قصة أدبية: رقصة على الحائط

” أيها الظل، يا مراقصي في هذه اللحظة، لا تهب نفسك اليوم للأدباء ويغوونك بجلال القصيدة وفخامة القصة.. انزعك من شباكهم وكن لي فقط. كن ما أتمناه: التفرد.. الإستئثار بك..”

عندما كان الحر على أشده وأدرك ذلك اليوم أعلى درجاته، كان هو قد تدانى وانكمش على نفسه، مشاكسا بهذا قوانين الطبيعة، تلك الطبيعة التي كونتنا ونخضع نحن لقوانينها. عادة الحرارة تُذيب الأشياء، تجعلها تتمطط وتتمدد. تسيلها، ترخيها وتساعدها في توسعها، لكن هذا الشيء تقلص كما تفعل بالعضو الذكري تلاشي الرغبة، أو موجة برد قارسة. أكيد أن المعدن الذي خلق منه هذا الشيء، ليس من عالمنا. الجن أيضا لا يخضع للقوانين التي نعرفها، فيتجلى لنا في شكل ثعبان، يأخذ قامة بغلة، يتحول الى صفيحة أو ورقة صبار، يتجلى كظلال، كرسوم غريبة متحركة، وفي بعض الأحيان حين يريد أن يقترب من شخص ويمسه، يلبس هندام إنسان.

– لكن كيف لنا أن نكتشف السر ونعرف أن ما يبدو أمامنا جن، وليس إنسان؟

سأل جدته ذات مرة.

– الظل يا بني..الظل. هذا هو السر.. الذي لا ظل له، ليس من عالمنا وليس إنسانا.

– أنت جن، قال له عمر وفر منه وقد تبعه كل الأطفال مهرولين وراءه. حتى هو ركض خلفهم واتبع قفاهم وهم يصرخون.. بسرعة، بسرعة.. إنه الجن.. إنه دون ظلال.

ركضوا متبعين الزقاق الضيق بين أشجار الصبار ليقصروا المسافة إلى بوابة البيت، دار الأمان. لحق هو بهم دون أن يتمكنوا من سد البوابة خلفهم

– هدئوا من روعكم، أنه محمد، ماذا وقع لكم؟ مم تخافون؟

– أنظروا إلى ظلاله. وظله تجلى كبيرا بعدما كان قد اختفى في الظلام. امتد وكانه أكبر منه أضعافا أمام ضوء مصباح البترول الموضع وسط بهو البيت القروي.

الجن ينحدر من عالم آخر تعمره ممالك أخرى، كممالك الظلام وممالك الظلال. والظل يخضع لقوانين أخرى تتسلل إلى عالمنا عبر بوابات الضوء الذي يأتينا من عالم آخر، من عالم الشموس البعيدة. كان قصيرا كعضو ذكري تعرضت جبهته لهبوب رياح باردة، لكنه بدأ يسترخي ببطء ويمتد وكأنه يتوالد من مكان ما في أخمص القدمين ويتناسل في الفجاج ببن أصبع وأصبع.

امتد وصار يكبر غير آبه بالحرارة التي اجتازت حدودها الشرقية القصوى، الأكثر التهابا وبدأت تضعف وتهين. جد في الإمتداد وواصل مضيه البطيء حتى رأى شيئا يشبهه وهو أو هي أيضا تمتد. يقولون أن عالمنا فقط من قُسِّم إلى أزواج، فتجد الأنثى تبحث عن الذَّكر، والذكر بدوره يبحث لنفسه عن نسل وظلال. الظلال أيضا تبحث وأنت واقف، لا لأجل أن تتناسل، لكن فقط لترقص وتتوحد وتتراقص .. كظلها، كما ما يشبهها.

توقف حينما رأى الشيء من صنفه يدنو منه. السلام، قال. لا عفوا، السلام؟ ليس به تتم التحية التي يلقونها في الممالك التي يسيطرون عليها، ممالك الرقص. السلام هو بمثابة شهر محرم. جبهة استراحة مفتوحة جهاتها على كل الحروب، شهر يحوم به إحدى عشرة كوكب وهي تقاتل وتتقاتل، لو كان مصدره من عالمنا، لألقى التحية متمنيا الخير في النهار والليل، بل لذهب أعمق وقال أزول.. من القلب الى القلب.. لب الإنسانية. لكنه اكتفى بالرقص أمام ما يشبهه. تراقصا وامتدا. في المساء كان الرقص أروع تحت إنارة الشموع. رقصا في كل أرجاء البيت وتوحدا. تمددا على طول الحائط وتسلقا أيضا الى السقف حيث تعانقا وبقيا معلقين، بينما أنا استرخيت على السرير في وضع ملعقة ترقص بجانبها، وفي داخلنا تنعكس الحركات من كلا العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.