قراءة في تجربة بلاد الباسك للتضامن مع الريف

عبدالحق بوعزيز

تمهيد

انطلقت هذه التجربة اساسا من قناعة التاسيس لفعل نضالي جماهيري يتفاعل مع مستجدات الريف في إطار علاقاته الصدامية مع النظام و نضالات الشعب المغربي من جهة، و ممارسة الفعل النضالي،التعبوي و التحسيسي داخل المجتمع الباسكي لربح رهان معركتنا الحقوقية، الاجتماعيةالثقافية و السياسية من جهة ثانية و خدمة منا لقضية الريف في شموليتها.
فماهية طبيعة هذه التجربة و آليات اشتغالها؟ الى أي حد ساهمت هذه الحركة من موقعها في دعم حركات الاحتجاج في الريف ؟ و ما هي آفاقها محليا و اوروبيا؟

التأسيس : المنطلقات النظرية و التنظيمية

يعود تأسيس لجنة التضامن مع الريف ببلاد الباسك الى سنة 2012، السنة التي شن فيها النظام المغربي اللاديموقراطي حملة قمعية شرسة على مناضلي الريف، حيث راح ضحيتها العديد من مناضلي 20 فبرايير من بني بوعياش، كمحمد جلول، البشير بنشعيب…و اغتيال الشهيد كمال الحساني، و احراق الخمسة شبان في شباك البنك الشعبي في مدينة الحسيمة…هذه الوضعية المأساوية التي عاشتها جماهير الريف آنذاك شكلت حافزا اساسيا للتفكير في صياغة و تشكيل قناة تنظيمية، لتجسيد مبدأ التضامن و العمل على فضح ممارسات النظام الاجرامية في حق شعب الريف، في بلاد الباسك فكان الاعلان عن ولادة هذه التجربة.
تشكلت هذه التجربة بين مناضلين تقدميين، تجمعهم فكرة التضامن الميداني مع أهالينا في الريف، كبداية و كمنطلق من أجل التعريف بالريف تاريخا، ثقافة و هوية، لربح رهان التفاعل الاجابي للمجتمع الباسكي و قواه الحية مع قضايانا. هكذا اذن تم تنظيم اشكالا احتجاجية تضامنية مع معتقلي الريف، و تنديدا كذلك بمجمل السياسة الانتقامية للنظام تجاه آهالينا في الريف. و يجب تسجيل التجاوب التلقائي لآهالينا القاطنبن ببلاد الباسك مع جميع دعواة المشاركة في الوقفات الاحتجاجية و الاشكال النضالية الاخرى سواء امام قنصلية المغرب ببلباو، او المسيرة المشتركة مع منظمةSOS RACISMO. و الاشكال النضالية المتفرقة الاخرى.
و يمكن اعتبار التضامن مع الصحفي علي انوزلا اثر اعتقاله تماشيا و موجة التضامن الدولي آنذاك، و كذا الانخراط في مسيرات التضامن مع المعتقلين السياسيين الباسكيين و ربط علاقات نضالية و رفاقية مع هيآة المجتمع المدني سواء المركزيات النقابية الباسكية او احزاب اليسار و خاصة الحزب الرديالي الباسكي EH BILDU. و التضامن مع الشعوب التواقة الى التحرر (الشعب الكوردي مثلا) سواء التحرر الوطني او الاجتماعي تجسيدا ميدانيا لهذا التوجه الذي سيرسم مسار هذه التجربة في شموليتها و هو التوجه التقدمي و الاممي، نظرا لتقاطع قضايا تلك الشعوب مع قضيتنا في مواجهة التسلط و الديكتاتوري و عدم احترام حقوق الانسان في شموليتها و اشكالية الدموقراطية و تحقيق العدالة الاجتماعية…
ان منطلق تصور هذه التجربة ينبني استراتيجية العمل على تضمن و تجاوز كل اشكال العمل “الجماعي” الجمعوي الريفي “الكلاسيكي” الذي تأسس في بلاد الباسك والذي تميز غالبا بالنخبوية و الشخصنة، و تعامله الانتقائي و الاختزالي لقضايا الريف الراهنة و التاريخية، حيث لم تتجاوز بعض المستويات الفنية و الثقافية التي غالبا ما يتحكم فيها هاجس الربح او المردودية المادية عن المردودية السياسية أو الادبية، اي دائما يكون المقابل المادي حاضرا في كل الانشطة المنظمة، طبعا يكون جانب منها موجه لتغطية مصاريف تلك الانشطة، و الجزء الاخر موجه” لتنمية الجيب “، هذا اذا اضفنا عملية الفصل التعسفي بين الثقافي و السياسي، هذا الفصل سيكون هو السبب في تشويه كلا المستويين. هذا التشويه سيصاحب تجربة العمل الجمعوي ببلاد الباسك إلى درجة يستحيل الحديث عن تراكمات نوعية ما في هذا السياق لغياب النقاش الجدي و التأطير النظري المبني على النقد و طابعه الغارق في النخبوية طبعا بسبب نزوع مصلحي متحكم فيها، جعل من الصعب توسيع دائرة المساهمة البناءة في التجربة الجمعوية المحلية. و يعتبر غياب تصور للعمل لهذه التجربة و التي تعود الى عوامل سالفة الذكر من الاسباب التي جعلتها تنتحر، و تتحول الى جمعية استرزاقية بشكل فاضح مع مشروعها التنموي الجديد و الذي للاسف ولد ميتا و لم يستطيع الاستمرار بدون هوية واضحة. و يعتبر غياب الجانب الاحتجاجي و النضالي في هذه التجربة احد ركائز تصورها الذي لا يستسيغ أسلوب العمل الجماهيري.
و انصافا لهذه التجربة الجمعوية في بلاد الباسك يمكننا التأكيد على مساهمتها في وضع اللبنات الاولى للتعريف بالريف ثقافة و تاريخا في بلاد الباسك، طبعا تحتم علينا نقده و تجاوزه الى الفعل الشامل، و على مستويات مختلفة بدون الانسياق وراء المرجعيات الرسمية و ربط الممارسة الثقافية و النضالية بالمصالح الشخصية و العائلية، رغم فارق الامكانيات المادية بين تلك التجربة و التجربة الحالية التي نحن بصدد بناءها.

