قراءة في فلسفة الحراك، بين الداخل و الخارج

الحقوني عبد المجيد
ان الحراك الشعبي بالريف، او الحَراك (بفتح الحاء) لم يكن وليد اللحظة التاريخية التي اعقبت مقتل محسن فكري رحمة الله عليه في اكتوبر من سنة 2016. بل هو وليد سيرورة تاريخية و تراكم نضالي ساهمت فيه كل القوى الحية و الفعالة في المجتمع منذ مرحلة ما قبل “الاستقلال” الى الآن. اي منذ اندلاع المقاومة بزعامة الامير محمد بن عبد الكريم الخطابي و من قبله بقليل المجاهد الشريف محمد امزيان ضد الاستعمارين الاسباني و الفرنسي و معهما تواطئ نظام المخزن المغربي آنذاك، مرورا بانتفاضة الريف لسنة 58/59 عقب اكتشاف اهل الريف لقذارة النظام المخزني المتمثلة في سعيه لعزل المنطقة سياسيا، و الانفراد بالتمتع بالامتيازات التي جاء بها الاستقلال و الذي ادى ثمنها غاليا ابناء الريف انفسهم. فخرجت النخبة مطالبة بمطالب بسيطة منها:

اختيار الموظفين المدنيين من السكان المحليين

اشراك ابناء المنطقة في تسيير دواليب الدولة.

إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين

عودة محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى المغرب

ضمان عدم الانتقام من المنتفضين

تخفيض الضرائب في المغرب كله وخاصة بالريف

خلق برنامج طموح ضد البطالة

بناء مزيد من المدارس في القرى

فتح ثانوية أو مدرسة عليا في الحسيمة

ثم جاءت انتفاضة 84 ضدا على سياسة التقشف او سياسة التقويم الهيكلي التي نهجها نظام الحسن الثاني آنذاك.

مرورا بحركة 20 فبراير في 2011 و التي رفعت تقريبا نفس الشعارات التي رفعت في 58/59 من قبيل:

– دستور ديمقراطي يمثل الإرادة الحقيقية للشعب.

– حل الحكومة والبرلمان وتشكيل حكومة انتقالية مؤقتة تخضع لإرادة الشعب.

– قضاء مستقل ونزيه.

– محاكمة المتورطين في قضايا الفساد واستغلال النفوذ ونهب خيرات الوطن.

– الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية والاهتمام بخصوصيات الهوية المغربية لغة و ثقافة وتاريخا

– إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي ومحاكمة المسؤولين.

وصولا الى حراك الريف لسنة 2016/2017 و الذي سطر ملفا مطلبيا يتضمن نقاطا منها:

– الكشف عن الجُناة في قضية مقتل محسن فكري و تقديمهم الى العدالة.

– رفع العسكرة عن الاقليم.

– بناء مستشفى للانكلوجيا بالإقليم.

– بناء نواة جامعية.

– توفير فرص الشغل و تسجيع الاستثمار.

– هيكلة قطاع الصيد البحري.

– فك العزلة عن الريف ببناء الطرق و ربط المنطقة بشبكة السكك الحديدية و تنشيط الملاحة الجوية….

كل هذه المحطات النضالية، منذ الاستقلال الشكلي الى الآن، القاسم المشترك فيها انها رفعت نفس المطالب تقريبا و بدرجات متفاوتة وفقا لطبيعة المرحلة التي اسست لها. اما المتغير فيها، فيتمثل في طبيعة الخطاب الذي اسس لها من جهة، و التعبئة و الاعلام الذين رافقهما من جهة اخرى. بالإضافة الى تنامي الحس النضالي لدى شرائح واسعة من المجتمع الريفي بالداخل و الخارج.

