قفازات السلطة ..خدود بنكيران ومشرط منجب

محمد المساوي

اثار التصريح الذي أدلى به الاستاذ المعطي منجب لموقع اليوم 24 العديد من ردود الأفعال، ردود تنتقد الرجل وتتهجم عليه كما فعل الوزير الرباح، وكما فعلت المجموعة المتحلقة حول موقع بديل (حاجي، الهيني..)، وردود افعال تدافع عن موقفه، بعضها استوعب ما قصده الرجل، وبعضهم استغل ما قاله في حواره ليوظفه كمسوغ لتبرير مسلك “المؤلفة قلوبهم” الذين يسيرون وراء “شجاعة بنكيران” (كذا).

في الحقيقة مجمل الاراء التي هاجمت توصيف منجب، بنت هجومها على التسرع والابتسار، وربما أغلبها اكتفى بقراءة عنوان الحوار دون قراءة محتواه، وتتبع الافكار التي تضمنها، مجموعة “بديل” شنعت على منجب أن يصف بنكيران بأنه “كبرياء الشعب” فقط لأنها رأت في ذلك تزكية لعزل القاضي الهيني، وتزكية للمتابعات في حق مدير الموقع دون ان تفهم السياق الذي قيلت فيه؟؟؟ لذلك يصعب ان تناقش هؤلاء، فكل اناء بما فيه ينضح..

بينما انبرى الرباح للتهجم على منجب لأنه تحدث عن حقيقة ساطعة يعرفها الكل، ولأن الرباح معروف بحسه الامني وبل البوليسي حتى داخل حزب العدالة والتنمية نفسه، هكذا يقول عنه العديد من اخوانه حتى، وسمعتها أكثر من مرة من بعضهم، لذلك لم ينتبه الى وصف “كبرياء الشعب”، بل هاله وصف الهمة بقفاز السلطة، فدبّج تدوينته ليحذّر مما اعتبره تنظيرا للفتنة؟ وخلص الى أنه ” لا يعقل أن يتصور أن يواجه قفاز الدولة كبرياء الشعب بل هما معا من أجل الوطن وعزته”، يعني أن الرباح يقول بكلام واضح أن الهمة وبنكيران هما يدٌ واحدة من أجل الوطن وعزّته. بينما اعتبر خالد الرحموني عضو الامانة العامة لحزب العدالة والتنمية أن تدوينة الرباح “غير موفقة بالمرة وغير مدققة وغير منصفة لكلام الرجل” وأضاف الرحموني في تدوينة فايسبوكية ردا على زميله الرباح:”لقد اصاب د.منجب عين الحقيقة في الوصف والتعيين والتحليل والتفسير اجمالا..بعيدا عن شخصنة المشهد واختزاله..” ليختتم تدوينته بجملة دالة ومعبرة:”كل قلوش يبقى في بلاصتو..”

إن الجملة التي ختم بها الرحموني تدوينته تعكس المناخ السياسي داخل حزب العدالة والتنمية، ثمة توجه استحلى السلطة ومستعد أن يذهب الى ابعد مدى للتماهي معها، وثمة توجه يبدو انه مبعد عن دائرة القرار الحزبي يرى ضرورة اخذ مسافة معينة من رجالات المخزن ومحيط الملك، صحيح هم لا يدفعون الى الصراع مع هؤلاء، لكنهم بدفعون باتجاه وضع مسافة وعدم التماهي معهم، بينما الاتجاه الاخر، وهو الذي يبدو يسيطر على القرار الحزبي، لا مشكل له ان يتماهى مع محيط الملك في أفق ان يصبح العديد منهم ارقاما مضافة الى هذا المحيط و”تريكة” المدرسة المولوية.

لنعد الى توصيف منجب ونتأمله بقليل من الدقة وبعيدا عن “التقلاز” سواء جهة اليمين او جهة الشمال، منجب قال في حواره بالحرف:”.. بنكيران يمثل أقوى اتجاه معارض داخل النسق السياسي الشرعي. هناك إثارة لأن هناك فرجة وحلبة صراع. السيد فؤاد الهمة في نظر الرأي العام هو قفاز الملاكمة الذي تلبسه ذراع السلطة أما السيد بنكيران فيمثل- في نفس المخيال العام- الكبرياء الشعبي وشطارة المستضعف، ولكنه القادر على توجيه لكمات مؤِلمة يصفق لها الجمهور.”، في هذا التوصيف ثمة تحديد مهم جدا اذا ما تناسيناه فإن كل ما سيأتي من بعد لن تكون له قيمة تُذكر، وسيكون مجرد تجديف لا غير، منجب هنا كان يتحدث عما أسماه “النسق السياسي الشرعي” ولم يكن حديثه يشمل كل القوى السياسية في هذا الوطن، كما حاول ان يفهم من ذلك بعض المؤلفة قلوبهم من المدافعين عن “نضالية ” بنكيران،  بل كان يتحدث عن القوى السياسية المنخرطة في العمل السياسي المؤطر بموقف التصويت بنعم على الدستور، وبموقف معاداة حركة 20 فبراير واعتبارها مجرد تقليد لموضة العصر وأن بلادنا ليست في حاجة الى التغيير عبر الشارع، وهو ما سماه ب”النسق السياسي الشرعي”.

