قراءة في بلاغ الديوان الملكي ضد نبيل بنعبد الله

محمد المساوي

بعد أن أصدر حزب التقدم والاشتراكية بلاغه الذي يرد فيه على بلاغ الديوان الملكي الذي اتهم نبيل بنعبد الله بممارسة التضليل السياسي، هدأ شيئا ما النقاش الذي صاحبه وسقطت التخمينات، ويبدو أن الامر في طريقه إلى طي صفحة هذا الموضوع. لذلك اخترنا أن نقوم باطلالة متأنية على هذا البلاغ الذي نعتبره بلاغا مهما يحتاج إلى أكثر من وقفة، واخترنا أن نقوم بهذه الاطلالة بعد أن هدأ أوار النقاش الذي صاحب هذا البلاغ، الذي كان في أغلبه نقاشا لحظيا أقرب الى رد الفعل منه إلى النقاش الذي يستحضر سياق الكلام واسباب نزوله الحقيقية.

في هذا التحليل سنحاول استكناه مضمرات هذا البلاغ، والبحث في أسباب نزوله، وما الرسائل التي يروم توجيهها الى من يهمهم الامر.

بداية لا بد من التأكيد على أن هذا البلاغ يعدّ سابقة في تاريخ علاقة المؤسسة الملكية بالاحزاب، صحيح، يتم التذكير ببلاغ الديوان الملكي في عهد الحسن الثاني للدفاع عن وزير الداخلية انذاك ادريس البصري ضد امين عام حزب الاستقلال وقتئذ السيد امحمد بوستة، غير أن بلاغ الديوان الملكي في عهد الحسن الثاني كان في اساسه موجها للدفاع عن وزير داخليته اكثر مما هو موجه لتقريع امحمد بوستة، كما أن بلاغ الحسن الثاني لم يحاول التدخل في الشأن الداخلي لحزب الاستقلال، ولم يعتبر ما قاله بوستة يخصه هو فقط ولا علاقة لحزبه به، اذن ثمة اختلاف كبير بين مضمون البلاغين وكذا في الطريقة التي تعامل به كل واحد مع الواقع الحزبي بالمغرب. ولهذه الاسباب قلنا أنه بلاغ مهم يحتاج إلى وقفة وإلى قراءة متأنية له لاستخلاص الرسائل التي حملها، ولتحليل الاسباب التي دفعت الديوان الملكي للاقدام على هذه الخطوة.

المخزن لا يؤدب ابناءه ببلاغ موجهة إلى الرأي العام

من عادة المخزن أنه لا يؤدب أبناءه ببلاغ موجه الى الرأي العام، بل يقوم باستدعاء المعني بالامر ويتم توبيخه مباشرة، وربما قد يفرض عليه أن يغادر الساحة هروبا وطلبا للاستقالة، وقد يفرضون عليه أن يلتزم حديقة بيته لينفق ما تبقى من عمره في شذب الاشجار ومراقبة طيور الحديقة، ان كان الامر كذلك فمالذي دفع المخزن إلى اصدار بلاغ يرد فيه على أحد ابنائه البررة؛ نبيل بنعبد الله؟
الامر ينطوي على نوع من المفارقة لا بد من الوقوف عندها للبحث عن اسبابها، ماذا لو استدعى الهمة او اي احد من مستشاري الملك بنعبد الله وأبلغه أن الملك غاضب عليه وعلى تصريحاته وأن افضل شيء يمكن فعله لتجنب غضب الملك هي مغادرة الساحة الحزبية؟ هل ثمة عاقل قد يفكر او يظن أن بنعبد الله لن يقبل ذلك؟ مادام الامر كذلك فلماذا اللجوء الى هذا البلاغ؟
أغلب الظن أن البلاغ ليس المقصود به بنعبد الله ولا حزبه، وانما مقصود بها الحملة الانتخابية المقبلة، ومقصود منه توجيه انذار وتحذير الى الاحزاب التي ستشارك في هذه الانتخابات لكي تبتعد عن الحديث عن التحكم وعن فؤاد عالي الهمة خصوصا، ولكي تبتعد اخيرا عن اتهام حزب الاصالة والمعاصرة بأنه حزب الهمة وانه حزب التحكم.

