فِيلْم كَازَابْلاَنْكَا.. قصيدة حبّ مصوّرة

ثلاثة وسبعون حولاً مرّت على تاريخ ظهور شريط كازابلانكا، هذا الفيلم الأسطوري الذي عُرض لأوّل مرّة عام1942، وما إنفكّت تزيده الأيّامُ، والسّنون إشعاعاً وتألّقا، وبهاءً ورونقاً، وذيوعاً وإنتشاراً… قام ببطولته الممثّلان العالميان همفري بوغارت وإنغريد بيرغمان، وما زال يُلهب مشاعرَ المشاهدين، ويحرّك لواعج عشّاق الفنّ السّابع فى مختلف أنحاء المعمور، وينال إعجابَ الناس وإقبالَهم عليه بشكلٍ ليس له نظير فى مختلف فنون الخلق والإبداع الأخرى. حتى أصبح هذا الفيلم فى عُرف بعض النقّاد، بمثابة كِتَاب السّينما المعظّم في تاريخ هذا الفنّ السّاحر والجميل.
يتساءل الناقد السّينمائي الإسباني خابيير كورتيخو: كيف يعقل أنّ فيلماً كُتِب بطريقة عفوية إرتجالية، قد تحوّل إلى كتاب السّينما المعظّم، وكيف يُمكن لفيلم وُلد من رحم، أو إنبثق من بوتقة عملٍ مسرحي، إذ هو مستوحىً من مسرحية الجميع يؤمّ مقهى ريك لموراي بارنيت وجون أليسون، كيف أمكن له أن يتحدّى مرور الزّمن، وإنسياب الأعوام، وأن يتأقلم مع مختلف تقاليع الموضة، والتيّارات المستجدّة، والميولات المتواترة، في كل عصر ومصر، بل وأن يتجاوز بعضَ التأويلات الملتوية ليخلد فى ذاكرة تاريخ السّينما فى العالم..؟ كيف أمكن لموسيقاه أن تظلّ خالدةً لا يمرّ عليها الزّمن، ولا تطولها آفة النسيان؟ وكيف أمكن لنبل المشاعر، ونبض الأحاسيس التي تترى، وتتوالى من دون رتابة أوسأم أو ملل فى هذا الشريط أن تظلّ نصبَ أعيننا إلى اليوم؟ كيف أمكن لوجه إنغريد بيرغمان الصّبوح أن يمكث مشعّاً وضّاءً، سمحاً، وساحراً، وجميلاً على مرّ السنين؟ الأمر يبدو كما لو كان قد أصابته مسحة، أو مسّه مسٌّ من سرّ أو سحر، أو غلفته معجزة مّا. ماذا وراء هذه الفُرجة المرئيّة الحالمة المثيرة؟ هذه الميلودراما التي تحفل بالومضات المُشعّة، والجُمل الجميلة، والفقرات الطليّة التي لا يُمكِن محوُها من الذاكرة، والتي لا نكلّ، أو نملّ، أونتعب، أو نشبع من مشاهدتها، أو تردادها المرّة تلو الأخرى. ربّما هذا هو السّبب الذي حدا بالعديد من النقاد، والدّارسين، والمشتغلين بالسينما فى العالم عند حديثهم عن هذا الفيلم، وعن النجاحات الكبرى والباهرة المتكرّرة والمتوالية التى حصدها على إمتداد العقود السبعة التي مرّت عليه، إلى القول، والتساؤل : أليس حريّاً بأن يُصبح هذا الفيلم فى عُرفهم تراثاً إنسانياً للبشريّة جمعاء..؟

