قراءة في إضراب 29 أكتوبر.

   بغض النظر عن الأرقام، وأيا كانت نسبة الاستجابة للمشاركة في إضراب 29 أكتوبر، فإن المؤكد هو أن هذا الموعد الاحتجاجي كان ناجحا بامتياز، وذلك بالنظر إلى حجم التوافق الذي عبرت عنه مختلف الأطياف والتلوينات النقابية والسياسية التي انخرطت في الإضراب… وهو ما يبعث برسالة قوية لحكومة ابن كيران التي أصبحت سياساتها الاقتصادية والاجتماعية تساهم في اتساع دائرة السخط والرفض، وتوحد الأطراف المعارضة لها يوما بعد يوم… وبالرغم من موقف اللامبالاة الذي تظهره الحكومة في محاولاتها المستمرة لتبخيس الحركات الاحتجاجية النقابية، فإن الإضراب العام الإنذاري سيكون نقطة تحول مهمة في مسار الحركة النقابية ببلادنا، لأنه على الأقل نجح في تكسير حاجز الخوف الذي تحكم في الوجدان العام لجيل بأكمله بعد الأحداث الدامية التي رافقت آخر إضراب وطني عام من هذا المستوى في 14 دجنبر1990.

   موعد 29 أكتوبر هو بمثابة إعلان عن نهاية فترة السلم الاجتماعي التي انخرطت فيها النقابات بشكل أو بآخر منذ تنصيب حكومة التوافق الأولى، وقد دفعت التشكيلات النقابية الثمن غاليا بسبب سلوكها المهادن الذي امتد طويلا. لذلك يمكن القول أن هذا الإضراب الإنذاري قد يكون مقدمة لمصالحة هذه النقابات للطبقة العاملة التي فقدت ثقتها في النضال النقابي بشكل عام. لكن تحقيق هذه المصالحة يتطلب ثورة حقيقية في الخطاب والسلوك النقابيين على مستوى الديموقراطية الداخلية، وفي التعاطي الإيجابي المترفع عن التجاذبات السياسية في الدفاع عن مطالب العمال. ولأن نجاح الفعل النقابي في مراكمة المكتسبات وتحسين أوضاع الطبقة العاملة لا يخدم هذه الفئة وحدها، بل يمتد تأثيره إلى النسيج المجتمعي بشكل عام، فإن اهتمامات النضال النقابي ينبغي أن لا تظل منحصرة في تمثيل العمال فحسب، بل ينبغي لها أيضا الالتفات إلى الذين لا صوت ولا سند لهم ممن يكابدون المشاق للحصول على لقمة العيش، وقد لا يجدون إليها سبيلا.

   تدرك الحكومة جيدا أن رؤيتها الإصلاحية والتدبيرية لبعض الملفات الكبرى المطروحة لا يمكن أن تمر دون مقاومة، لكنها مع ذلك تستمر في نهج سلوك النعامة ضاربة بعرض الحائط كل التزاماتها وتعهداتها الانتخابية، وهي تحاول أن تعوض عجزها وفشلها في مقارعة ومحاربة الفساد والريع بإجراءات تضر بالمستضعفين والفئات المقهورة. وعندما تتعبأ النقابات للاحتجاج تسارع الحكومة إلى اتهامها بتهديد الأمن الاجتماعي للمغاربة. غير أن هذا الاتهام لم يعد مجديا بعدما نجح الإضراب العام في عبور محطة 29 أكتوبر بكل مسؤولية وبدون أية تجاوزات تذكر. وهذا يعني أن مضي هذه الحكومة قدما في سياساتها اللاشعبية التي أثقلت كاهل جيوب المغاربة، هو الذي بات يهدد اليوم أمنهم الاجتماعي ويصيب قدرتهم الشرائية في الصميم. واستمرار هذه السياسات من شأنه أن يرفع درجات الاحتقان الشعبي. ومن تم فإن هذه المحطة النضالية ليست عادية أبدا، لأنها أكدت – من خلال الانخراط الواسع في الإضراب – أن الموقف الرافض للتوجه الحكومي لا تحركه حسابات سياسية ضيقة كما تدعي حكومة ابن كيران دائما كلما تعلق الأمر بحراك احتجاجي من هذا القبيل.

   إن الموقف الشعبي الرافض بالواضح أو بالمرموز للإجراءات والتدابير الحكومية في ما يرتبط بمتطلبات الحياة اليومية لا يمليه أي انتماء سياسي، وإن كان عاديا جدا أن يحاول بعض الانتهازيين ركوب الموجة لتحقيق مكتسبات خاصة… لأن الهاجس الحقيقي للمواطن المغربي البسيط بات اليوم يتمثل في حاجياته اليومية التي تحفظ له العيش الكريم. وهواية الحكومة المتمثلة في ترديد الأرقام والتغني بالإنجازات ليست إلا محاولة لتضليل المغاربة وإمعانا في استغبائهم، وهي لن تنجح في ذلك حتما، لأن كل أرقامها لن يكون لها معنى ولا تأثير ما دامت لا تنعكس بإيجابية على المعيش اليومي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.