قصص مهاجرات جنوب الصحراء.. من حلم عبور المتوسط إلى واقع الاستقرار بطنجة

أمام إشارة المرور لأحد أكبر شوارع مدينة طنجة تقف “باتريسيا” القادمة من نيجيريا، تحضن بين ذراعيها طفلتها الصغيرة، تسافر بعينيها بين وجوه المارة وركاب السيارات، تمدّ يدها لعل الرأفة تدبّ إليهم ليغدقوا عليها بعض الدراهم، تسد بها رمقها ورمق طفلتها الصغيرة.

“باتريسيا” نموذج لمئات النساء القادمات من جنوب الصحراء أملا في عبور المتوسط والوصول إلى الضفة الشمالية، لكن لأسباب مختلفة وجدن أنفسهن مستقرات بطنجة، وبقدر ما يطول مكوثهن هنا، بقدر ما تتضاءل وتتلاشى فرص العبور أمامهن، وفي غفلة من الزمن، يجدن أنفسهن مضطرات للتكيف مع الوضع الجديد، خاصة أن العديد منهن؛ أرامل بأطفال أو هن أمهات عازبات.

ليست هناك إحصائيات دقيقة حول عدد المهاجرين جنوب الصحراء في المغرب، حتى حملة تسوية وضعيتهم القانونية التي باشرها المغرب سنة 2014، ثم بعد ثلاث سنوات فتح حملة أخرى للتسوية، إلا أن العملية لم تعرف إقبالا كبيرا. وتعد طنجة من أقل المناطق إقبالا من المهاجرين على تسوية وضعيتهم، حيث يمثل المهاجرون الذي قدموا طلبات بتراب عمالة طنجة-أصيلة 8.7 في المائة من مجموعات الطلبات التي قدمت في عملية 2014، مما يبوء شمال المغرب المرتبة الثالثة بعد الرباط (27 في المائة) والبيضاء (18 في المائة). بسبب أن أغلب القادمين الى طنجة، يفعلون ذلك ليكونوا قريبين من الضفة الجنوبية لاسبانيا، وقريبين من السياج الحدودي لمدينة سبتة، حتى يتسنى لهم انتظار فرصة الوصول إلى أوربا ولا يأبهون بتسوية وضعيتهم هنا، إذ قدرت، مثلا، نسبة محاولات العبور من هذه المنطقة حوالي 75% من مجموع محاولات الوصول إلى أوربا من شمال المغرب، حسب تقرير لمرصد الشمال لحقوق الانسان لشهر يناير 2018، وذلك إما عبر محاولة اقتحام السياج الحدودي لمدينة سبتة، أو عبر ركوب قوارب الموت.

غالبا ما يغامر الرجال بتجريب محاولة العبور أكثر من النساء، لان العمليتين تستوجبان قوة بدنية وقدرة على التحمل، سواء عبر اقتحام السياج الحدودي أو عبر ركوب الأمواج، مما يجعل النساء والأطفال أكثر اضطراراً للاستقرار بطنجة بسبب صعوبة العبور، إما استقرارا نهائيا، او في انتظار فرصة العبور في شروط اكثر آمانا، بينما عبور الرجال لطنجة هو عبور مؤقت، غالبا ما ينتهي بالنجاح في العبور، أو الوقوع في أيدي شرطة الحدود، أو لقاء أسوء المصائر؛ الغرق في عرض المتوسط، فقد سجل شهر فبراير 2018 نجاح ما يقارب 280 مهاجر غير نظامي في الوصول إلى أوربا انطلاقا من الشمال، بينما لقي 33 شخصا مصرعهم  حصب إحصائيات مرصد الشمال لحقوق الإنسان لشهر فبراير.

