في نقذ الهوية النمطية الاحادية.

النظريات الكبرى السوسيو- ثقافية التي تركز على الانتماء الاوحد للاشخص والاقتصار فقط على جوانب أحادية دون غيرها من هوية الانسان خاصة تلك النظريات التي تصنف الناس إلى فئات بذاتها “مسيجة” داخل هويات جاهزة ,وإلى ديانات معينة “جامدة”, أصبحت في السنوات الاخيرة موضة إعلامية وثقافوية تستهوي أوساطا واسعة محافظة في الغرب الرأسمالي, و تيارات تقليدية في البلدان المسماة إسلامية. النظرية الاحادية المنغلقة للهوية الانسانية التي تقوم على التمييز القسري والاصطناعي بين الافراد وتعليبهم داخل علب هوياتية منغلقة وضمن معاير وصفات جاهزة موحدة مطلقة وأزلية, لها تأثير سلبي لا يمس فقط الافراد بحرمانهم من اختيار حر وواعي لهوياتهم. بل يمتد لتوجيه الاختيارات الجوهرية على المستوى الاجتماعي, العمل السياسي, والسياسات العمومية نحو التصادم وصناعة العنف و الخوف , وخير تجسيد لتلك النظريات هي التيارات الاسلامية وأخواتها من التيارات المحافظة الانكلو-سكسونية- لا نستغرب إذا وجدنا ان الناطق الرسمي باسم الحكومة الملتحية المغربية الوزير الخلفي من أشد المعجبين بالحزب الجمهوري الامريكي- و لدى نخبة أوربية مؤثرة.

الهوية حسب التيارات الاسلامية

الاحزاب والجماعات الإسلامية تركز على الجانب القبلي الديني في تعريف العالم و تصنيف المسلمين دون الالتفات إلى الجوانب المتعددة من هويتهم وتاريخهم فلا تولي مثلا أدنى اهتمام للغنى التاريخي للمسلمين وما قدموه للعالم بعلامائهم المتنورين و بما أنتجوه في العلوم ,في الرياضيات, الفلسفة, التاريخ , وفي الفن المعماري و الموسيقى… ومن حركات احتجاجية تقدمية مناضلة – حركة القرامطة مثلا- هذا الارث الايجابي الذى بصم تاريخ الانسانية لا يهم الاسلاميون ,هم مهوسون بتمجيد الهوية الدينية “الايمانية” العقائدية الضيقة التي تقدس الاكراه و معاداة الاخرين, وما تخلفه من نتائج كارثية على مستوى الافراد بتحويلهم إلى كائنات سكزوفرينية مرضية وإلى اغتيال حب الحياة في نفوسهم وعلى مستوى المجتمع بنشر العنف والكراهية وتقديس الفكر الشمولي و أسلوب الاقناع بالقوة. هذه التيارات المتزمتة تتناسى أن الانسان يمكن ان يكون مسلما وفي الان نفسه مولعا بموسيقى مايلكل جاكسون او عاشقا لروائع ام كلثوم, ورويشة محمد, أولا تربطه إطلاقا أية علاقة بالدين الاسلامي بل فقط مولود في بيئة “إسلامية” .” المجاهدون” بتركيزهم على هوية دينية منغلقة يطمحون في الحقيقة إلى تجريد المسلمين من هوياتهم المتعددة وإلى إغلاق كل الطرق المفتوحة لهم للاستمرار في الانفتاح على العالم و إلى طمس التقاليد التقدمية الغنية من تاريخهم.

الهوية حسب التيارات الانكلو-ساكسونية والاوربية المحافظة

نظرية الهوية الوحدانية الواحدية و البحث عن تصنيف تعسفي للافراد إلى هويات جاهزة تستـأثر باهتمام التيارات المحافظة اليمينية الانكلو-سكسونية, فالعالم في اعتقادها عبارة عن فدرالية من الاديان الجامدة و حضارات متناحرة والدول عبارة عن مجموعات دينية او أثنية متنافرة, ولنا في السياسة الخارجية الامريكية في العراق خير نموذج للتطبيق العملي الكارثي لمثل هذه النظرية النمطية في تصنيف الافراد إلى هويات معلبة وإلى تكتلات منغلقة . فالدولة العراقية عبارة عن جماعات شيعية او سنية او كردية متناحرة فيما بينها وليس مجموعة من المواطنين لهم نفس الحقوق و الواجبات.

جزأ من النخبة الاوربية تستهويها أيضا النظرية التبسيطية لمسألة التصنيف الهوياتي التعسفي للافراد خاصة عندما يتعلق الامر بالمسلمين أو القادمين من بلدان ذات أغلبية مسلمة. فالمسلمون في اعتقاد هذه النخبة إما افرادا لهم نفس الخصائص و الصفات أو جالية أبدية ذات هوية منسجمة ,دون الاخذ بعين الاعتبار انتماءاتهم المهنية , الطبقية, أو لهوياتهم الادبية أو الفلسفية المتعددة والمتنوعة. وانتماؤهم “الهوياتي” بمنطق تلك النخبة إسلامي ديني بالضرورة وهم-حسب نفس النخبة– مسلمون قبل ان يكونوا مواطنين. متناسين مبدأ حرية الاشخاص في اختيار هويتهم. والادهى من ذلك هو عندما تلجأ الدولة والمؤسسات الرسمية في أوربا لتنصيب رجالات الدين واقطاب الجماعات الاصولية كمخاطبين رسميين باسم عموم المسلمين والاوربيين من أصول إسلامية مما يتناقض مع نظرية المواطنة ومساواة جميع الاشخاص امام القانون بغض النظر عن الاصل أو المعتقد, تلك النظرية التي تقوم عليها –نظريا- الدولة الاوربية

كلنا جميعا ننتمي إلى هويات متعددة حسب محيط معين او الاصل او حسب علاقاتنا مع الاخرين وكذلك بحسب أنشطتنا الاجتماعية ,و ننتمي جميعا بطريقة أو بأخرى إلى مجموعات متنوعة و مختلفة. لكن الخطأ يكمن في حرمان الفرد من حرية اختيار هويته وإجباره للخضوع لمعايير هوياتية وقوالب نمطية جاهزة و مطلقة خارجة عن إرادته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.