قراءة في خطاب الملك محمد السادس في ذكرى 43 للمسيرة الخضراء

ألقى الملك محمد السادس يوم الثلاثاء 06 نوفمبر 2018 خطابًا بمناسبة الذكرى 43 للمسيرة الخضراء؛ التي دعا إليها الحسن الثاني سنة 1975 لتحرير الأقاليم الجنوبية للمملكة، لوضع حد للاحتلال الذي دام ما يناهز ثلاث أرباع قرن. لتبت بعدها محكمة العدل الدولية بلاهاي في ملف الصحراء، وتعلن بأحقية المغرب في صحرائه، وتؤكد على وجود روابط قانونية، وروابط بيعة متجذّرة كانت قائمة بين العرش المغربي وأبناء الصحراء. كما جاءت المسيرة لتضع حدًا فاصلاً مع منطق الحرب، ونبذ العنف الذي جاء نتيجة خطة المستعمر المتمثلة في إحداثها لحدود وهمية بهدف تعميق الفجوة واستمرار النزاع بين المغرب والصحراء الغربية.

ألقى عاهل المغرب خطابًا بمناسبة الذكرى 43 للمسيرة الخضراء، دعا فيه بشكل صريح إلى الحوار مع الجزائر، لتجاوز الخلافات التي تعيق تطور العلاقات بين البلدين، ولتجديد أواصر الأخوة والمصالح التي تربط بينهما منذ عقود، وذلك بإحداث آليات سياسية مشتركة للحوار والتشاور، والمطالبة بتطبيع العلاقات بين الجارتين.

أشار محمد السادس في خطابه كيف أن التفرقة والانشقاق الناشئ بين البلدين، لا يتماشى والطموح الذي كان يحفز جيل التحرير والاستقلال، الذي تجسّد في مؤتمر طنجة سنة 1958، وتتمثل أهم بنوده في: إقرار مبدأ تقديم مساعدات مالية للجزائر في حربها ضد المستعمر، وحق الشعب الجزائري الثابت في السيادة والاستقلالية، وكذا تصفية الاستعمار في المغرب العربي، إضافة إلى تحديد الشكل الوحدوي والمؤسسات الوحدوية[1].

كما يعود استحضار هذا الحدث التاريخي كآلية لتعزيز طرحه المتمثل في تجاوز الخلاف بين البلدين، مؤكدًا أن المغرب لعب دورًا أساسيًا واستراتيجيا على مدى التاريخ في دعم جبهة التحرير لحفاظ الجزائر على وحدتها الترابية، عكس الجزائر التي تخدم أجندات خارجية لا تخدم المصلحة الترابية للملكة المغربية.

ولعل الدوافع الكامنة وراء استحضار هذا الخطاب إبراز فضل المغرب في حفاظ الجزائر على وحدتها الترابية، تعود إلى عاملين أساسين؛ عامل خارجي: الذي يتجلى في دعوة الجزائر إلى الوقوف جنب المغرب بخصوص قضية الصحراء، بعد دخولها في قائمة أعضاء الوفود المشاركة في المائدة المستديرة حول القضية، المزمع انعقادها في جنيف السويسرية يومي 5 و 6 ديسمبر 2018 تحت إشراف هورست كولر[2]،

كما أكد ملك المغرب بصيغة ضمنية على ضرورة استغلال الجزائر لهذه الفرصة من أجل استرجاع أواصر الأخوة وتعزيز العلاقات بين البلدين، وفي المقابل يحذّرها من اتخاذ قرارات تروم المساس بالوحدة الترابية للبلاد، فبيّن أن عودة الملك إلى التاريخ وتوظيفه مع ما يتماشى وواقعه، إشارة إلى أحقيته في الحفاظ على الوحدة الترابية، وبواجب الجزائر الوقوف مع جارتها في الحفاظ على استقرارها.

أما العامل الداخلي؛ فيمكننا اختزاله في السعي إلى تشتيت الرأي العام للمغاربة، باستحضار المشاكل الخارجية وإهمال المشاكل الداخلية؛ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ حيث عرف المغرب في الآونة الأخيرة حركات احتجاجية شملت معظم مناطق المغرب تندد بالوضع المزري الذي يشهد تقهقرًا في مجمل القطاعات (الصحة، والتعليم، والشغل….).