والمقصود اساسا من هذا التحذير هو حزب العدالة والتنمية الذي يبني جزءا كبيرا من خطابه السياسي ومن حملته الانتخابية على مواجهة التحكم ومواجهة حزب الاصالة والمعاصرة، وهو الامر الذي يعطي لخطابات بنكيران صيتا واسعا لدى الناخبين، فلنتصور لو حذفنا موضوع التحكم والبام والياس العماري والتماسيح والعفاريت من خطاب بنكيران وقادة حزبه، فماذا سيقولون حينها في حملتهم الانتخابية؟ بكل تأكيد ستكون حملتهم الانتخابية فقيرة جدا فقر حصيلتهم الحكومية الكارثية على المستوى الاجتماعي.
الامر واضح اذن هو تحذير للبيجيدي ولباقي الاحزاب من استعمال خطاب مواجهة التحكم في حملتهم الانتخابية، وهو التحذير الذي تلقفه حميد شباط بسرعة، وقال يوم تقديم برنامج حزبه الانتخابي ان حزبه لم يتحدث يوما عن الدولة العميقة، يعني حميد شباط يقول ما مفاده “غي تهنا اسيدنا والله منجبدو التحكم على فمنا فالحملة الانتخابية”. يبقى البيجيدي كيف سيتصرف؟ وأغلب الظن ان ثمة احتمالين: إما أن يمضي حزب العدالة والتنمية في خطابه المعتاد، ويتصرف كما لو أن بلاغ الديوان الملكي لا يعنيهم. اما أن يحاولوا تخفيض منسوب خطاب مواجهة التحكم الى ادنى مستواياته، ويلجأون بين الفينة والاخرى إلى اللمز والغمز، والايحاء انهم ممنوعون حتى من الحديث عن التحكم.

 المواطنون يكرهون الهمة

يقول بلاغ الديوان الملكي في فقرته الثانية ما يأتي:”ومن الواضح أن هذا التصريح، الذي يأتي بعد تصريحات سابقة لا مسؤولة للسيد نبيل بنعبد الله، ليس إلا وسيلة للتضليل السياسي، في فترة انتخابية تقتضي الإحجام عن إطلاق تصريحات لا أساس لها من الصحة، واستعمال مفاهيم تسيء لسمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات، في محاولة لكسب أصوات وتعاطف الناخبين”. نقرأ في هذه الفقرة أن بنعبد الله يمارس التضليل السياسي عند حديثه عن ربط البام بفؤاد عالي الهمة، ونقرأ أن هذا الامر يسيء الى سمعة الوطن ويمس بحرمة المؤسسات ومصداقيتها، وأن ما قاله بنعبد الله يروم من خلاله كسب اصوات وتعاطف الناخبين؟؟
في الحقيقة ثمة ملاحظة لافتة سجلها ويسجلها العديد من المتتبعين، وهي أن القصر الملكي والوزارات السيادية المرتبطة به تتواصل بشكل سيء مع الرأي العام، وغالبا ما تخفق في تدبيج بلاغات واضحة ومباشرة، تتجنب مكر اللغة وامكانات التأويل، والنموذج الاوضح في هذه الفقرة، عندما اعتبر أن اتهام بنعبد الله للهمة مستشار الملك بدعم البام وممارسة التحكم يهدف من ورائه كسب اصوات وتعاطف الناخبين، بمعنى أن الناخبين يكرهون الهمة ويكرهون علاقته بالبام، والا كيف سيكسب تعاطفهم من يتحدث عن هذا الامر؟
البلاغ اعترف من حيث لا يدري أن ما يفعله الهمة في الحقل الحزبي المشتغل داخل النسق المخزني هو فعل مذموم وغير مقبول من طرف المواطن، والسؤال إن كان القصر يعرف هذه الحقيقة فلماذا هو مصرّ على الاستمرار في هذه اللعبة بكل الطرق؟ وإلى أين يريد الذهاب في معاكسة رغبة المواطنين التي يعرفها جيدا كما فضحه بلاغ الديوان الملكي؟

لا احد يتصرف خارج توجيهات الملك

كان لافتا في البلاغ أن اكد بشكل قاطع أن مستشاري الملك لا يتصرفون بشكل انفرادي او معزول بل كل ما يقومون به يأتي بتعليمات سامية محددة وصريحة من الملك، وفي هذا رد مباشر على البيجيدي ايضا الذي يحاول أن يلعب على وتر عزل الملك عن محيطه حينما يوحون في خطابهم السياسي ان التحكم يمارسه الهمة بغير رغبة الملك، وان الهمة هو الذي يعرقل عمل الحكومة عبر ادواته بعيدا عن علم الملك، البلاغ جاء حاسما ليقطع الشك باليقين ويقول أن كل ما يقوم به الهمة وغيره من مستشاري الملك يقومون به بتوجيه من الملك وبتعليمات محددة وصريحة منه. وليقول أيضا أن كلّ مس بالهمة او غيره هو مس بتوجيهات وتعليمات الملك.