آليات الاشتغال

تشتغل لجنة بلاد الباسك للتضامن مع الريف وفق تصور واضح للعمل الجماهيري الذي يتأسس على عنصر المبادرة، التطوع و التنظيم، الغير الخاضر لاية قوانين تنظيمية مسطرة، بل لضوابط و اعراف مستمدة من روح تجارب العمل الحماهيري الهادف و المدعم من م رصيد كل المناضلين المساهمين فيها و بعدها الجماهيري الداعم. هذا المنطلق جعل منها تجربة متميزة داخل نسيج لجان دعم الحراك اوروبيا، لوضوح خطها التقدمي و الكفاحي المدعم و المساند لحركات الاحتجاج في الداخل و محليا. غير أن تميزها الاساسي يتجلى في بعدها الجماهيري و متضامنة و داعمة لكل الحركات الجماهيرية الاحتجاجية التي تلتقي في طرحها و نضالها على أرضية مطالب اجتماعية، اقتصادية، سياسية، ثقافية و حقوقية… و تناضل ضد سياسة النظام الاجرامية في حق الشعب المغربي عامة، و الريف خاصة. و هكذا يمكن اعتبار هذه التجربة رافدا من روافد الحركات الجماهيرية المناضلة، و التي لا تشتغل وفق مرجعية وحيدة، حيث يمكن اعتبار كل نضالات الجماهير الشعبية في اطار صراعها مع النظام و حلفائه و تجارب الشعوب المضطهدة في الكفاح الاجتماعي و السياسي ضد الانظمة الاستبدادية و الرأسمالية، تشكل مرجعا اساسيا لهذه التجربة و رأسمالها الرمزي.
انخرطت هذه اللجنة في موجة نضالات دعم الحراك الشعبي في الريف منذ الوهلة الاولى لانطلاقها، مباشرة بعد استشهاد محسن فكري، عبر وقفات احتجاجية، مسيرات، انشطة اشعاعية…مواكبة كل ذلك اعلاميا عبر نداءات، بيانات …هذا الانخراط لم تعترضه لا صعوبة الانطلاقة و لا المواكبة لتطورات سواء الحراك الشعبي في الريف او مختلف اشكال الدعم اوروبيا، نظرا للتراكم النسبي و الرصيد النضالي و التنظيمي الذي امتلكته منذ بداية تشكلها.
هذا التعاطي المبدأي مع حراك الريف، مطالبه، شهدائه و من ثم معتقليه أُعطيت له الاولوية في نضالاتنا و انشطتنا نظرا لحجم رهانات الجماهير عليه، و حجم التضحيات التي قدمها و يقدمها آهالي الريف، و كذا لدينامية الحراك و ما يخلفه من من انتاج معرفي و نقاش سياسي يلامس مسألة الهوية و تقرير المصير.
