قضية اغتيال جمال خاشقجي من منظور حراك الريف

كشفت عملية الإعتيال الشنيعة لجمال خاشقجي مدى همجية الأنظمة المتحكمة في شعوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. إن الفريق الضخم الذي نفذ الجريمة، الدعم اللوجيستيكي السخي الذي سُخر له، التنكيل بجثة الضحية ثم إخفائها، الصمت السعودي المريب حيال الجريمة، في البداية، ثم تهافت وتناقض التصريحات الرسمية، الإدعاء: أولا، أن خاشقجي غادر السفارة،، ثانيا، أن خاشقجي مات داخل السفارة نتيجة عراك بينه وبين العصابة، ثم الإقرار، ثالثا، بأن الجريمة تم التخطيط لها والتنسيق لتنفيذها، دون الكشف عن المسؤول الذي أمر بارتكابها وكل تفاصيلها. هذا إلى جانب التسريبات المخابراتية والصحفية التركية والعالمية لتفاصيل الجريمة؛ كل هذا شكل صدمة للرأي العام العالمي وللضمير الإنساني.
إن هذه الجريمة ليست إلا واحدة من جرائم النظام السعودي، الذي وظف إيرادات النفط الخيالية للمساهمة في تدمير شعوب المنطقة: العراق، اليمن، وسوريا، ليبيا… كما وظفها لنشر الإسلام المتخلف والمتطرف المتعارض مع العصر، في مقابل محاربة التنوير والديموقراطية في مختلف مناطق العالم. هذا التظامً التي تسبب في مآسي إنسانية خلال القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، قبل أن يغتال جمال خاشقجي فقد اغتال العقل في بلده وفِي أكثر من بلد، كما أعدم معارضيه بالداخل واعتقل المئات منهم. ويبدو أن هذا النظام قد استرخس قتل الناس وتصفية معارضيه والإجهاز على حقوق الإنسان، خاصة حقوق المرأة والأقليات والعمالة الأجنبية والحجاج. وقد شجعه على ذلك دعم الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية له في ظل ما كان يسمى بمواجهة الخطر الأحمر كما فِي ظل ما يسمى حاليا بالحرب على الإرهاب.
وقد كان لافتا رفض حراك الريف منذ انطلاقه للإسلام الوهابي/ الإرهابي ولمخططات جعل الريف مطرحا للسياحة الجنسية الخليجية، في موازاة اعادته الإعتبار للإسلام المعتدل والشعبي المشبع بقيم التسامح والتعايش والحرية والعدل، إسلام عبد الكريم الخطابي. وكان ناصر الزفزافي لا يفوت أدنى فرصة لنقد إسلام الأنظمة الخليجية التي استعادت النسخة المخيفة من الإسلام الأموي: إسلام التكفير والظلم والإرهاب، ولفضح فقهاء السلاطين الذين همهم الوحيد هو تبرير جرائم تلك الأنظمة في حق شعوبها والعالم. وربما هذا ما يساعد على فهم لماذا قررت الدولة المغربية تدشين حملتها القمعية على حراك الريف باستغلال حدث خطبة الفتنة ليوم الجمعة 26 ماي 2017.
إن جريمة قتل خاشقجي في بشاعتها تعيد فتح ملفات كل الجرائم المقترفة في حق شعوب المنطقة، ذلك إن ما يوحد هذه الشعوب، دون سواه، هو خضوعها لأنظمة قمعية قروسطية، تستنزف خيراتها وتعرقل تطورها باسم الدين والتقاليد والخصوصية وغيرها من الترهات، مع أن ما يشجع تلك الأنظمة على التمادي في القمع والفساد هو سكوت الأنظمة الغربية على جرائمها وابتزازها بها لمواصلة استنزاف خزائنها في شراء الذمم والأسلحة.
وإذا ما كان حظ النظام السعودي سيئا مع اغتيال حمال خاشقجي من حيث إنها استهدفت صحافيا مشهورا استقر بأمريكا ويكتب في إحدى أهم صحفها ” الواشنطن بوست”، وبسبب اختيار تركيا مسرحا للجريمة والبشاعة البليدة التي نفذت بها، وبسبب الرهان على رئيس أمريكي لا يرى في الأنظمة الخليجية وخاصة السعودية غير أرصدتها ونفطها، ضانة أن ذلك سيجعل الجريمة تمر في صمت. لكن الجريمة منذ تسريب أولى الأخبار عنها هزت الرأي العام العالمي وجعلت أنظمة القتل وحلفائها في مواجهة مباشرة مع الضمير الإنساني وسلطة الإعلام والمؤسسات والأصوات المدافعة عن حقوق الإنسان عالميا. ولأن الجريمة كانت في غاية البشاعة والفضاعة فإن تبريرها يبدو مستحيلا كما أن مساعي تحريف التحقيق فيها تبدو شاقة ومستعصية، في ظل تجاذب التحقيق فيها بين دولتين (تركيا والسعودية) وارتفاع نداءات تطالب بفتح تحقيق دولي فيها..