فاذا تناولنا بالتحليل طبيعة المطالب، فهي تبقى في مجملها ذات طابع اجتماعي، اقتصادي، حقوقي و بين الفينة و الاخرى ترفع بعض الشعارات ذات طابع سياسي بنبرات محتشمة: كالمطالبة بالمساهمة في تسيير شؤون الدولة (58 مثلا) وتغيير الدستور و حل البرلمان و الحكومة و المطالبة بالملكية البرلمانية كنموذج للحكم (حركة 20 فبراير نموذجا) الى تحميل الملك المسؤولية مباشرة في تأزم الاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و مطالبته بتحمل المسؤولية (ربط المسؤولية بالمحاسبة).

ثمة اسئلة تطرح نفسها بإلحاح في هذا المقام: لماذا عرف حراك الريف تجاوبا كبيرا من طرف شرائح واسعة من المجتمع في منطقة الريف الاوسط بالخصوص؟ و كيف استطاع ان يجمع ريفي الشتات في اطار لجان منظمة؟ و لماذا لم يستقل حراك اوروبا عن حراك الريف في مطالبه و يرفع من سقفها؟ بالإضافة الى الاعتقالات العشوائية و الاختطافات التي ينهجها النظام المغربي بالداخل، ماهي الاستراتيجية التي ينهجها بأوروبا لاحتواء الوضع؟ كلها تساؤلات سنحاول الاجابة عنها في هذا المقال.

مباشرة بعد الاستقلال الشكلي و اخماد انتفاضة 58-59 المجيدة عمد النظام المغربي الى سياسة تهجير ابناء المنطقة عبر عقود عمل ثنائية او متعددة الاطراف مع دول اوروبية الغاية منها بالدرجة الاولى التخلص من الطاقات الشبابية المطالبة بالحقوق و الحريات. و نهج في المقابل سياسة بَوْلسة المجتمع عبر نشر كل اشكال البوليس السري و العلني لعب فيه المقدام و الشيوخ الدور الريادي.

اعتمد النظام المغربي نفس الاسلوب في تعاطيه مع كل حركة احتجاجية بالريف دون التكهن بأثارها و استراتيجيتها المستقبلية. فعقب انتفاضة 84 عمد المخزن الى الدفع بخيرة شباب المنطقة الى ركوب البحر و البحث عن الخلاص بالضفة الاخرى فظهر ما سمي بقوارب الموت.

اواسط التسعينات من القرن الماضي و بداية القرن الواحد و العشرين ظهر جيل جديد من المُهجرين من ابناء الريف المتخرجين من الجامعات المغربية. و في التحام شبه موضوعي مع ابناء الجيل الاول (الجيل الثاني و الثالث) المتشبع بقيم الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية اصبحت هذه الفئة قادرة على حمل مشعل التغيير ببلدها الاصلي و مؤهلة للعمل وفق الاعراف و القوانين الدولية للضغط على النظام المغربي و مطالبته باحترام مبادئ حقوق الانسان و الالتزام بالمعاهدات الدولية التي صادق عليها في هذا المجال.

اذا كانت هذه محاولة مبسطة للإجابة عن الشق الثاني من السؤال فانه على مستوى الداخل و نظرا لنضوج شروط موضوعية و اخرى ذاتية صاحبها نوع الخطاب المبسط المقبول لدى العامة من جهة عكس الخطاب السياسي التقليدي الذي كان موجها الى النخبة التأمت قيادة الحراك بمختلف انتماءاتها الايديولوجية وفق برنامج حد ادنى لإيجاد صيغة توافقية تم تجاوز فيها السياسي و الايديولوجي.

لا يجب اغفال عاملين اساسيين لهما دورهما في اعطاء حراك الريف زخمه النضالي و قاعدته الشعبية:

الاول يتمثل في استقلالية الحراك التام عن كل التنظيمات السياسية و الجمعوية و الانخراط العملي الميداني للأفراد في النضال من اجل ملف مطلبي لا غير تَشكل فيها شعار “لا للدكاكين السياسية و الجمعيات الاسترزاقية” شعارا مؤطرا له.

