قميصُ سُميّة وقميصُ كريستين

ما زالت قصة حب الوزيرين في حكومة بنكيران، سُميّة بنخلدون والحبيب الشوباني، تثير الكثير من النقع والضجيج، نقع وضجيج يكادان يغطّيان الفضاء بما يجعلنا لا نرى ولا نسمع غير هذه القصة.

وبإزاء القصة احتّد النقاش بين فريقين: من يقول أن هذه الامور شخصية ولا تهمّنا نحن، ولسنا في حاجة إلى النفخ فيها بما يُفضي إلى انتهاك خصوصية الحياة الشخصية للوزيرين، وأنه علينا أن نركّز على أدائهما الحكومي فهو المعيار وعليه يجب أن يُحاسبا. وفريق اخر يرى العكس، ويعتقد أن القصة خرجت عن كونها قصة خصوصية تهمّ شخصين، إلى كونها قصة ذات وشائج مرتبطة بما هو قانوني واجتماعي وسياسي، فإقدام وزير على التعدد-حسب هؤلاء- في ظل مساعي حثيثة تُبذل من أجل تحجيم التعدّد، يُعطي صورة تشوّه المجهودات التي تُقدم عليها الدولة بقيادة الملك الشاب (لا أدري هل ما زال ملكا شابا بعد 16 سنة من الحكم) ومن ورائه الخط الحداثي.

وارتفع هذا الاختلاف بين الفريقين إلى درجة محاولة تقديم مرافعة قانونية ومهنية عن صواب وجهة نظر كلّ فريق، فثمة من خصّصَ افتتاحيات ومقالات من أجل الذَّوْد عن هذا الموقف أو ذاك.

لدى السياسيين، خاصة سياسي “معارضة صاحب الجلالة” كانت القصة هبة السماء بالنسبة إليهم، هبة أتتهم من حيث لا ينتظرون، فتلقّفوها بكثير من الفرح الطفولي، وراحوا يلهون بها ويقذفونها من فوق منصات الخطابة، ويحرسون على أن يظيفوا إليها الكثير من البهارات لكي تصبح وجبة لذيذة تتلقّفها الجموع بنَهَمٍ.

أن يذهب هؤلاء السياسيون هذا المذهب في التعامل مع القصة، هو أمر مفهوم ومنتظر، خاصة في ظلّ معارضة تمارس كل شيء؛ من “الستريبتيز البرلماني” إلى الصلاة في القدس، لكنها لا تمارس معارضة الحكم ولا الحكومة، فأمام مُعارَضة غير مُعارِضة، يبقى  من تحصيل الحاصل أن تتلهى بسفاسف القضايا، وأن تبحث عن دلائل الادانة بين ثيّاب وزراء الحكومة.

أما بالنسبة إلى إخوة (الاخوة السياسيين لا البيولوجيين) الوزيرين الحبيبين فما كان لهم غير الاعتصام بحبل الحديث النبوي “انصر اخاك ظالماً أومظلوماً” دون التعلّق بما ورد في الحديث من قول الرسول حول تفسيره لمعنى نصرة الأخ وهو ظالم، وهكذا قال الفقيه المقاصدي الريسوني أن حب الوزيرين هو حب على سنة الله ورسوله، وحذا فقيه “التبرير” محمد يتيم حذو شيخ المقاصد لنصرة الاخوين العاشقين، بينما انبرى شيخ “سلفية الغولف” محمد الفيزازي دفاعاً عن نفسه وعن الوزير، إلى التحذير أن “من قال إن تعدد الزوجات إهانة للمرأة فهو يسب الله سبا، ويطعن أيضا في الدين.. و كل الذين يعتبرون أن تعدد الزوجات إهانة للمرأة خارجون عن الإجماع وعن الدين، هؤلاء يضربون حتى في الدولة المغربية وليس فقط في الدين، لأنها خصصت أربع ورقات في الحالة المدنية للزوجات..”

بالنسبة إليّ، ما قام به سياسيو “معاضة صاحب الجلالة” بخصوص قصة الوزيرين وكيف وظفوها في صراعهم النّهِم من أجل ازاحة عائلة الوزيرن السياسية ليحلوا محلها في اطار صراع الكراسي، هو أمر مألوف ومنتظر، فإذا لم يحسنوا توظيف هذه القصة فليس بيدهم أكثر من أمثالها لتوجيه ضربات تحت الحزام وفوقه لغريمهم الذي اتهموه باللمز والغمز غير البريئين في قصة: مَنِ الأكبر حزبه أم حزبها؟ كذلك الشأن بالنسبة لحكومة “الملك والبنك الدولي”، ليس لها إلا أن تبارك حب الوزيرين وأن تعضّ بالنواجد على فكرة طهرانية الإخوة، وتُدافع عنها بكل ما أوتيت من قوة، لأن في الامر موقف سياسي يعضد فكرة حكومة “البركة” التي يمنّ الله عليها بالخيرات جزاءً لوزرائها المؤمنين، وجزاءً لهذا الشعب الذي اختارهم وأحسن الاختيار، لذلك تدخّل فقيه المقاصد ليعطي للقصة شرعيتها الدينية من خلال الاقرار أنها كانت على سنة الله ورسوله، ولذلك، أيضا، واصل فقيهُ “التبرير” الدّفاعَ عن حياّض شرف الاخوة، كما سبق أن فعل مع الابن الممارس للقمار “الحلال”.