باستحضار هذا التحديد يكون منجب دقيقا في توصيفه ومحقا فيما قاله، ففعلا، يبدو بنكيران اقوى اتجاه معارض داخل النسق السياسي الشرعي، معناه بلغة اكثر وضوحاً، يبدو بنكيران اقوى معارضة للتسلط والتحكم من لشكر ومن شباط ومن الياس العماري، وهذه حقيقة لا يزايد عليها احد، صحيح بنكيران ليس معارضا إذا وضعناه في ميزان القوى السياسية للوطن بصفة عامة، اي باستحضار القوى التي رفضت العملية السياسية المدجنة بدستور 1 يوليوز الممنوح، لكن باستحضار القوى التي تلعب في ملعب السلطة فهو اكثرها معارضة، ولعل الملاحظة التي يمكن الانتباه اليها والتي تزكي هذا التوصيف هو أن بنكيران يترأس الحكومة بدون معارضة، فمعارضة لشكر وشباط والياس هي مجرد شقلبات وتنويعات تروم وضع العصا في العجلة اكثر مما تروم فعلا الدفاع عن مقترحات بديلة، وما التصويت على القانون الذي يجيز تشغيل القاصرات في الاعمال المنزلية إلا خير دليل على ما نقول.

تحديد اخر مهم سقط من ردود العديد ممن انبرى للتهجم على منجب، هو أن الرجل تحدث عن صورة الهمة وبنكيران في المخيال الشعبي، في الاولى استعمل كلمة “الرأي العام” وفي الثانية استعمل “المخيال العام”، بما يفيد أن الحديث عن قفاز السلطة وكبرياء الشعب ليس هو ما يقوله التحليل التاريخي السياسي، بل الصورة التي تنعكس في اذهان الناس هي من تقول ذلك، وهذا صحيح الى أبعد الحدود، فبنكيران بالنسبة للعديد من المواطنين ،خاصة الذين يشاركون في العملية الانتخابية (حتى لا نقول السياسية)، هو الزعيم ورئيس الحكومة الذي يدغدغ عواطفهم، وهذا ما اكدته انتخابات 4 شتنبر الماضية، وما أكدته التجمعات الانتخابية التي نشطها بنكيران في عدة مدن وقرى مغربية، كما تؤكده أيضا استطلاعات الرأي حول نتائج الانتخابات التشريعية القادمة وستؤكده الانتخابات المقبلة.

صحيح، بنكيران أجرم في حق الشعب المغربي من خلال المخططات التصفوية التي نزّلها بمبرر “وهم الاصلاح”، وهي في الحقيقة توصيات مفروضة من صندوق النقد الدولي الذي استغل شعبية بنكيران لتمرير كل المخططات الجهنمية التي كان يتلكّأ في تنزيلها خوفا من هبة شعبية، كل هذا صحيح، لكن ايضا لا يمكن ان ننكر أن حزب العدالة والتنمية يعدّ أقوى حزب داخل شلة أحزاب صاحب الجلالة المنضوية تحت عنوان “النسق السياسي الشرعي”.

من جهة أخرى عندما تحدث منجب عن أن حزب العدالة والتنمية مستقل عن السلطة، في تقديرنا لم يكن يقصد مستقل عن النظام السياسي المتحكم في البلد، بل يقصد أن الحزب يتوفر على حد أدنى من الاستقلالية الحزبية تجاه السلطة،  وهو الامر الذي لا يمكن لعاقل ان يجادل فيه، السلطة لا تتحكم في حزب العدالة والتنمية كما تتحكم في حزب الاتحاد الاشتراكي في عهد لشكر والاستقلال في عهد شباط، اما حزب الاصالة والمعاصرة فهو ابن السلطة، صحيح إن طريقة انتخاب بنكيران امينا عاما للحزب سنة 2008 يلفها الكثير من الغموض، لكن لا يصل الى درجة مسرحية صعود لشكر لقيادة الحزب او شباط.

بالمختصر المفيد، حزب العدالة والتنمية ليس حزبا معارضا للنظام السياسي المتحكم في البلد، هو في احسن الاحوال اداة من ادواته، لكنها اداة تحوز حدا ادنى من الاستقلالية عن السلطة، وهو ما يجعله يدخل في عداء وصراع، خفي احيانا وظاهر احيانا، مع الماسكين بزمام السلطة في هذا النظام، بنكيران يصارع الهمة ليكون هو الخادم الامين لهذا النظام، لأن الهمة وصحبه هم بالنسبة إليه من “بطانة السوء” التي تحيط بالملك، لذلك فبنكيران يعارض بطانة السوء ولا يعارض النظام نفسه، وهنا تكمن خطورة هذا الحزب، لانه قادر على أن يبدو للناس البسطاء والسذج في السياسة انه حزب معارض، في حين انه لا يعارض إلاّ قلالش النظام الذين يأتون ويذهبون، بينما يستمر النظام في ممارسة استبداده وتسلّطه مهما اختلفت الادوات و” القلالش”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.