و انسجاما مع تصور و منطلقات التجربة النظرية و التنظيمية، فعلاقتها بالحراك الشعبي ليست علاقة تبعية او إلحاقية، بل هناك استقلالية في التعاطي معه، في صنع القرار، في الخطاب و في الانتاج المعرفي…في التنظيم، و بذلك يتم الحفاظ على طبيعة الحراك الشعبي و مطالبه و احترام تضحيات المعتقلين السياسيين و أهالي الريف. نعمل بذلك على توفير و ضمان تحصين الحراك من اية وصاية او ركوب ما، في نفس الان نسعى الى تحصين تجربتنا و تمتيعها بالقوة الاقتراحية اللازمة للمساهمة الفعالة في خلق شروط الدعم و التضامن. هذه الخاصية انتفت و تنتفي في مجموع تجارب حركات الدعم الاوروبية، نظرا لغياب مرجعيات واضحة،و بفعل تداخل و لبس في فهم إيواليات التنظيم، و الاكتفاء بمرجعية الحراك ( رغم أهميتها) جعل من بعضها ناطقا رسميا له، تابعة و منفعلة معه مما ادى و يؤدي الى انزلاقات قد تنعكس سلبا على الحراك الشعبي في الداخل، وجعل هذه التجارب نفسها تتماهى مع الحراك الشعبي في الريف رغم اختلاف الظروف و الشروط و الامكانيات، (لجان الحراك الشعبي في اوروبا). هذا النوع من” الذوبان” الغير البريئ، هو محاولة تجاوز الحراك الشعبي نفسه و مطالبه، الى طرح مطالب سياسية كحق تقرير المصير و الرفع من دورها الى مستوى حسم السلطة السياسية في المغرب، هذا الطرح المغامر سينتعش كثيرا خلال مجمل مراحل الحراك الشعبي، نظرا للتوظيف الفظيع للإرث المشترك عند الريفيين في مشاريع سياسية ضيقة و اللعب على الوتر الهوياتي، و يزيد من تهور هذا الطرح هو توجهه الاقصائي و العدائي للآخر المختلف معه يصل الى التخوين، و هذا المنحى الانغلاقي قد لا نجده حتى في الحركات اليمينية الاكثر تشددا.
و تجسيدا لمبدأية العمل الوحدوي التنسيقي المنظم انخرطنا في المبادرات التنسيقية
الاوروبية منذ بداياتها، توجناها بمساهمتنا القيمة في لقاء مدريد التاسيسي، باوراق عمل واضحة تتوزع عبر المحاور الاساسية المتعلقة ب التصور، القانون الاساسي، القانون الداخلي و برنامج عمل. و قمنا بمجهود كبير رفقة العديد من منتدبي اللجن لانجاح اللقاء رغم وجود نيات النسف و الافشال. نجاح اللقاء كان انتصارا للحراك و للريف عموما، رغم ضبابية بعض الخلاصات التي خرج بها و المتعلقة بالتنظيم و التي ساهمت الى حد كبير في تقزيم آدائها، قوقعتها و من ثم تمأزقها. و لا ننسى الدعاية المسمومة التي قدمت للتنسيقية الاوروبية من طرف ” التوجه الانغلاقي المغامر” الذي كان يبحث عن دور ما داخلها من أجل خدمة مشاريع سياسية تخصه هو و لا تخص الحراك الشعبي. و عندما تعذر عليه تحقيق مبتغاه انسحب من التنسيقية ليعمل على تشويهها و التمهيد لتأسيس اطار آخر (المنظمة)، ولد ميتا، نظرا لهشاشة و ضبابية البنية المعرفية، السياسية و الايديولوجية لهذا “التوجه”.