إذا كانت النساء هن المعنيات أكثر من أقرانهن الرجال بالاستقرار في طنجة، سواء عن اختيار أو عن اضطرار لعدم قدرتهن على المغامرة في مثل هذه الظروف، إذ سجل تقرير مرصد الشمال لحقوق الإنسان، نسبة 3% من النساء فقط من أصل مجموع محاولات الوصول إلى أوربا، مقابل 1% للقاصرين، و96% رجال. مما يعني أن النساء والأطفال الصغار هم المعنيون أكثر بالاستقرار بطنجة، خاصة وأن عملية التسوية الاستثنائية الإدارية للأجانب في وضعية غير نظامية في 2014 كانت قد قررت في مرحلة الطعون قبول جل الطلبات المقدمة من طرف النساء المهاجرات مما ساهم في تسوية  وضعية  14000 مرأة. وفي 27 مارس 2018، قررت اللجنة الوطنية للطعون اعتماد معايير أكثر مرونة لتسوية أوضاع المهاجرين بالمغرب وخاصة النساء حيث ستستفيد من عملية التسوية الاستثنائية “النساء وأبنائهن” و “الأجنبيات المتزوجات أو الأجانب المتزوجون من مغاربة أو من أجانب في وضعية إدارية قانونية، بغض النظر عن مدة الزواج”، بحسب بيان للجنة. إي ما يعادل 13000 مرأة مهاجرة ستستفيد من التسوية من خلال هذا القرار الجديد، وسيصبحن في وضعية إدارية قانونية. لكن ماذا عن ظروفهن الاجتماعية؟  وكيف وصلن إلى مدينة طنجة؟ وما هي الأوضاع التي يعيشنها هنا؟

رحلة عبور الصحراء

بالنسبة إلى المهاجرين من جنوب الصحراء الذين يصلون إلى المغرب بصفة عامة، يأتون عبر مسارين اثنين: هناك المهاجرون القادمون من دولة السنغال والذين يصلون إلى المغرب جوا، لذلك فحلم الهجرة بالنسبة إليهم مرتبط بتوفير ثمن تذكرة السفر عبر الطائرة إلى المغرب، من بعد لا يعودون إلى وطنهم، يستقرون في المغرب بحثا عن فرصة العبور إلى أوربا، أو يضطرون للاستقرار هنا بالمغرب، ويشكل المهاجرون القادمون من السنغال ما يقارب 24.3% من مجموع جنسيات المهاجرين بالمغرب، حسب الإحصائيات الرسمية لحملة تسوية الوضعية سنة 2014، وغالبا ما يجد مواطنو السنغال سهولة أكبر من أقرانهم من بلدان أخرى في الاندماج والبحث عن العمل، أو ممارسة نشاط تجاري شخصي، وذلك بسبب عامل اللغة، إذ ان الفرنسية لغة متداولة بالمغرب أكثر من الانجليزية، والمنحدرين من الدول الإفريقية الانجلوفونية يجدون صعوبات أكثر في التواصل.

“ميمي” شابة سنغالية في عقدها الثاني، صادفناها في احد أسواق منطقة بني مكادة الشعبية بطنجة، تبيع مستحضرات تجميل مصنعة من الإعشاب وبعض عقائق التزيين، تقول أن هذه السلع تلقى رواجا لابأس به من الزبناء المغاربة، وتقوم باستقدام هذه المواد من بلدها السنغال، ثم تقوم بإعادة بيعها هنا بالمغرب، “ميمي” حاصلة على شهادة الباكالوريا في بلدها، اضطرت للقدوم إلى المغرب بحثا عن العمل في “مراكز الاتصالات”، لكن عند وصولها إلى المغرب وجدت الوضع أكثر تعقيدا مما تصورت، اذ كان لزاما عليها أن تحصل على أوراق الإقامة أولا، وهو ما لم تنجح فيه لحد الآن، فاضطرت أن تتنازل عن حلمها، وتعمل في امتهان بيع التجول في الأسواق، في انتظار أن تنجح في تسوية وضعيتها، أو أن تلوح لها فرصة العبور إلى أوربا.