إلى هنا القصة عادية وروتينية، ولقد اعتدنا أن يكون نقاش أهل السياسة وضيوف صالونات النميمة والصحافة التي تتبعهم وتهيم على دراهمهم… هو نقاش يدور حول “ديالي كبير على ديالك” و”ضريب الغرزة” ” ومريض بالمؤخرة” ” و”ترمة بنكيران لي حلف ما اعاود احطها فالبرلمان” وهلمّ جرا من “القضايا الكبرى والمصيرية”…

بيد أن اللافت للانتباه حتى بعض “المحللين الكبار” و”المحللين دون فهم” والحقوقيين دخلوا على خطّ قصة حب الوزيرين، وراح من راح منهم يحلل القصة بوصفها ظاهرة تحتاج إلى عُدّة علمية لفهمها، عدّة قانونية وسوسيولوجية وسيكولوجية وانتروبولوجية ..إلى اخر كلّ ما انتهى ب “لوجية” من علم، فيما قام أحد المحامين في ثوب الحقوقي بتمطيط خيط قصة حب الوزيرين ليعلن أنها فيها اهانة للملك؟؟

وكم هي بشعة هذه العادة التي صارت تزحف على الجلّ، أقصد عادة الاحتماء بالملك من طرف السياسي أو الحقوقي أو الصحافي أو الرياضي او الفنان أو… من أجل توجيه السهام الى الخصوم، أو من أجل تبرير الاستفادة من ريع ما، أو من أجل غرض في أنفسهم … والظاهر أن هذه العادة تجعلنا ندرك أن ليس ثمة “معارضة صاحب الجلالة” فقط، بل ثمة من يشتغل خارج الاطار السياسي لهذه المعارضة لكنه يشكل لفيفاً يعضد جهود “معارضة صاحب الجلالة” ويكمل أدوارها، لذلك ليس غريبا أن يرى شيخ “سلفية الغولف” أن القول بأن في التعدد اهانة للمرأة هو قول فيه اساءة الى الله واساءة إلى الدولة المغربية، بينما رأى المحامي الحقوقي أن تعدد الوزير فيه اهانة للملك؟؟

إن قصة حب الوزيرين هو ذاك القميص الذي فضح قدراً غير يسير من طبيعة بعض حالات ادعاء المعارضة أو الحداثة أو الدفاع عن الحريات الفردية والنضال من أجل دولة المؤسسات، فلم يبق لبعض الحداثيين إلاّ أن يطالبوا بحقهم في معرفة هل قُدّ قميصها من دُبر أو من قُبُلٍ لكي يهنأ ضميرهم المدافع عن قيم التنوير والتحرر واحترام المرأة؟؟ كما كشفت القصة، وكيف تمّ التعامل معها، مدى الانحطاط الذي بلغته  “الطبقة السياسية” و لَواحِقُها اللاَّعقة من قِدْرها، في هذا الوطن المثخن بندوب سيّاط  الفساد والاستبداد السياسيين.

في انتظار أن تخلص الحدوثة، وينتهي ضجيج قصة حب الوزيرين، فإن قصة “الحب الحقيقي” التي يغفلها الجميع، هي قصة حبّ بنكيران لكريستين لاغارد كبيرة صندوق النقد الدولي، يبدو أنها تعيش أزهى أيامها، فالرجل يحب هذه المرأة الودود المعطاء، وهي كذلك لم تتمالك نفسها أمام “معجزة بنكيران” وسقطت في حبّه إلى درجة أن بنكيران نفسه تباهى بما تكنّه له كرستين، كما احتفى كاتب افتتاحيات حكومة بنكيران في جريدته بهذا الحب، وأخبرنا كيف انبهرت السيدة لاغارد من قدرة بنكيران على ممارسة سياسة التقشف دون أن يرفّ له جفن، ودون أن يلقى معارضة شعبية لذلك، بل إن شعبيته تزداد طردا كلّما أقدم على سنّ سياسة لاشعبية، يضيف كاتب افتتاحيات الحكومة.

للأسف لا أحد تحدّث عن قصة “الحب الحقيقي” باسهاب وتحليل، ولا أحد همّ ليعرف هل قدّ القميص من دُبر أو من قُبل، ولا أحد استنجد بعدته العلمية لتشريح حالة الحب هاته، ولا أحد بحث في مدى قانونيتها…إنه حب مقدّس بكل بساطة…وشتّان بين هذا الحب وذاك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.