إجتماع الأضداد 
يُعتبر فيلم كازابلانكا من أجمل الأفلام الفريدة في تاريخ السينما الأميركية، التي جسّدت الرومانسيةُ الحالمةُ فيه قصّةَ حبٍّ عارمةٍ إبّان الحرب العالمية الثانية، وقد جمع الشريط بين نعومة إنغريد بيرغمان ورقّتها، وغلاظة همفري بوغارت وخشونته، وأصبحت من الجُمل، والتعابير العديد التي نطقها البطلان في الفيلم تشكّل إرثاً حيّاً في الثقافة اللغوية الشعبيّة داخل أميركا وخارجها، مثل عبارة :إعزفها يا سام، أو عبارة: دائما تبقى لنا باريس ، فقد دخلت هذه الجُمل والتعابير واستقرّت في لغة الإستعمال اليومي في العالم الناطق باللغة الإنكليزية، بل إنّها إنتقلت إلى سواها من اللّغات الأخرى. وأصبح لها كيانا أو هويّة لغوية ذات دلالات خاصّة بها بعيداً عن سياق إستعمالها في الشريط، ففي مناسبتين مختلفتين ومتباعدتين من الفيلم يطلب البطلان من سام ديلي ويلسون كلُّ واحدٍ منهما على إنفراد عزف المقطوعة الموسيقية السّاحرة نفسها إنسياب الزّمن أو مروره على البيانو الذي يتوسّط مقهى ريك في قلب مدينة الدار البيضاء المغربية. ففي المناسبة الأولى تطلب البطلة بيرغمان من سام العزف، كما ترجو منه بأن يغنّي إستذكاراً وإستحضاراً للزّمن الجميل الذي مضى، وانقضى وذهب، وولّى ولن يعود. وفي مناسبة أخرى يطلب البطل بوغارت من سام عزف المقطوعة ذاتها، حيث قال له وهو يستشيط غضباً: لقد عزفتَها لها، والآن عليك أن تعزفها لي أنا كذلك، إذا كانت قد إستطاعت أن تتحمّل ثقلَ الوطأة عليها، فأنا بمقدوري أن أتحمّل ذلك أيضا. ثم تنطلق الموسيقى تصدح منسابة في فضاء، وجنبات المقهى الكبير.

دائماً تبقى لنا باريس..! 
ومن أشهر العبارات التي ما فتئت تُستعمل جيلاً بعد جيل، وتلوكها الألسنُ حتى اليوم عبارة: ودائما تبقى لنا باريس!، التي تُستعمل كنايةً عن اللحظات الحلوة، والهنيهات السعيدة المعاشة، وهي العبارة التي ينطق بها ريك بوغارت الى إلسَا بيرغمانعندما يهمّ، ويتقدّم لوداعها معبّراً عن حسرته، وحيرته، وألمه لفراقها، لفراق هذا الحبّ المستحيل الذي نما وترعرع في فرنسا في ظروف وملابسات صعبة ومريرة إبّان غزو النازيين لهذا البلد حيث تعرّف البطلُ على خليلته في عاصمة النّور باريس. وكانت إِلْسَا تشعر بالحيرة، والتردّد، والضياع بين حبّها لزوجها زعيم المقاومة التشيكية، وتعلقها بريك.
لقد صنّف معهد السينما الأميركية في مناسبات عديدة سبع مرّات فيلم كازابلانكا ضمن قائمته كأحسن الأفلام التي تضمّنت أجملَ العبارات، وأرقّ الجمل في تاريخ السينما الأميركية وفي مقدّمتها عبارة إعزفها يا سام، بل إنّ المخرج وودي آلن قد وضع فيلماً عام 1972 يحمل عنواناً بهذه العبارة نفسها، حيث يتلقّى البطل في هذا الشريط النصائح من همفري بوغارت خيالي. إلاّ أنه أوردها كما يلي: إعزفها مرّة أخرى يا سام.
الرومانسية الحالمة 
كازابلانكا كان يبدو في البداية كشريط يدور موضوعه عن الحرب والجاسوسية لإثارة الحماسة وتأصيل وبثّ حبّ الوطن لدى المواطنين الأميركان في زخم الحرب العالمية الثانية، حيث يظهر البطل بوغارت وكأنّه في البداية لا يريد أن يحشر نفسه في هذا النزاع إنطلاقاً من مدينة الدار البيضاء كازابلانكا، إلاّ أنه في الأخير يتخلّى عن محبوبته لصالح مناهضة الفاشية.
على الرّغم من مضمون الشريط الأيديولوجي ومحتواه الحربي إلاّ أنّ فيلم كازابلانكا يتذكّره الجميع كفيلم يدور موضوعه عن الرومانسية الحالمة، وعن تباريح الجوى، والصّبابة، والحب الشفيف، وكأنّ الفيلم قد غدا قصيدة حبّ مصوّرة يحفظها العشّاق عن ظهر قلب وعن ظهر عين! من جيل إلى جيل فة مختلف أنحاء المعمورة. فلا عجب إذن إذا إحتلّ هذا الفيلم الرتبة الأولى في قائمة المعهد الاميركي للسينما كأعظم قصّة حبّ في تاريخ السينما الأميركية.
كما يحتلّ هذا الشريط المرتبة الأولى كذلك كأحسن سيناريو سينمائي حسب نقابة كتّاب السيناريو في الولايات المتحدة الأميركية، فقد تفوّق كازابلانكا حتى على أفلام عالمية شهيرة مثل العرّاب وتشاينا تاون ومواطن كين. وشريط كازابلانكا هو من إخراج مايكل كرتيز، حصد ثلاث جوائز الأوسكار منها أوسكار كاحسن فيلم، وأحسن إخراج، وأحسن سيناريو، حتى وإن لم يحصل أيٌّ من الممثلين العمالقة الذين شاركوا فيه على هذه الجائزة الكبرى في عالم الفنّ السابع.
وفي مناسبة مرور سبعين عاماً ونيّف على هذه التحفة السينمائية الرائعة، كانت قد أقيمت في الولايات المتحدة الأميركية خلال السنوات الأخيرة فعاليات الإحتفال بهذه الذكرى، وذلك بعرض فيلم كازابلانكا في ظروف مشابهة للمرّة الأولى التي عُرض فيها الفيلم عام 1942، كما تمّ تقديمه في مسرح وارنر التابع لمتحف التاريخ الأميركي بواشنطن. وكانت مؤسّسة وارنر بروذرس قد أخرجت طبعة خاصّة جديدة محدودة من هذا الفيلم، وطرحتها في مختلف المدن الأميركية مصحوبة بشريطين وثائقيين حوله تمّ عرضهما في الأسواق لأوّل مرّة كذلك. بالإضافة إلى كتيّب فنّي يتضمّن صوراً ومشاهدَ، ولقطات، لم يسبق رؤيتها من قبل حول هذا الفيلم.