التدخل في الشأن الحزبي الداخلي

في الفقرة الاخيرة من البلاغ يرد ما يأتي: “الجدير بالذكر أن هذه القضية لا تخص إلا صاحب التصريحات، وليست لها أي علاقة بحزب التقدم والاشتراكية، المشهود له بدوره النضالي التاريخي، وبمساهمته البناءة في المسار السياسي والمؤسسي الوطني”، يعني ان الديوان الملكي يقول ويشهد أن تصريحات بنعبد الله هي تصريحات شخصية وليس هو موقف الحزب؟ وفي تقديرنا هذا تدخل واضح في الشأن الحزبي، اذ كيف عرف الديوان الملكي أن ما قاله بنعبد الله لا يخص الحزب؟ أليس هذا تدخلا في شؤون الحزب الداخلية، وهذا ما أكده بجلاء بيان المكتب السياسي للحزب حينما اعتبر ما صدر عن بنعبد الله هو موقف الحزب وأن الاخير هو الناطق الرسمي باسم الحزب وامينه العام. هنا وضع البلاغ الديوان الملكي والمؤسسة الملكية في موقف محرج، كيف تقول هذه المؤسسة أن ما يقوله بنعبد الله هو موقف شخصي؟ والواقع ليس كذلك، ألا يُعتبر هذا تدخلا واضحا في الشأن الحزبي الداخلي ومحاولة التأثير على اعضاء الحزب للتبرؤ من تصريحات بنعبد الله؟
واضح أن بلاغ الديوان الملكي سقط سقطة مدوية في هذه النقطة بالذات، وبين أن القصر الملكي ليس فوق الاحزاب كما يقول الملك في خطبه، بل إن الواقع عكس ذلك، فهاهو بلاغ الديوان الملكي يعاكس خطب الملك ويظهر المؤسسة الملكية أنها متورطة في الشأن الحزبي من خلال محاولة التدخل لعزل امين عام التقدم و والاشتراكية عن حزبه.

خلاصة:
تأسيسا على ما سبق يتبين لنا بوضوح أن القصر الملكي ما زال يتواصل بطريقة تقليدية لا تستوعب متغيرات الواقع، لذلك فأغلب البلاغات التواصلية مع الرأي العام تسقط في مفارقات فجة يكتشفها المواطن العادي وما بالك بالمتتبعين ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، كما يؤشر هذا البلاغ عن مدى التسرع والتردد الذي يطبع عمل المخزن في الساعة الاخيرة لانتخابات 7 أكتوبر، والذي يراهن من خلالها على تنزيل رغبته وليس رغبة المواطنين والناخبين. فظاهر أن المؤسسة الملكية تريد وتتملكها رغبة في انهاء مرحلة تربع حزب العدالة والتنمية على رئاسة الحكومة، فكل المؤشرات، منذ ظهور نتائج انتخابات شتنبر السنة الماضية، تصب في خانة واحدة هي انهاء مرحلة العدالة والتنمية وفسح المجال امام حزب الاصالة والمعاصرة ليأخذ بدوره رئاسة الحكومة، وهذه الرغبة ليس منبعها الخوف من البيجيدي ولا من سياسته بل شعور من النظام أن هذا الحزب استنفذ دوره وعليه أن يرحل ليترك المجال للبام ليظفر بدوره برئاسة الحكومة، كما سبق أن فعل مع حزب الاتحاد الاشتراكي الذي قاد حكومة التناوب، وبعد ذلك تدخل الملك شخصيا ليمنع الحزب من ترؤس الحكومة لولاية ثانية، وعين ادريس جطو مكان عبد الرحمان اليوسفي رغم أن حزب هذا الاخير هو الفائز بالانتخابات. عندما انهى الملك مرحلة تربع الاتحاد الاشتراكي على الحكومة لم يفعل ذلك لأن الاتحاديون كانوا سيذهبون الى توسيع الهامش الديموقراطي ولا إلى تكريس دولة الحق والقانون، بل فعل ذلك لأن دورهم بالنسبة إليه انتهى.
هذا الامر لم يعد مقبولا في ظل دستور 2011، لا يمكن للملك أن يعين رئيسا للحكومة من غير الحزب الذي سيفوز بالانتخابات وإلا سيكون بصدد خرق واضح للدستور، لذلك التجأ إلى اساليب أخرى لانهاء مرحلة حكومة البيجيدي، في اطار فرض التناوب على رئاسة الحكومة وفق رغبة الملك وليس رغبة صناديق الاقتراع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.