قصة: مراكش

«وانتظرت موران» ـ مدن الملح: بادية الظلمات. عبد الرحمان منيف.

لم تغف عيناه، تطلع إلى هاتفه، الساعة تشير إلى الثانية صباحا من يوم الخميس من شهر فبراير سنة 2029 ميلادية، هل يغفوا المؤرخون؟ تطلع إلى السقف فوقه، غفا مؤرخون كثيرون قبله، ابتسم بخبث، نعم غفا معظمهم وتركوا وراءهم الكثير مما وجب أن يسجل بمداد الأبدقهر وظلموغبن وكثير. أدار بيسراه زر كهرباء غرفته، وقام إلى مكتبه، وخط ما يلي:

*فصل فساد السلطان*

«…فكان أن بلغ مسامع السلطان يومه الخميس من شهر أكتوبر سنة 2016، أن ثغر الشمال لم يهدأ بعد، فأمر ولاته على الأمصار الباقية على عهده ففرضت عليهم الإتاوات وضرائب استحدثت وقتذاك, ومن ذلك ضريبة النقل, وضريبة نقل المؤن، وغيرها، حتى أصبح استخلاص هده الضرائب فرضاً ألفه الناس وصبروا عليه طاعة لحضرة الحاكم أنداك قارون الملقب ب«ظل الله» ابن قابيل المكنى ب«المنصور بالله»، وتحملوا في سبيل ذلك شظف العيش وجابوا أمصار الفرنجة وممالك الروم وتركية وتمبوكتو وما تلاها جنوباً طلباً لأرزاقهم وأرزاق عيالهم، فكثر ترحلهم حتى ضاقت السبل بالناس في تلك الأمصار فاشتكوهم إلى حكامهم، فما كان من هؤلاء إلا أن أخرجوا أحدث من التحق منهم بمراكش وأثقلوا كاهل من قدم منهم قبل ذلك بالضرائب والمضايقات حتى أخرجوهم عن بلادهم وأيديهم على عمائمهم لا يملكون عشاء ليلتهم تلك، فكان أن عادوا إلى أهاليهم بمراكش، فكثر همسهم بنزع البيعة وتقويم ما اعوجّ من سلطانهم، فبلغ الشرطة ما بدر من بعضهم علنا، فاقتحموا عليهم مساكنهم واقتادوهم إلى دهاليز الحبس.

فكان أن شطّ قُضاة السلطان في الأحكام، وظُلِم من أهل الشمال خلق كثير. وأمر وزير الحرب بالشرطة فطحنت ثغر الشمال وأهله، ففسد البلد وأكل أقوياء الناس حقوق ضعافهم، وضاقت بهم السبل فتنذروا بقرب الفناء دهراً، وذكروا تطاول الحفاة العراة في البنيان، وفساد الحكم، واغتناء المتملقين، وتسلط الجبناء. فلما يئس صغارهم من انتظار خلاص الفناء داك ضجوا بالشكوى فكثر حديث الناس همساً، ولم يلبث على حاله ذاك ردحاً من الزمن حتى أمسى لغط الأسواق والجوامع والمجامع، فأمر السلطان بالعيون فبثت بين الناس، فسجن خلق كثير بتهم الشيطنة والتآمر على سبط الشرفاء وسليل الخير السلطان قارون.

*فصل غضب أهل مراكش على الحاكم*

واجتمع أشراف الناس وطلبوا لقاء السلطان، فلما أّذن لهم دخلوا مجلسه وجددوا عهود ولائهم له، واشتكوا إليه شطط عماله وشرطته وضيق ذات اليد فكان أن وعدهم خيراً، وخرج من ساعته تلك فعزل وزير شرطته. وخرج أهل العقد ممن جالس السلطان من ليلتهم في الناس فبشروهم بقرب الخلاص، فهلل الناس فرحاً ودعوا بدوام سلطان الحاكم وطول العمر والتمكين له.

فما دار الحول على الوزير الجديد فى منصبه حتى بكى الناس شوقاً لسلفه وذكروا رأفته بهم. لكن قضاء القدير لا مرد له. فقد تعطلت طرق التجارة وساءت أحوالها وتضاعفت الرشاوى والإتاوات، وتناقل الناس بمرارة نوادر الرشوة وجشع السلطة، وتعددت حيل التجار في الإفلات من طمع شرطة الحاكم بهم وببضائعهم، وثابرت العيون المبثوثة في كل مكان ووشت بالصالح والطالح من أهل مراكش، فشطت الشرطة في إنزال العقوبات بالمتملصين والراغبين عن أوامر السلطان وعصيانهم حسب زعمهم فكسدت الأعمال وتضاعفت أثمان القوت، فاغتنى الغني من وزراء السلطان وبني عمومتهم، فسدوا على الناس منافذ الحياة وسيطروا على نقاط التجارة برا وبحرا، وأجبروا المزارعين على التخلي عما صلح من الأراضي وعُرف عنه خصبه، واتّبعوا في تحصيل دلك أسباب التخويف وجور القضاة، واستغلوا فاقة الناس لخدمة المحاصيل بدعم العُصب المستحدثة من المجرمين والقوادين وتجار المسكرات لترهيب العوام فطغوا وتجبروا على الناس وتمكن بعضهم من أسباب السلطة فارتقوا على رقاب العامة حتى صاحبوا السلطان وتهادوا وإياه الهدايا والعطايا فكان أن وصل العوز والفاقة بالناس حد التكسب من بيع نسائهم وبناتهم، فانتشر العهر وتفشى الزنا وتكاثرت السرقات وعم الخراب أجارنا الله وإياكم، ووقع الناس في مفسدة عظيمة.

وما إن دار الحول ووصل ما يطلق عليه أهل مراكش «عنق العام» أي موسم ما قبل الحصاد حيث تقل المؤن مما يؤكل من القمح والشعير والذرة وغيره حتى جهر الناس بالشكوى ولم يعد لهم ما يخافون عليه فضجوا بالشكوى في الجوامع والمجامع والأسواق، وخرجوا بعد صلاة جمعة الثاني من صفر الخير وأعلنوا بقاءهم على الولاء ورفضهم لكل ضروب الاستعباد والجور الذي لحقهم من القائمين بشؤون البلد، فما باتوا ليلتهم تلك حتى أخدت الشرطة كل من تزعم رفض حكم ضل الله الملك قارون فشط القضاة في الأحكام والعقوبات عليهم، وخرج برَّاح السلطان من ليلته وعدد للناس مناقب السلطان وحسناته عليهم كدأبه، وقال: «أيها الناس، اسمعوا وعوا وليبلغ حاضركم غائبكم. هدا سلطانكم سلطان الفقراء ومعيل البؤساء باق على عهده ما لم تنزعوه، فقد حباكم الله به بما حرم غيركم، فسلطانكم لا يغمض له جفن حتى يضطلع بعبء الإطلاع على أحوال رعيته ويأمر بقضاء حاجات أهل الحاجات وإنصاف أهل المظالم. فقد بلغ مسامع الأعتاب الشريفة ما كان من أمر شرذمة العتاة الراغبين عن طاعته والمحرضين عليه من الأوباش، وإنه لبالمرصاد لكل متعنّتٍ راغب عن عهد الدولة، ويده أقرب إلى سيفه منها إلى رحمة عطفه. فاستعفوا أعزكم الله واستعينوا على عوادي زمانكم بالاستغفار، فإن فيه خير عظيم

وانتظرت مراكش

منادي عبد الباسط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.