أما المسار الثاني الذي يقطعه المهاجرون المنحدرون من جنوب الصحراء، يأتي عبر تلك الرحلة الطويلة التي تنطلق من بلاد المنشأ لتصل إلى النيجر أو مالي، ومنها إلى مدينة “تمنراست” الجزائرية، حيث تعد المدينة مفترق طرق الهجرة، فجزء من المهاجرين الذين يصلونها يتجهون شرقا إلى الأراضي الليبية، وجزء منهم يتجه إلى الشمال؛ الجزائر العاصمة أو إلى الغرب في اتجاه الجنوب الشرقي المغربي. قد تطول هذه الرحلة وقد تقصر حسب الظروف، وحسب الإمكانات المادية لكل واحد. ووفق الشهادات التي استقيناها، فإن معدل الوقت الذي تستغرقه الرحلة للوصول إلى المغرب يقارب 3 أشهر. “باترسيا” جاءت من دولة نيجيريا ضمن مجموعة من 8 أشخاص، بينهم نساء ورجال: “انطلقنا من نيجيريا عبر النقل البري إلى دولة النيجر، بعد ذلك ظللنا في دولة النيجر نبحث عمن يقلنا إلى الحدود الجزائرية، ثم مدينة “تامنراست”، ومنها إلى الجزائر العاصمة، ثمة مغنية، ثم الدخول إلى المغرب عبر وجدة”. طوال هذه الرحلة قد يتعرضون لهجمات قطاع الطرق، ولعمليات النصب والاحتيال، خاصة عند بحثهم عن وسيلة نقل تقلهم من منطقة إلى أخرى، تحكي باتريسيا بغصة في حلقها: “في الحدود بين النيجر والجزائر، دفعنا 300 اورو لأشخاصٍ لكي يوفروا لنا وسيلة نقل تقلنا إلى داخل الأراضي الجزائرية، اتفقنا على الصفقة والثمن، لكن بعد ذلك تعرضنا للنصب، أو بالأحرى للسرقة في واضحة النهار، لم يكن بودنا أن نعمل شيئاً، إذ بدا لنا أن هؤلاء الرجال مسلحون، يمتهنون النصب على المهاجرين بهذه الطريقة”

بين الاستقرار في المغرب والإصرار على عبور المتوسط

كل الشهادات التي استقيناها ونحن نعد هذا الاستطلاع تُجمع على أن الرغبة الأساس كانت هي الوصول إلى أوربا، لكن من هؤلاء المهاجرات من اقتنعن بالتنازل على هذا الحلم، والتعايش مع واقعهن الجديد، وثمة منهن من مازلنا متشبثات بتحقيق حلمهن، “باتريسيا” رغم مرور 10 سنوات على تواجدها بالمغرب، أنجبت خلال هذه السنوات ثلاثة أبناء (طفلان وطفلة) إلاّ أنها مازالت مصرة على تحقيق حلمها بالوصول إلى أوربا، خاصة أن زوجها حسب إفادتها معتقل في السجون الاسبانية، حيث تم اعتقاله بطنجة من طرف الشرطة المغربية، وتم تسليمه إلى السلطات الاسبانية بناءً على مذكرة بحث، تتهمه بتنظيم الهجرة السرية من طنجة إلى اسبانيا، وهي التهمة التي تنفيها “باتريسيا”، وتتساءل :”لو كان زوجي حقا يعمل على تنظيم الهجرة السرية، لكان هجّر أبناءه وزوجته أولا، بدلا من أن يتركهم هنا دون أوراق ولا قانون ولا وضع اجتماعي مناسب”.

على عكس “باتريسيا”، حسمت “جوي” تقريبا أمرها بالاستقرار في المغرب، خاصة أنها حصلت على أوراق الإقامة منذ 4 سنوات، ولها طموح لفتح مشروع صغير يدر عليها كلفة لقمة العيش، “حالياً لا أفكر بتاتا عبور البحر للوصول إلى أوربا، لقد غادرت هذه الفكرة بالي تماما، يمكن أن ازور أوربا لكن عبر الطائرة وليس بحرا، كرهت البحر بسبب عدد الضحايا من زملائي وزميلاتي الذين التهمهم، وإذا قُدّر لي يوما أن أصل إلى أوربا فسأصل إليها عبر الطائرة، إن لم استطع فأنا أتنازل عن هذا الحلم، وأعوض عن ذلك برعاية طفلاي، وتدريسهما، ليكونا ملاذي في المستقبل”.