آفاق العمل

بداية يجب الاقرار ان هذه التجربة اعترضتها و تعترضها عقبات متعددة، تؤثر سلبا في آدائها التنظيمي و النضالي، و يمكن اختزال هذه العراقيل في:
– ضعف التعبئة وسط آهالينا في بلاد الباسك، على الرغم ما يلعبه الحراك الشعبي من دور في جذب المهجرين الى التضامن و الدعم عبر الخروج في المسيرات و المشاركة في الاشكال، الا انها لا زالت علاقة الجماهير مع اللجنة ضعيفة في صنع القرار، رغم محاولات اشراكها في ذلك نظرا لهزالة الوسائل الكفيلة بتأطيرها سياسيا و حقوقيا، و نضيف كذلك انشغالات المهجرين بالعمل و الحياة اليومية، سيساهم في تعقيد مسألة التوقيت المناسب للقيام بأنشطة تكوينية، ثقافية او نضالية.
– غياب هيكلة تنظيمية واضحة لاعتماد التجربة على التطوع و المبادرات، ستفتح المجال للاتكالية، و انحصار العمل داخل مجموعة صغيرة (النواة). مما يصعب عليها تقسيم المهام و الوظائف.
– قلة الموارد المالية، حيث يتم الاعتماد على التمويل الذاتي اثناء التحضير للاشكال…
– وصول بعض تأثيرات لدعاية اهدامة التي استهدفت بالدرجة الاولى عمل و تجربة لجن التضامن و الدعم اوروبيا، و بذلك تعمل جاهدة على “نسف” العمل الجماهيري المنظم.
– انفتاح التجربة على المجتمع المدني الباسكي، ما يزال في بدايته، و يمكن اخذ بعين الاعتبار العلاقات الاخيرة التي تم نسجها مع بلدية زالديبار و حزب EH BILDU، كتمهيد لعمل مستقبلي، يتحتم علينا تطويره و تعميمه مع باقي البلديات، و على مستوى المركزي للحزب. نفس التعامل ينسحب على علاقتنا بالمركزيات النقابية و الجمعيات المدنية، لتسهيل ايصال من نحن؟ و ماذا نريد؟ لقواعدها و لعموم الشعب الباسكي.
– تجربة التنسيقية الاوروبية وصلت الى بابها المسدود، يستحيل اعادة احيائها و تطوير عملهااذا لم يتم مراجعة طبيعة الذوات المشكلة لها، لان غياب التجربة و تصور واضح للعمل يقض من مضجعها، هذا وسط لاتنظيم قاتل و قوة اقتراحية مشلولة. و على هذا الاساس نرى ان هذه التجربة عليها ان تنخرط في فعل موسع اكثر، و تخضع لهيكلة واضحة اوروبيا، تعتمد على تقسيم الوظائف و المسؤولية.

خاتمة
تجربة بلاد الباسك للتضامن مع الريف، إضافة مهمة للعمل الجماهيري المنظم في اوروبا رغم بساطتها و تواضع امكانياتها، و هي كذلك تعكس رغبة جامحة نحو توحيد الجهود للتأسيس لحركة ديموقراطية، تقدمية في الدياسبورا، و يكون الريف نقطة محورية في أشغالها، دون عزلها عن اشكالية الديموقراطية، حقوق الانسان و العدالة الاجتماعية في المغرب.
و اعتقد ان تحصين هذه التجربة من التلوث الاديولجي و السياسوي الضيق و الهدام لن يتأتى الا بوضع هيكلة واضحة لها، وفق قوانين تنظيمية ديموقراطية تستهدف ضمان مشاركة جماهيرية ممكنة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.