قريبا من سيد القمني..بعيداً عن صراع الدجاجات في حوش الديك

ترتكز طروحات سيد القمني في محاولة تعاطيه مع سؤال النهضة الذي ارق جيل الكواكبي والافغاني ومحمد عبده، سؤال لماذا تأخر المسلمون؟ او في صيغة مفكري النهضة : لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ في اجابته عن هذا السؤال يُرجع سيد القمني هذا التأخر الى رجال الدين وفقهاء الاسلام، بأنهم كانوا سبب هذا التأخر؟ هذا التعاطي ذكرني بالسؤال الذي تعرض له المفكر اللبناني مهدي عامل في سياق تعليقه على ندوة الكويت التي كانت طرحت صيغة “أزمة الحضارة العربية”، وكان تناول مهدي عامل هو الانطلاق من كون السؤال أصلا طُرح بشكل مغلوط، فالحضارة لا تكتسب أسباب ازمتها من ذاتها، بل تأتيها من حامل هذه الحضارة، فقَلَب السؤال وطرحه على الشكل الاتي: أزمة الحضارة العربية أم أزمة البورجوازية العربية؟
ان مدخل مهدي عامل لنقض منطق السؤال المطروح، يرتكز الى كون أن البحث عن أسباب ازمة حضارة ما في ذات الحضارة نفسها هو طرح ميتافيزيقي، لن ينتج الاّ معرفة ميتافيزيقية تظل ترواح المكان وتُنتج نفس الازمة.
وكذلك فإن طرح القمني الذي يتجلى في كون أسباب تأخر المسلمين يرجع الى علماء الاسلام وفقهائه هو طرح ميتافيزيقي، يفسر حركية التاريخ بتأثير البنية الفوقية في صنع الاحداث والوقائع. ولنطرح هذا السؤال مع القمني: اذا كان تأخر المسلمون راجع الى علماء الاسلام وفقهائه، فهل يمكن لنا أن نلغي هؤلاء العلماء والفقهاء، ونمنح للقمني أن يدلنا على الاسلام الذي يراه مناسباً لنجد انفسنا على طريق التقدم؟ هل سيفلح القمني في ايجاد هذه “التميمية”؟ أم أن السؤال اصلا مغلوط في طريقة طرحه؟
في بداية القرن العشرين حاول السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر تقديم تفسير حول سر تصاعد الرأسمالية وتطورها في الدول التي يشيع فيها المذهب البروتيستاني في حين نجد تباطؤا في الدول التي يسود فيها المذهب الكاثوليكي، واستنتج أن البروتيستانتية من طبيعتها أنها تحث الفرد على الاستماع بمباهج الحياة والمجازفة لذلك نمت الرأسمالية بقوة في مواطن هذه الروح، بينما الكاثوليكي فهو “أكثر هدوءا، و مسكون بعطش قليل جدا إلى الكسب، ويفضل حياة آمنة، ولو مع مدخول ضئيل جدا، على حياة إثارة ومجازفة ولو وفرت له الثروات والأمجاد” لذلك كانت المواطن التي تسود فيها روح الكاثوليكية هي مواطن لم تعرف فيها الرأسمالية نفس القوة والنجاح كما في البلدان ذات الروح البروتيستانتية.
الخلاصة هو أن الرجل قدم تفسيرا للتاريخ اعتماد على طبيعة الروح السائد في تلك المجتمعات، وبالتالي ألغى الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي في الاصل هي حاملة هذه الروح ومنتجته وليست نتيجة له، وهي معادلة تجد اسسها في الصراع التاريخي بين التفسير المادي للتاريخ والتفسير المثالي له. والسؤال الذي يمكن طرحه على فيبر هو: هل يمكن القول أنه يكفي أن تسود روح البروتيستانتية لتعرف حينئذ الرأسمالية المتطورة طريقها الي حيث تسكن هذه الروح؟ أليست ثمة مجتمعات تدين بالبروتيستانتية لكنها ظلت لحد الان تراوح مكانها تحت رحمة تداخل انماط الانتاج، فلا رأسمالية واضحة ولا اقطاعية كذلك، بل ثمة تخلف ظاهر وجلي لا غير.
وعليه فطروحات سيد القمني بالنسبة إليّ هو رجع صدى فقير لطروحات ماكس فيبر، هو محاولة تفسير حركية التاريخ بما يعتمل في بُناه الفوقية، لا ما يموج في قاعدته المادية والاجتماعية. أليس سؤال لماذا تأخر المسلمون هو سؤال مغلوط من اساسه؟ ألا توجد مجتمعات تدين بالاسلام لكنها قطعت أشواطاً مهمة في مسير التقدم؟ أليس طرح هذا السؤال مقرونا بفئة تدين بدين ما هو طرح ميتافيزيقي.
ناهيك عن كم التناقضات التي يمكن أن يصطدم به القمني حتى ان سايرناه، وألغينا اي دور للفقهاء والعلماء وأخذنا بالدين الاسلامي الذي يراه هو مناسباً، كيف سيتعامل مع نصوص قرآنية واضحة لا دخل للعلماء والفقهاء في تفسيرها وتأويلها.
في تقديري إن طرح سؤال التخلف مقرونا بالطائفة أو الدين أو القومية هو طرح مغلوط، لن ينتج في الاخير الا جوابا متطرفا مثلما عند القاعدة وداعش واخواتها، او جوابا كاريكاتوريا يقوم على الانتقائية ومحاولة القفز الى الضفة الاخرى للتاريخ كما عند القمني وبعض التيارات الليبرالية العلمانية على الطريقة العربية.
ملحوظة:
ان المقال لا يغفل الاسئلة المهمة التي وصلني صداها من المحاضرة التي ألقاها القمني في المكتبة الوطنية بالرباط، بل شخصيا أعتبر أغلب الاسئلة التي طرحها وجيهة وقمينة بوضع اليد على بعض مكان أعطابنا، لكن ما حاولت أن اناقشه هنا هو الطرح الذي يقدمه القمني لمجابهة تلك الأسئلة، لذلك فالمقال لا يتفاعل مع ما قيل في المحاضرة فقط، بل يحاول أن يتفاعل مع طروحات الرجل وخلاصة افكاره بصفة عامة. هو مقال يحاول أن ينأى بنفسه عما أسميته بصراع الدجاجات في حوش الديك على ايقاع دنو أجل الانتخابات؛ صراع أصحاب الحداثة المعطوبة/ حداثة صاحب الجلالة كما يبشر بها حزب البام ولواحقه، وأصحاب دولة امير المؤمنين كما يدافع عن ذلك البيجيدي ولواحقه

تعليق 1
  1. moh يقول

    le probleme de notres fukaha c’est, pourquoi ils ne fait pas ce qu’ils disent

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.