متاعب لقمة العيش وتدريس الأطفال

تعيش أغلب نساء جنوب الصحراء معاناة تَدَبُّر لقمة العيش لهن ولأطفالهن، فالنساء هن المسؤولات أساساً على لقمة العيش، إذ أن الأزواج قد يكونوا غادروا دون رجعة، أو أفضت بهم مغامرة عبور البحر إلى الغرق أو الاحتجاز، لتظل النساء هنّ من يتحملن مسؤولية الأسرة الصغيرة، عليهن أن يضمنّ لقمتهن ولقمة صغارهن، أغلبهن يمتهنّ التسول أمام إشارات المرور وأمام أبواب المساجد وبعض المحلات التجارية، وبعد أن تتلقف ايديهن بعض الدارهم، يعدن للالتقاء مع بعضهن في مقر إحدى الجمعيات الخاصة بمهاجري جنوب الصحراء، قليل منهن يفلحن في إيجاد فرصة عمل، لكنهن لا يعملن إلا تحت الاضطرار، نظرا لقلة فرص الشغل، وتدني الأجور، وأيضا للاستغلال الذي يتعرضن له، “امتهن الحلاقة والتجميل، اشتغل مع بعض الصالونات، لكن بأجر زهيد، اشعر أنني أتعرض لاستغلال بشع، إذ أقوم بتصفيف الشعر لزبونة ما بما يقارب 500 درهم، غير أن الجزء الأكبر من المبلغ يذهب إلى جيب صاحبة الصالون، بينما لا يتجاوز نصيبي 50 درهما من العملية”، هكذا عبرت “جوي” عن معاناتها مع العمل، فرغم أنها سوّت وضعيتها سنة 2014، إلا أن الولوج إلى العمل صعب جدا خاصة في بلد تُعتبر أرقام البطالة فيه مرتفعة جدا، حلم “جوي” هي أن تنجح في فتح صالون خاص بها، أن تعمل لحسابها وليس لحساب صاحبة الصالون.

ليس إيجاد العمل وتوفير لقمة العيش هو ما يؤرق مضجع مهاجرات جنوب الصحراء فقط، بل أيضا تمدرس أبنائهن، فأغلب الشهادات يؤكدن أنه يجدن صعوبات كبيرة في تسجيل أطفالهن في المدارس العمومية، إما لأنهن لا يمتلكن أوراق الإقامة والوثائق الثبوتية، أو بسبب المضايقات والعبارات العنصرية التي يواجهها أطفالهن في المدارس العمومية حيث الاكتظاظ، خاصة في الأحياء الشعبية التي تعتبر مأوى هؤلاء النساء، فيضطر أغلبهن للبحث عن موارد مالية تتيح لهن تسجيل فلذات أكبادهن في المدارس الخاصة، حيث الاكتظاظ اقل، وحيث النظام الداخلي لهذه المؤسسات تسمح بمراقبة اشد للتلاميذ، كما أن تلاميذ هذه المؤسسات ينحدرون من أوساط ميسورة أو متوسطة، يمكن لهم أن يتكيفوا مع وجود أطفال مختلفين عنهم في اللون واللغة، عكس المدارس العمومية التي تحتضن أطفال الفقراء وضحايا التهميش، فترتفع نسب العنف والعنصرية.

بين الحلم الذي ضاع، أو هو على وشك أن يصير كذلك، وبين هاجس توفير لقمة العيش، ومقعد الدراسة لفلذات أكبادهن، تعيش “باتريسيا” و”جوي” والأخريات من مهاجرات جنوب الصحراء بطنجة صامدات في انتظار الأفضل، يشهرن أظافرهن في وجه الزمن، محاولة منهنّ لنسيان ما مضى والتطلع إلى ما سيأتي، وتفادي تحرشات العنصرية التي يغدقها بعض المغاربة على مهاجري جنوب الصحراء.

محمد المساوي

أنجز هذا الريبورتاج في إطار برنامج “أًصوات المهاجرين الأفارقة”، المدعم من مؤسسة “أنترناسيونال ميديا سيبورت” (IMS)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.