قبيلة ايت يطفت : تحرير التاريخ للتحرر من وطأته

 عرفت الانتخابات الجماعية الأخيرة بجماعة اسنادة/قبيلة ايت طفت بإقليم الحسيمة سخونة غير مسبوقة، أفرزت ولأول مرة رئيس خارج جبة الزاوية الوزانية وتحت يافطة حزب الاتحاد الاشتراكي، هذه البلدة التي تحكم الوزاني عبدالعزير في مجالسها لأكثر من أربعين سنة ومن دون معارضة تذكر. لأول مرة في تاريخ المنطقة تعدد الصراع بين أحزاب عدة، من دون ترقى للمنافسة السياسية، بل أخذت منحى صراعات عائلية أثرت بشكل سلبي على التلاحم الاجتماعي بين المداشر المشكلة للدوائر الانتخابية. ويرجع سبب في ذالك للفراغ الذي تركه الرئيس الأبدي” الوزاني عبد العزيز” ، بحيث كانت تتم العملية الانتخابية في عهده عن طريق المبايعة والتبرك، ولم يسبق لسكان المنطقة أن استأنسوا بثقافة الصراع الانتخابي إلا نادرا.

متاهة هذا الصراع لم تقف عند حدود بعض ساكنة المنطقة لانغلاق بنية بعض العائلات الممتدة، وتدني مستوى الوعي والأمية وغيرها من الأسباب المفهومة. بل امتدت ارتداداته لتشمل بعض أبناء المنطقة المحسوبين على نخبتها المتعلمة والمهتمة بالشأن العام محليا ووطنيا، بل حتى دوليا. بدأت الحكاية عندما كتب سعيد العمراني مقالا “قبيلة ايتي طفت/جماعة اسنادة الحسيمة: انتخابات أول رئيس خارج الزاوية الوزانية” حاول فيه أن يقوم بجرد تاريخي لتاريخ الانتخابات بالمنطقة وكيف كان الوزاني يتحكم في هندستها، مختتما مقاله برأيه بخصوص طبيعة التحالفات المشكلة للمكتب الجماعي الجديد باسنادة. فجاء الرد سريعا عبر مقال موقع باسم مستعار”محمد الحداد” هاجم فيه مقال سعيد العمراني وقام بتخوين عائلة كاتب المقال إبان أحداث 59، وبعدها عندما استأثر الوزاني بالمنطقة لعهود طويلة.

فتوالت الردود وخرجت عن لباقتها الأدبية لتتحول “للمعيور” وتصفية حسابات أضرت بصورة أبناء المنطقة وتاريخها. وإذا كانت ايت طفت في أمس الحاجة لكل أبنائها من مواقعهم المختلفة، وأماكنهم المتفرقة لإعادة ترميم ذاكرتها التاريخية، بل وحتى معالمها الأثرية المهمة الآيلة للاندثار والذي ضاع منها الكثير من قبيل( قصبة آيتي طفت، عين تلا بادس، الأكاديمية العسكرية ومآثر مدينة بادس التاريخية ..) ، والتفكير في سبل النهوض بالمنطقة تنمويا وثقافيا، و كذا المطالبة برفع التهميش المتعمد الذي طال المنطقة لعقود طويلة، في المقابل تبقى في غنى عن مثل هذه الحروب الصغيرة التي قد تساهم حتما في تنفير كل المهتمين والغيورين على المنطقة، وترسم معها صورة سلبية على نخب ايت يطفت المفروض فيها أن تكون نموذجا يحتذى به ، تتعالى عن كل النعرات العائلية الضيقة، وتعمل على توجيه أنظار الساكنة نحو مكامن الخلل والفعل الإيجابي.

شاطئ بادس

شاطئ مدينة بادس التاريخية

تاريخ المنطقة غني بأحداث ومحطات تاريخية مفصلية في تاريخ الريف، من قبيل ترتيب محمد بن الكريم الخطابي لعملية تسليم نفسه لفرنسا بالزاوية الوزانية باسنادة، وانتفاضة 59 والسيطرة على سلاح الجيش بالقصبة وبعدها المواجهات المسلحة المباشرة، واعتماد القصر عبدالعزيز الوزاني أحد أعيانه الأساسيين بالريف لمدة طويلة، وحاجة المنطقة لمشروع بحث تاريخي أركيولوجي بخصوص مدينة بادس التاريخية. وتبقى مساهمة سعيد العمراني بتدوين شهادة والده حول أحداث 59، سبقا مهما وخطوة في الطريق الصحيح كان يجب أن تتلوها مجهودات لجمع كل ما تبقى شهادات حية صامتة عاشت الحدث التاريخي والتوصل للمسكوت عنه في الحكاية، هذه العملية التي تدخل فيما يعرف بكتابة التاريخ من أسفل، ومشاركة قطاع أكبر من المجتمع في إنتاج التاريخ، وهي مجالات جديدة بالمعرفة التاريخية.

بادس

شاطئ مدينة بادس التاريخية

طبعا للرواية الشفاهية محدوديتها في كتابة التاريخ، لنسبية حقائقها وتضاربها في أغلب الأحيان، لكنها تبقى مهمة قد تساهم بشكل أساسي في تحرير تاريخ ماسمي ب”عام الجبل” ،لانعدام الوثائق وعدم رفع الدولة اليد على ما لديها أرشيف يهم الأحداث المعلومة. الاتهامات الأخيرة بالتخوين والعمالة وغيرها من النعوتات المتبادلة، لن تساهم إلا في تنفير الجميع من الاهتمام بمستقبل ايتي طفت وتاريخها، ويدفع كل مهتم للتردد والتراجع من الخوض في تاريخ المنطقة، وكان على كل مهتم أن ينبش في ملفات ومشاريع تم تفويتها تحت يافطة الذاكرة والتاريخ، فمن استفاد مثلا من تعويضات جبر الضرر الجماعي التي تجاوزت 100 مليون غير جمعيتين لا علاقة لها لا بالتاريخ ولا الجغرافيا، استفادت من ميزانية مشروعين لم يظهر له أثر، ولم يستفد منه قط أبناء ضحايا الانتفاضة.

صورة الصدارة: قصبة ايت يطفت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.