و الثاني ما لعبه الاعلام البديل ( شبكة التواصل الاجتماعي و بعض المواقع) في عملية التعبئة و ايصال المعلومة كما هي.

لا يخفى على احد ان الارتباط بين ريفيي الداخل و ريفيي الخارج كان وثيقا منذ البداية الاولى للهجرة و قد اتخذ اشكالا مختلفة من مساعدات مالية عائلية، و المساهمة في بعض الاعمال الخيرية: كإصلاح الطرق و المساهمة في بناء المساجد في الدواوير و حفر الآبار… وتوج هذا الالتحام ليأخذ طابعا منظما مباشرة بعد زلزال 2004 ليصل الى صيغة اللجان الداعمة لحراك الريف مباشرة بعد استشهاد محسن فكري.

كما اشرت سالفا ان ريفيي الدياسبورا بمختلف توجهاتهم السياسية و الايديولوجية و المتشبعين بقيم الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية سرعان ما انخرطوا في لجان داعمة للحراك لتحصين حراك الريف من جهة و الضغط على النظام المغربي للجلوس الى طاولة الحوار مع قيادة حراك الريف و الاستجابة لمطالب الساكنة من جهة اخرى.

هذه اللجان على المستوى الاوروبي و بدون استثناء التزمت بسقف الحراك كما عبرت عن ذلك في لقائها بمدريد في الـ20 من ماي 2016 .

و رغم بروز تيار من داخل اللقاء يدعو الى تجاوز هذا السقف و المطالبة باستقلال الريف كورقة ضاغطة على النظام الا انه انسحب من اللقاء لعدم تجاوب الكل معه.

اذن خرج اللقاء بتشكيل تنسيقية اوروبية مكونة من 19 لجنة داعمة للحراك و متشبثة بقيادة الحراك مجتمعة و بالملف المطلبي كما صادقت عليه جماهير الحسيمة .

فالتنسيقية الاوروبية كانت حلقة متقدمة في نضالات جماهير شعبنا بالشتات، و تمسكها بالملف المطلبي كما هو و بقيادة الحراك، كان بمثابة الحصانة الاولى لبقاء اللجان على وحدتها.

فكما هو معلوم ان اللجان الداعمة تتوفر في مجملها على نشطاء من مختلف التوجهات و الحساسيات السياسية و المشارب الفكرية الشيء الذي ساعدها على الحفاض على وحدتها و تماسكها رغم تأثير بعض الخطابات “المتجذرة” و الغير المعقلنة في الكثير من نشطاء بعض اللجان.

برز هذا الخطاب التدميري المتستر وراء شعارات فضفاضة و المتناقضة احيانا مباشرة بعد الحملة المسعورة التي شنها النظام المغربي على قادة الحراك الميدانيين.

اذن، لماذا برز هذا النوع من الخطاب التدميري في هذه المرحلة بالذات؟ هل هو امتداد للآلة القمعية التي انتهجها النظام المغربي بالداخل مع نشطاء الحراك الشعبي؟ ام هي فرصة من ذهب للامتطاء صهوة الحراك الشعبي للترويج لبعض الاطروحات الغير القابلة للتنفيذ في الوقت الراهن، خصوصا بعد ما تم اعتقال القادة الميدانيين؟ ام، لا هذا ولا ذاك. هي فقط نزعة براغماتية نابعة من حب الانا و حب الظهور خلف شاشات الهواتف النقالة؟

لتحليل الظاهرة يجب تناولها من زاويتين اثنتين:

من زاوية التحليل النفسي: فجل هؤلاء الشباب، يُعانون من العزلة و صعوبة الاندماج مع محيطهم المجتمعي و الأُسري. انعدام الثقة في النفس نتيجة ماض مليء بالإخفاقات (الدراسية و العاطفية…)، عديمي التجربة في ميدان العمل الجمعوي و الجماعي. ظهروا في الساحة مباشرة مع حراك الريف، بدون رصيد نضالي يُذكر.

