قراءة في فنجان الحكومة

 

لا خبرَ صحيح في البلد، لا ناطق رسمي ينطقُ الحقيقة، ولا حق في الوصول إلى معلومة، ولا هاتفَ يجيبُ ..الأسئلة معلقة، واللغة خشبٌ، والبلاغات الباردة تخنق الأنفاس، ولا خبرَ إلا الضجر..

الخبر الوحيد الموثوق به، هو اعتقال صحفي نقل خبرا، واستمرار العبث السياسي بعد إصابة الحكومةبكسرٍ مباغث في عمودها الفقري..وقد جربوا معها عدة وصفات خرافية، ويكاد نصفُ عام يمر بلاجدوى..

 كل أسبوع ، تُكرر الصحفُ الخبر نفسه: هذا الأسبوع أو نهايته، ستتطوع حمامةٌ حرةٌ لترميم الكسْرِالعميق للحكومة، وكل يوم يبشرنا المتفائلون بأن هناك أملا كبيرا في شفائها وجبر كسرها بإعادةتشكيلها سرياليا ببقعة من الأزرق السماوي في جسمها الملون، وكل ساعة نعين وزيرا ونُسْقط آخر..وهاهو أسبوع آخر يمر بلا خبر.

أمام صدى الصمت الذي يأتي من الأبواب الموصدة والعلب الصوتية للهواتف المغلقة، على الصحفيينأن يترصدوا الأخبار بالكاميرا الخفية، وأن يتحولوا إلى جواسيس يَتَقفون آثار الخطوات للداخلينوالمنسحبين من جلسات المفاوضات، ويتلصصون من كوة ضيقة على أشغال الترميم المتعثرة للحكومةالآيلة للسقوط..

أمام العتمة الحالكة على شاشات التواصل السياسي، لا نملك كصحفيين سوى أن نتحول إلى عرافيننتكهن الأخبار بقراءة الطالع والنازل في فنجان الحكومة الفارغ، أو نراهن مثل لاعبي النرد على الأسماءعشوائيا، ونتسلى مع القراء بلعبة الاحتمالات والمعادلات الممكنة والمستحيلة.

على الصحفي أن ينسى دروس الصحافة في تحري المعلومات من مصادر الخبر، وأن ينخرط في دورةتكوينية في علم التنجيم، أو يأخذ دروسا إضافية في قراءة الفال، ويخضع لتدريب مكثف في استحضارالأرواح واستنطاق العفاريت المالكة للمعلومة، وأن يعمق خبرته في العِرَافَةِ كي يتنبأ بمستقبل الحكوماتبقراءة كف المسؤولين السياسيين الصامتين.

بما أن لا مسؤول يمتلك شجاعة كشف الخبر، على الصحفي أن يؤلفه ويحبكه وكأنه كاتب روايات..مصدره الوحيد للمعلومة هو الإبداع، وتأليف السيناريوهات المحتملة..فلا حدود للخيال في التخميناتالصحفية، لا منطق دستوري يحكم الأحداث الممكنة في بلد الاستثناء، لا حسابات دقيقة تقيد السبقالصحفي، ولا حقائق حتمية، كل شيء ممكن وكل الأخبار التي قد تبدو غريبة أو مستحيلة الوقوع، هيممكنة جدا في مشهد سياسي يتحالف فيه اليساري مع الإسلامي، والجلاد مع الضحية واللص معفاضخه.. وفي ديموقراطية فريدة تتشكل فيها الحكومات بجهاز التحكم عن بعد، ويصبغ فيها الوزراءبألوان الطيف في اللحظات الأخيرة ..

في انتظار الخبر الذي تأخر حول مآل التعديل الحكومي، سنواصل لعبة الاحتمالات وتوسل السبقالصحفي من الصدف العابرة..وسنواصل ملأ الصفحات بقراءة فنجان الحكومة، والتسلي بتشكيلهاانطباعيا، نعين من نشاء بالحقيبة التي نشاء، نرفع العدد أو نقلصه، نضيف للصورة نساء جميلات،نسمي وجوها ونُسقط أخرى، ونكتفي بمتابعة جولات التفاوض افتراضيا، نتصور أجواء المباراةالساخنة، نسترق السمع لصوت الضربات من بعيد، ونتخيل مشهد السقوط المدوي… 

من سيعين من؟ ومتى؟ ومن يملك مفاتيح الأزمة؟.. يضيع السؤال الصحفي في متاهات الصمت،ويتبخر الخبر فوق نار التمطيط المتعمد إلى أن يفقد الطعم.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.