل أعمارها وشرائحها، لكن قبل ذلك لم تكن المدينة تعيش سكونا نضاليا، بل كانت المدينة تعيش جو الاحتقان والغضب، والتذمر من ارتفاع فواتير الماء والكهرباء وانعدام فرص الشغل.

وكان لخبر محاولة دفن الجثتين تحت جنح الظلام رد فعل عكسي لما رمت له السلطات، فهرعت الساكنة شبابا وشيبا لساحة قرب مستودع الأموات، وأيضا على مقربة من المقبرة ورغم محاولة الأمن تفريق الملتحقين بالساحة، إلا أن الحشد كان قد تحول لاعتصام يحول دون اي محاولة للدفن تحرم العائلة ومعها ساكنة جرادة من تنظيم مراسيم دفن تليق بشهيدي “الساندريات”، والذي أصبحا رمزا يكثف واقع الحكرة والتهميش والإقصاء الذي عاشته المدينة ومازال منذ إغلاق مناجم الفحم رسميا منذ سنة 1998، وتملص الدولة من تنفيذ الاتفاقية الاجتماعية والاقتصادية التي تلت إغلاق شركة المفاحم بشكل متسرع.

ساهم المعتصم أمام مستودع الموات بالمدينة من وضع أسس حراك اجتماعي عام، فتمت الدعوة لإضراب عام يوم الإثنين 25 دجنبر، هذا الإضراب العام شل نشاط المدينة وعرف استجابة غير مسبوقة، ومنح الثقة للمحتجين للمضي في بلورة ملف مطلبي متكامل، يعكس تطلعات الساكنة بمختلف فئاتها، حتى بعد قبول العائلة تسلم الجثتين للدفن. كما ظهر بشكل لافت خلال كل الأشكال الاحتجاجية الإرث العمالي على مستوى التنظيم والصمود في وجه قوات الأمن الإرث العمالي النقابي، انضافت اليه تجارب وخبرات نضالية لها حضورها اللافت من قبيل (جمعية المعطلين، مناضلي الحركة الطلابية..)، وهي بصمة بارزة في تفاصيل حراك جرادة المتدفق على عكس حراك الريف الذي برز خلاله نشطاء جدد في القيادة، وتوارى الحضور القيادي والفاعل لهذه المدارس النضالية.

ويبدو أن مشعل حراك الريف حاضر ومستلهم بشكل كبير سواء بترديد بعض شعاراته وإعلان القسم، وحتى التذكير بمعتقلي الحراك ورموزه..، لكن في نفس الآن يحاول النشطاء استلهام بعض دروسه  وتجاوز أخطائه، فعمل المحتجون من دون اي تردد أو تماطل المرور مباشرة للملف المطلبي لساكنة جرادة مباشرة بعد مراسيم الدفن، مع فرز لجنة الحراك المستوعبة لكل فئات الساكنة والمصادقة على كل ما اتفق عليه بشكل جماهيري بالساحة المقابلة لبلدية جرادة. وجاء الملف المطلبي في عنوانه العام حسب احد النشطاء” توفير بديل اقتصادي اجتماعي للمدينة، يرجع بالفضل على كافة الساكنة، وتبقى على رأسه ملف ارامل العمال الذين اشتغلوا بمفاحم جرادة”، هذه المطالب طبعا يقول الناشط بالحراك لن تسقط الحق في محاسبة كل المتورطين في التلاعب واستغلال بؤس المدينة، سواء ما تعلق منها بتدبير المدينة، أو طريقة استغلال الفحم الحجري من قبل المنتخبين الذين هم في الأصل اباطرة الشاربون المسيطرين على تجارته، واغتنوا بفضله على حساب بؤس ومعاناة مستخرجيه.

من جهتها الدولة تراقب وفقط هذا الحراك الذي يسير على خطى حراك الريف، وباستثناء رئيس الجهة الذي نزل للمعتصم وتعهد بحوار وزاري بالمدينة مع نشطاء الحراك في إطار تسوية دفن الضحيتين، بينما أعلن رئيس الحكومة استقباله لبرلمانيي ومنتخبي المنطقة لمناقشة الوضع، كما تم الحديث عن حلول لجنة لم تجري اي اتصال مع لجنة الحراك المنبثقة جماهيريا. لجنة الحراك المسنودة بساكنة جرادة تتحفظ على أغلبية هؤلاء المنتخبين الذين يعتبرونهم جزءا من المشكلة ورفعت شعارات مطالبة بمحاسبتهم بدل تفويضهم للحوار على مطالب الساكنة، ليبقى حراك جرادة مفتوحا على تطورات ومنعطفات المستقبل على غيرة من الحراكات السابقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.