قطع الأرزاق من قطع الأعناق: لا لطرد الأساتذة المضربين

إن أمكر طريقة للإلتفاف على ما هو حق وعادل هو القول عنه بأنه كذلك ثم اتهام المُطالب به بالتحريض للإنتقام منه. ويبدو أن هذا التعامل الإزدواجي هو لازمة من متلازمات الدولة المغربية وحكومات تصريف أعمالها. لمسنا هذه المتلازمة في التعامل الرسمي مع حراك الريف الذي اعتبر مطالبه معقولة مشروعة فيما اتهم النشطاء بالإنفصال والتآمر والفوضى، ونلمسه أيضا في طريقة التعامل مع حراك الأساتذة الذين فرص عليهم التعاقد. فبعد أن اضطروا للدخول في اضراب ماراطوني عن العمل بسبب ملحاحية مطالبهم وتعنت الحكومة، خرجت هذه الأخيرة، من خلال بيان أحزاب الأغلبية الحكومية” الأخير، ومن خلال الندوة الصحفية التي نظمها وزير التعليم والناطق الرسمي باسم الحكومة، لتتهم المضروبين وأعضاء تنسيقيتهم بالتحريض وأعلنت طردهم من العمل، وفِي المقابل التلميح إلى مشروعية مطالبهم وادعاء الإستجابة لها عبر ما سمي بتعديل قانون موظفي الأكاديميات الجهوية. وهو قانون تدعي الحكومة بانه خيار استراتيجي، مع أنه نزل بطريقية استعجالية وتم تمريره على مستوى الجهات بسرعة قياسية. فهل هكذا يتم إقرار الخيارات الإستراتيجية؟ وعلى افتراض أنه فعلا خيار استراتيجي فهل كانت الحكومة ستقدم على إخراجه إلى الوجود وتفعليه لو لم يضرب الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، علما أن الحكومة صرحت في بداية الإضراب بأن التوظيف بالتعاقد هو خيار استراتيجي، قبل ان تغير شعارها دون أن تعير منطقه ولا منطق اشتغلاها؟
وإذا كان الأمر كذلك، إذا كان التوظيف الجهوي خيارا استراتيجيا بالنسبة للحكومة، فلماذا الإنتقام بالطرد من الذين قادوا معركة الإضراب التي جعلتها تكتشف بأن ذلك التوظيف الجهوي هو خيار استراتيجي؟ ثم لماذا هذا الإصرار على التشبث بالمؤسسات كلما كشف الشارع الذي هو سيد المؤسسات وصاحب الكلمة الفصل فيها قصور وعجز تلك المؤسسات عن مأسسة حقوقه؟
وماذا يتبقى من المؤسسات حين توضع في مواجهة من يفترض الدفاع عنهم وحماية حقوقهم؟ ولماذا تخاف الحكومة من الحوار مع التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، وهي هي التي قادت وأطرت الإضرابات وتتحدث باسم الأساتذة المضربين؟ ففيما يجدي تغني الحكومة بالحوار والدعوة إليه وهي ترفض الحوار مع ممثلي الأساتذة كما رفضت الحوار مع نشطاء حراك الزيف؟ وهل يعكس هذا التعامل حرص الحكومة على مصلحة التلميذ؟ هل طرد اساتذة مضربين هو الذي يضمن تلك المصلحة؟ هل مصلحة التلميذ تضمنها تصريحات الحكومة وتصرفاتها التهديدية؟ هل تعويض الأساتذة المضربين بمن كانوا في لائحة الإنتظار وبغيرهم وبدون أي تكوين وفِي آخر السنة الدراسية يخدم مصلحة التلميذ؟ وقبل هذا وذاك هل تعنت الحكومة مع مطالب الأساتذة قبل الإضراب وفِي بدايته هو من صميم حرص الحكومة على مصلحة التلميذ؟
إن إصرار الحكومة على تشهير ورقة الطرد في وجه الأساتذة وإعلان وزير التعليم طرد أعضاء التنسيقية يؤكد مصداقية تخوف الأساتذة من التوظيف بالتعاقد ويزكي مطالبتهم بالإدماج في نظام الوظيفة العمومية. فالحكومة التي تهدد بطرد الآلاف من الأساتذة المتعاقدين المضربين لن تتردد عن طردهم لأتفه الأسباب حين تستتب لها الأوضاع. ومن مفارقات ارتباك الحكومة هو تطبيق قانون الوظيفة العمومية لطرد أساتذة يضربون مند شهر من أجل إدماجهم في نطام الوظيفة العمومية ذاتها، فهل هناك من عبث أعبث من هذا؟
وبشأن الجهوية المتقادمة وليس المتقدمة والتي تذكرتها الحكومة، أخيرا، على إثر صدمة الإضراب، لا تتحدث الحكومة إلا عن التوظيف الجهوي، أما ما يهم إعادة النظر في التقسيم الجهوي وفِي تمكين الجهة بنسبة كافية من مواردها الإقتصادية، ما يهم الإستقلالية المالية والإدارية للجهات، وما يهم مشاركتها في وضع استراتيجية السياسة التعليمية وباقي السياسات العمومية، فلا حديث عنه.
وهل نسيت الحكومة بأنه، منذ ما يناهز سنتين، خرج قادة أحزاب أغلبيتها ببلاغ غير مسؤول اتهم بالخيانة نشطاء حراك الريف الذين طالبوا بمطالب اقتصادية واجتماعية وثقافية ذات طابع جهوي محلي؟ فبإي منطق تفكر هذه الحكومة التي متى طالبها المواطنون بمطالب جهوية محلية اتهمتهم بالإنفصال والتآمر ومتى طالبها الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد بالإدماج في نظام الوظيفة العمومية تتهمهم بالتحريض وعرقلة الجهوية المتقدمة؟
إن هذا المنطق التبريري المتناقض يُفقد خطاب الحكومة المصداقية ويفصح عن خلل بنيوي فيها، وهي التي لا يلتئم قادة الأحزاب المشكلة لها إلا لمواجهة حراك من الحراكات الإحتجاجية أو لتمرير مخطط من مخططاتها اللاشعبية، وفيما عدا ذلك تعود تلك الأحزاب للتطاحن فيما بينها على المواقع والمصالح والإمتيازات و”الإستحقاقات القادمة”.
إن حكومة تهدد المضربين بالطرد هي حكومة متعالية تحتقر المواطنين وخاصة منهم المدافعين عن حقوقهم، وهي تتصرف بشكل لاديموقراطي يجعلها تجازف بقطع الأرزاق الذي هو من قطع الأعناق. فهل بهذا السلوك تتفاعل الحكومة مع من يفترض أنها تمثلهم وتخدم مصالحهم؟
وأصلا من يحق له أن يطرد من؟ هل هناك حكومة تحترم نفسها، في العالم، وتدعي الحرص على مصلحة التلاميذ والوطن تغامر بطرد الأساتذة المضربين؟
إذا نفذت الحكومة وعيدها وتجرأت على طرد الأساتذة المضربين ونجحت في ذلك، فانتظروا اليوم الذي ستقوم فيه بطرد الشعب برمته لتبقى هي منسجمة مع أغلبيتها وحريصة على خياراتها الإستراتيجية.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.