قرطبة .. صراع المسجد والكنيسة

1618399_656842577712476_717985819_n

عاد الى واجهة الأحداث بقوة في الاسابيع الاخيرة صراع الكنيسة والمجتمع المدني في اسبانيا ’ولكن هذه المرة صراع بصيغة أخرى صراع مابين التصور المدني للإرث الاندلسي’ والتصور الديني لهذا الارث .
الصراع طفى على سطح الاحداث في مدينة قرطبة واحدة من درر التاج الاسلامي في الأندلس وتركز هذا الصراع حول المسجد الكنيسة ’مسجد قرطبة بالنسبة للتاريخ وكاتدرائية قرطبة بالنسبة للكنيسة الاسبانية ذات التواجد القوي في الحياة العامة الاسبانية ’ هذا الصراع عاد في شكل مطالب للمجتمع المدني في مدينة قرطبة بأن تعاد ملكية مسجد قرطبة للسلطات العمومية بعد أن قامت الكنيسة الاسبانية وبشكل منفرد بتسجيل ملكيتها للمسجد بتاريخ الثاني من شهر مارس 2006 مقابل مبلغ ثلاثين أورو ودون اشهار ولا أداء ضرائب .
مطالب المجتمع المدني جاءت على شكل تنسيقية يترأسها أستاذ القانون المدني في جامعة قرطبة أنطونيو مانويل رودريغيز ’والذي أطلق عبر شبكة الانترنيت عريضة للتوقيع تطالب بضرورة اعادة ملكية مسجد قرطبة للسلطات العمومية ونزع ملكيته من الكنيسة الاسبانية وخاصة أن المسجد مصنف تراث انسانيا من طرف اليونسكو .
التنسيقية تهدف لجمع 150 ألف توقيع على العريضة ’وتمكنت حتى الآن من جمع توقيعات حوالي 100 ألف شخص منها أسماء وازنة لفنانين وكتاب ووجوه من المجتمع المدني الاسباني في مدينة قرطبة .
الكنيسة حاولت البقاء بعيدة عن الجدل القائم حول ملكية المسجد ’ورفض قادتها الرد على تساؤلات الصحافة في الموضوع ولكن موقعا الكترونيا تابعا لهم أكد أن ملكية كاتدرائية قرطبة كما يسمونها لا جدال في ملكيتها من طرف الكنيسة الاسبانية منذ القرن الثالث عشرا ’وأن سبب تأخير تسجيلها كملكية للكنيسة حتى سنة 2006 يعود لمانع قانوني لم يعد قائما وأن الكنيسة وحدها من يمكنها نزع صفة الكنيسة عن مسجد قرطبة ’وأن الكنيسة الاسبانية تعاملت مع الأمر في اطار احترام الدستور الاسباني ’في حين ترى التنسيقية المناهضة لملكية مسجد قرطبة للكنيسة الاسبانية أن مجرد تسجيله لا يعني بالضرورة ملكية الكنيسة له ’وأن اعلانه من طرف اليونسكو تراثا عالميا اضافة الى الحفاظ على الطابع التاريخي والمتنوع لهذه المعلمة كلها أسباب تجعل من الضروري تدخل السلطات لنزع صفة ملكية الكنيسة عن مسجد قرطبة ومنحه صفة الملكية العامة .
الحكومة الاندلسية وبشكل محتشم أعلنت أنها تفكر في امكانية اتخاذ اجراء في هذا الاطار لمنح صفة الملكية العامة لمسجد قرطبة’ في حين أعلن عمدة مدينة قرطبة خوسي أنطونيو نيطو المنتمي للحزب الشعبي صراحة انحيازه لموقف الكنيسة الاسبانية’ واعتبر أن لا مشكلة لديه في بقاء مسجد قرطبة ملكية للكنيسة الاسبانية حتى وهو تراث عالمي معتبرا أن الكنيسة تحافظ بشكل جيد على هذه المعلمة .
مطلق عريضة التوقيعات المطالبة بسحب ملكية المسجد من الكنيسة الاسبانية أستاذ القانون المدني في جامعة قرطبة أنطونيو مانويل رودريغيز اعتبر أن ملكية المسجد من طرف الكنيسة تغيير غير مقبول للتاريخ في اشارة منه الى اصرار الكنيسة الاسبانية على تغيير اسم مسجد قرطبة الى اسم كاتدرائية قرطبة وتحت هذا الاسم سجلت ملكيته .
وللإشارة فمسجد قرطبة أمر ببنائه عبد الرحمان الداخل سنة 786 ميلادية ويعد المسجد اضافة الى مسجد الخيرالدا في مدينة اشبيلية وقصر الحمراء في غرناطة أبرز الأمثلة على ما وصلت اليه العمارة الأندلسية من رقي وازدهار ’ وسبق للمسلمين وخاصة منهم المسلمين الاسبان السماح لهم بإقامة صلواتهم في مسجد قرطبة وذالك في اطار اعادة الاعتبار لطبيعة هذه المعلمة التاريخية .
هذا الجدل القائم حاليا في مدينة قرطبة حول ملكية المسجد الكاتدرائية لقرطبة ’يأتي في وقت تحاول فيه اسبانيا اعادة الاعتبار لجزء من مكوناتها تعرض للاضطهاد والترحيل القسري من اسبانيا ’وهم يهود السفارديم حيث قررت الحكومة الاسبانية منح الجنسية الاسبانية لأحفاد هؤلاء في تجاهل تام لمكون أخر تعرض لنفس الاضطهاد والترحيل القسري من اسبانيا وهم الموريسكين’ وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول القرار الاسباني وحقيقة نظرة الشعب الاسباني الى تاريخه الذي لازالت تحكمه هواجس الماضي .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.