والجدير بالتذكير أن حراك الريف قد فجرته مأساوية جريمة طحن شهيد لقمة العيش محسن فكري، وحين صاغ هذا الحراك ملفه المطلبي فإن أول ما طالب به فيه هو الكشف عن الحقيقة في ملفات جرائم سياسية ظلت عالقة، من طحن الشهيد محسن فكري واغتيال كريم لشقر وكمال حساني وحرق شهداء 20 فبراير الخمسة بإحدى وكالات البنك الشعبي بالحسيمة، إلى ضحايا انتفاضات 1984 وانتفاضة 1958 وما بين هذه وتلك من جرائم الاغتيال والإختطاف والتعذيب والسجن والنفي. وما يثير الأسى وكل مشاعر السخط هو أن الدولة عِوَض أن تتفاعل بمسؤولية مع تلك المطالب والإحتجاجات السلمية، عمدت إلى ارتكاب جرائم جديدة تنضاف إلى سابقاتها: شن حملة قمعية شرسة على الريف في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان والقانون الوطني والدولي، فعنفت المحتجين والمحتجات السلميين بشكل رهيب أفضى إلى سقوط شهداء جدد: عماد العتابي وعبد الرحيم أحداد…اختطفت واعتقلت تعسفيا المئات، وأصدرت أحكاما صورية انتقامية في حق نشطاء الحراك تجاوزت في مجموعها الألف سنة سجنا نافذا… مستغلة في ذلك الأوضاع العالمية التي يطبعها صعود أحزاب اليمين وتنامي الحركات الأصولية غير المكترثة بحقوق الإنسان.
إلا أن همجية جريمة قتل جمال خاشقجي التي فاقت كل البشاعات تضع ضمير العالم على المحك، وتسائل الدول الغربية التي ساهمت في تدمير دول ومجتمعات بمبرر الدفاع عن حقوق الإنسان وحمايتها. فإذا ما كانت ازدواجية المعايير هي إحدى أمراض عصرنا فإن هذه الإزدواجية قد بلغت حدا ما عاد بالإمكان الإستمرار في تبريرها؛ لأن غض الطرف عن الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والرهان على الإنظمة المستبدة لتحقيق التنمية والديموقراطية ومواجهة التطرف والإرهاب هو رهان خاسر ولا يؤدي إلا إلى الخراب. وما جريمة اغتيال خاشقجي والإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالريف وعموم المغرب إلا أمثلة على ذلك.
وبالتالي فإن المطالبة بالكشف عن حقيقة مقتل جمال خاشقجي يجب أن يواكبها الضغط على الأنظمة الإستبدادية للكف عن انتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان، وفي المقدمة ما يتعرض له الريف. مادام أن القاسم المشترك بين هذه الأنظمة هو إحتقارها لشعوبها واعتقادها أن انبطاحها للغرب وإذعانها لمؤسساته المالية والسياسية كفيل بجعله يغض الطرف عن خرقها لحقوق الإنسان. فأمام الطفرة التكنولوجية والمعلوماتية وتنامي الوعي بحقوق الإنسان وتمادي الأنظمة المتخلفة في انتهاك تلك الحقوق بعدوانية مرضية يجد المجتمع الدولي نفسه عاجزا عن الصمت وعن غض الطرق عما يحدث ب”شرق المتوسط” وجنوبه من جرائم ضد الإنسانية ومن انتهاكات بشعة لأبسط حقوق الإنسان. وهذا ما أخذ يتضح مع ردود الأفعال حيال جريمة اغتيال جمال خاشقجي بالسفارة السعودية بإسطنبول. ويظهر من تناقض وارتباك تصريحات المسؤولين السعوديين بأن ردود الأفعال العالمية لم تكن منتظرة، وهم الذين تعودوا أن يصمت العالم عن جرائمهم وفضائحهم.
فهل ستكون جريمة قتل جمال خاشقجي منعطفا في تعامل المنتظم الدولي مع الأنظمة المارقة القاتلة لمواطنيها والمصادرة لحقوقهم وكرامتهم؟ هل سيذهب التحقيق في تلك الجريمة إلى آخر مداه فيكشف عن المتورطين الحقيقين فيها مهما يكن موقعهم في هرم السلطة بالسعودية، ليتم تقديمهم للعدالة الدولية؟ وهل سيشكل ذلك بداية لمحاسبة ممتهني خرق حقوق الإنسان بالريف وسواه؟ هل عودة جريمة اغتيال المهدي لنبركة إلى الواجهة ستكون بداية لتدارك الخلل القاتل الذي أسس لفشل تجربة الإنصاف والمصالحة والمتمثل في الإصرار الرسمي على عدم ذكر ومحاسبة كل من تورط في انتهاك حقوق الإنسان خلال الفترة الزمنية التي شملتها تلك التجربة؟ وما الفرق بين مقتل جمال خاشقجي وبين أي مواطن آخر يطحن في وطنه؟متى يتحرك الضمير الإنساني بحزم للوقوف مع أي إنسان تسلب حقوقه أو حريته أو حياته، يتعرض للنشر أو الطحن أو الحرق أو لأي شكل آخر من أشكال التنكيل، الحداثي وما بعدالحداثي – بالإنسان – المستعيد لأفضع ما في تاريخ الهمجية؟ كيف نتحرر من عقلية النحر والطحن والنشر وننخرط بإرادة فعلية في زمن حقوق الإنسان حيث لا فرق فيه بين إنسان المركز وانسان الهامش وانسان هامش الهامش؟

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.