زاوج الخطاب بين لغة تحاكي العاطفة، ولغة الصرامة والوضوح في أحايين أخر؛ بحيث تمثل الجانب الأول في استحضار المكون التاريخي الذي يبرز العلاقة الأخوية التي جمعت بين البلدين، إضافة إلى إشارته إلى ضرورة الحفاظ على رابطة الدم والقرابة، ووحدة الدين واللغة التي تجمع الشعبين، ويقول بصريح العبارة في هذا الصدد:”ومن هذا المنطلق، أود الوقوف على واقع التفرقة والانشقاق داخل الفضاء المغاربي، في تناقض صارخ وغير معقول مع ما يجمع شعوبنا من أواصر الأخوة، ووحدة الدين واللغة، والتاريخ والمصير المشترك”[3].

أما الصرامة والوضوح فتتمثل في تشديد الملك على عدم المساومة على الثوابت، وعلى بقاء الأطراف على التزامها بالمفاوضات من أجل الوصول إلى نهاية ترضي الطرفين، فاجتماع جنيف يجب أن يكون بداية لتجاوز هذه المعيقات وفتح باب لمستقبل جديد، يقوم على التعاون الدولي وتبادل المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا المساهمة في تفاقم الوضع بين الصحراء الغربية والمغرب، ولم يستثن في خطابه الدور الديبلوماسي لكل من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والإفريقي، في إيجاد الحل الأمثل لإنهاء النزاع؛ بحيث يقول: ” أن المغرب مستعد للحوار المباشر والصريح مع الجزائر الشقيقة، من أجل تجاوز الخلافات الظرفية والموضوعية، التي تعيق تطور العلاقات بين البلدين {…} أما الطموح، فيتمثل في تعاون المغرب الصادق مع السيد الأمين العام للأمم المتحدة، ودعم مجهودات مبعوثه الشخصي قصد إرساء مسار سياسي جاد وذي مصداقية{…}  أن نشيد بالقرارات الأخيرة لقمة رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي، المنعقدة بنواكشوط، وانسجامها مع المواقف والمبادئ الدولية ذات الصلة”[4].

أُلقي الخطاب بالفصحى عوض العامية، للدلالة على قوة الخطاب ومدى تأثيره على المتلقي. ونجد أنه قد وجّه إلى جهتين رئيستين: أولا؛ الحكومة الجزائرية، باعتبارها المالكة لقرار قبول أو رفض دعوة ملك المغرب للحوار، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال ثلّة من العبارات الموظّفة في الخطاب، تتمثل في:” الإخوة، الأصدقاء، الجيران، تربطنا أواصر القرابة، إن المغرب مستعد للحوار الصريح مع الجزائر، أقترح على أشقائنا إحداث آلية سياسية مشتركة للحوار…”[5]

نلاحظ أن الخطاب هنا يوظّف أسلوب الاستعطاف والتودد تجاه الحكومة الجزائرية، كآلية لاقتراح فتح باب أمام مستقبل جديد يقوم على الصراحة والوضوح، متجاوزًا لكل الخلافات والصعاب. ثانيًا؛ الصحراء الغربية: “القبائل الصحراوية على وجه الخصوص، التعامل بصرامة وحزم مع مختلف التجاوزات كيفما كان مصدرها التي تحاول المس بالحقوق المشروعة بالمغرب، نرفض كل أشكال الابتزاز والاتجار بقضية الوحدة الترابية للمملكة…”[6]؛ اعتمد الخطاب هنا على لغة صارمة، تتنقل بين التهديد، والمراوغة أحيانًا أخرى؛ إذ يعبّر الأسلوب الأول على الرفض التام (للبوليزاريو) المساس بالوحدة الترابية للملكة، ويستعطفهم بذكره لإنجازات المغرب داخل الجهة -الصحراء الغربية- وبتذكيرهم بأنهم جزء لا يتجزأ من الوطن المغربي.

وظّف عاهل المغرب مجموعة من الأساليب الحجاجية لدعم طرحه؛ أسلوب التأكيد:” أؤكد اليوم أن المغرب، أن نعترف بأن، وأؤكد أن المغرب منفتح، إنما هو نابع أيضا من اعتزازنا بانتمائنا للقارة، إننا حريصون على أن تعود…”، يؤكد على عدم المساس بالوحدة الترابية للملكة، واستعداده المستمر للحوار بغية الوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف. أسلوب المقارنة؛ يقارن الماضي بالحاضر؛ بحيث يستحضر أواصر العلاقة القوية التي كانت تربط بين العرش المغربي والمقاومة الجزائرية أيام الكفاح ضد المستعمر حتى الحصول على الاستقلال، وبين واقع التفرقة والانشقاق الحالي بين الجارتين، للدعوة إلى أن الوقت قد حان لعقد الصلح وتجاوز الخلافات التي تعيق تطور البلدين. أسلوب النفي:” لا يتماشى مع الطموح، لن ندخر أي جهد، لا ندخر، لم يكن فقط بهدف، لن نقبل بأي شراكة تمس بوحدتنا الترابية، لا يعني فقط تخليد حدث تاريخي…”، ينفي وجود أي إمكانية للمساس بوحدة الترابية للمملكة، كما ينفي أن يظل الوضع على حاله، ويدعو في المقابل إلى الإتيان بحلول بديلة تخدم مصالح الدول المغاربية.