– من الزاوية السياسية و التاريخية: فكما هو معلوم، ان النظام المغربي كان يسعى دائما الى تقزيم و تدجين اي فعل نضالي بالمهجر منذ تبلور الفكر التقدمي و اقدام ابناء الجالية على تشكيل اطارات تقدمية للدفاع عن مصالحهم. فمنذ سنة 1961 مع “جمعية المغاربة بفرنسا ” و من بعدها “جمعية العمال المغاربة” التي احدثت في سنة 1982 قام النظام المغربي بحملات مضادة شنها عبر اجهزته التي احدثها في مختلف الدول الاوروبية من وداديات و جمعيات موسمية و” دعوات تبشيرية” و حفلات رسمية و شبه رسمية رامية الى تمييع العمل الجمعوي من جهة و الحد من انتشار الوعي الحقوقي والسياسي في اوساط الجالية المغربية من جهة اخرى. نجد نفس الاسلوب يستعمله النظام الآن في حراك الريف بأوروبا و بطرق اكثر نذالة و حقارة جند لها جيشا الكترونيا يراقب مواقع التواصل الاجتماعي من جهة و اضحى يشعل الفتن بين مناضلي الدياسبورا و مشجعا بطرق غير مباشرة التوجه الداعي الى الفوضى و رفض التنظيم كمبدأ اساسي في مواصلة النضال الجماهيري الداعم لحراك الريف ليتسنى لهم تمرير مواقف سياسية قد لا تخدم الحراك ولا معتقلي الحراك.

يبقى السؤال الاخير و العريض: ما العمل؟ او ماذا يمكن منا ان نفعله في الظروف الحالية لنتخطى هذا الواقع المر؟

اعتقد ان الشعار الذي رفعته لجان الحراك الشعبي بالريف “لا للدكاكين السياسية ولا للجمعيات الاسترزاقية” لا وجود لمبرر رفعه بأوروبا لسببين اثنين: الاول مرتبط بالواقع الاوروبي نفسه لوجود هامش من الحرية و الديمقراطية من جهة يسهل عملية التنظيم و التأطير. كما ان التعاطي مع نضالات جماهير شعبنا بالداخل يقتضي من جهة اخرى التعامل مع هيئات سياسية و حزبية منتخبة لا تعترف بالعمل “الجماهيري الغير المنظم”. هذا علاوة على ضرورة توفر المصداقية و الشرعية في هاته الهيئات التي يجب ان تكون منتخبة في اطار جُمُعات عامة تفعيلا لمبدأ اقتران المسؤولية بالمحاسبة.

في هذا الاطار ارى من الضروري:

1) أن تواصل لجان الدعم هيكلتها على المستوى الاوروبي و ان تقوم بتسطير برامج نضالية و اشعاعية قابلة للتنفيذ بمراعاة ظروفها الذاتية و الموضوعية.

2) العمل من اجل التنسيق الميداني بين لجان الدعم على مستوى كل دولة اوروبية على حدا و افراز تمثيليات تنفيذية مؤهلة و قادرة على خوض حوارات مع مسؤولي الدول المنتمين اليها مع خلق علاقات صداقة و تعاون مع التنظيمات السياسية و المدنية.

3) الاعداد و التحضير للمشاركة الفعالة في المؤتمر الاوروبي المزمع عقده في باريس في غضون اواخر شهر ابريل و بداية شهر ماي المقبلين. لإفراز تمثيلية او اطار قانوني بديل عن التنسيقية الاوروبية التي نعتبر انها حققت اهدافها. و ضرورة بدأ العمل السياسي و الديبلوماسي من اجل الافراج عن المعتقلين و متابعة احقاق الملف المطلبي.

4) التنسيق مع الداخل من اجل خلق جبهة عريضة من مناضلين و مثقفين و أطر ريفية مع التشبث بقيادة الحراك المتواجدة حاليا بالسجن المدني بالدار البيضاء.

انتهى

الحقوني عبد المجيد

في 3 مارس 2018

طروا – فرنسا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.