رِيكْ من جديد 
المقهى الأسطوري ريك، الذي دارت بداخله أحداث كازابلانكا، لم يعد خيالاً في عقول الذين شاهدوا هذا الفيلم الأميركي منذ ثلاثة وسبعين سنة خلت واستمتعوا به، بل إنّ هذا المقهى قد أصبح حقيقة ماثلة نصب أعيننا، بعدما قرّرت مواطنة أميركية تدعى كاثي كريغر عام 2004 إفتتاح مقهى كبير في قلب مدينة الدار البيضاء يحمل الإسم نفسه. وكانت هذه المواطنة الأميركية تعمل من قبل بسفارة بلادها في المغرب، وبعد إنتهاء مهمّتها في السلك الدبلوماسي قرّرت القيام بهذه المغامرة الإستثمارية الكبرى التي كلفتها ما يناهز المليون دولار.
المقهى الذى رآه المشاهدون في الفيلم كان قد أقيم في الحقيقة في أحد إستوديوهات هوليوود. وكان السيّاح الأوروبيون، وبشكل خاص الأميركيين، الذين يزورون الدار البيضاء، لا يجدون أثراً لهذا المقهى للإستمتاع بأجواء هذا المكان السّحري الحالم الذي رأوه في الفيلم وهاموا به، وها هي ذي الأسطورة تصبح حقيقة، وها هو ذا مقهى ريك الجديد قد عاد وفتح أبوابَه مرّة أخرى على شاكلة المقهى القديم ونمطه وديكوره، محتفظاً بأجوائه، ورونقه، وبهائه، وأصبح يؤمّه العشرات من الزوّار كلّ يوم، ولا عجب إذا كان معظم زوّاره، أو روّاده يتألّفون فى المقام الأوّل من المواطنين الأميركيين، كما يؤمّه كذلك زوّار من جنسيات أخرى من مختلف أنحاء العالم.

_ كاتب مغربي، عضو الأكاديمية الإسبانية – الأميركية للآداب والعلوم كولومبيا.

المصدر: الانوار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.