ونجد ضمن الخطاب استحضار لنص تاريخي ذو بعد ديني” عملا بقول جدنا صلى الله عليه وسلم: ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه”[7]، يظهر لنا من خلاله أن المخاطِب يمارس أسلوب الإقناع مستخدمًا هذا النص كآلية لجعل الطرف الآخر(الجزائر) يقبل الحوار، ذلك أن الدين يمثّل نقطة مشتركة بين البلدين.
كما يحتوي على ضمير “نحن” الذي يحتمل التثنية والجمع لدخول غير متكلّم،ليفيد بالقرابة والاتحاد بين كل من الجزائر والمغرب، ومن جهة أخرى يفيد مخاطبة الأحزاب والجهات المعنية بالشأن المحلي في البلد، للعمل بمضامين الخطاب.

يستحضر الخطاب إنجازات الشعب المغربي في استرجاعه لطرفاية، وسيدي افني، ووادي الذهب، وهي أحداث تاريخية أبان فيها الشعب المغربي قاطبة والقبائل الصحراوية على وجه الخصوص عن اجماع منقطع النظير حول التشبث بمغربية الصحراء، للدلالة على عدم وجود امكانية تنازل الدولة المغربية عن الصحراء الغربية، كما يحتوي النص على إشارات ضمنية للقيام بمسيرة جديدة يقودها الملك والشعب إذا اقتضى الأمر للحفاظ على الوحدة الترابية ” وها نحن اليوم، نربط الماضي بالحاضر، ونواصل الدفاع عن وحدتنا الترابية، بنفس الوضوح والطموح، والمسؤولية والعمل الجاد، على الصعيدين الأممي والداخلي، ويتجسد هذا الوضوح في المبادئ والمرجعيات الثابتة، التي يرتكز عليها الموقف المغربي، والتي حددناها في خطابنا بمناسبة الذكرى الثانية والأربعين للمسيرة الخضراء. وهي نفس المرجعيات التي تؤسس لعملنا إلى اليوم”[8]

في الختام؛ اعتمد الخطاب على الأحداث التاريخية بغية تحقيق أهداف راهنة؛ بحيث عاد إلى الماضي ليذكّر المخاطَب ويبرز له العلاقة القديمة الأخوية التي جمعت بين الطرفين – الجزائر والمغرب- محاولاً بذلك التأثير على المخاطَب، من أجل قبول الدعوة إلى الحوار. ومن جهة أخرى، تعمّد ذكر ما قدّمه المغرب للجزائر عبر التاريخ من مساهمات، وذلك لتنبيه هذه الأخيرة بهفواتها المتمثلة بعضها في مساندة الصحراء الغربية.

نجده أيضا يستحضر النص التاريخي الذي يتخذ بعدًا دينيًا، ويستعمله كآلية إقناع، مستغلاً بذلك مكانة النص الديني في ثقافة البلاد، ومدى تأثيره على المتلقي. ليتبيّن لنا في الأخير توظيفه من الأحداث التاريخية مع ما يتماشى وأهدافه السياسية، ومن هنا نخلص؛ إلى أن الفاعل السياسي أدرك أن ضرورة استخدام النص التاريخي لا تقل أهمية عن توظيف باقي النصوص في البنية الداخلية للخطاب كآلية للتأثير في أكبر شريحة من المتلقين.

1- وزارة الشؤون الخارجية، جلالة المغفور له محمد الخامس كفاح من اجل الاستقلال ودعم لحركات التحرير الافريقية، الرباط، 2005، ص. 31.
2- أنظر الموقع: https://bit.ly/2AJwFSR
3- الموقع الرسمي لوزارة الثقافة والاتصال المغربية: https://bit.ly/2Qy97KH
4- المرجع نفسه.
5- المرجع نفسه.
6- المرجع نفسه.
7- المرجع نفسه.
8- المرجع نفسه.

بقلم: فريدة الزغاري و مريم الرئيس

اختتام الدورة العشرين للمهرجان الوطني للمسرح بتطوان

شقيق ربيع الأبلق: لماذا يحرم أخي من الادلة الخاصة بالمكالمات الهاتفية التي تثبت براءته؟