في نقد من يشتري النشيد الوطني…. لو كان ملكي لقمت ببيعه

نشر الصديق والصحفي حميد زايد مقالا له في موقع كود بعنوان : من يشتري النشيد الوطني في المزاد العلني؟ تناول فيه قضية الشاب عثمان عتيق المعروف بعثمان كريزي والذي أدانته المحكمة الابتدائية بثلاثة أشهر سجنا على خلفية اتهامه بالمس بالنشيد الوطني واشاعة الرذيلة وغيرها بين الشباب….
حميد زايد صحفي وصديق متميز، نستمتع بقراءة شذوذه الفكري وسخرياته القارصة لجسد السكون فينا، وشخصيا اقتسم معه لحظات جميلة، أثثناها بقصع للكسكس وأكواب اللبن ، دون الحديث طبعا عن طائر السمان وبيضه، والجبن الأزرق وعفونته…. لكن كل هذا لا يمنع من رفع قلم النقد اتجاه ما يخطه، هو بالتأكيد قلم الود والحب لا غير…
لذا ودون الدخول في متاهة الفصل بين مفهوم الدولة كصيرورة تاريخية بشرية عامة هدفت ولا زالت تهدف إلى تنظيم شؤون المواطنين فيما بينهم حكما واحتكاما وأنتجت فيما انتجته رموزا جمعية تطلب حمايتها سن قوانين معينة مكنت من تجنيبها شر الاستهزاء والسخرية والتقريع…. والسلطة والتي هي قوة في جوهرها، معنوية أو مادية، تنشأ بنشأة وعي جمعي لدى فئة من المواطنين داخل التركيبة البشرية التي تؤطرها الدولة…. لن ندخل في هذا النقاش، لأنه غير موضوعنا الآن….
ما يهمنا هو الدفاع عن عثمان كريزي، باعتباره فنان أولا، وبشهادة كاتب المقال حميد زيد وهو يصف فيديوهاته “بعضها يتفوق على الكليبات المصورة التي تبثها القنوات العمومية من الناحية التقنية والفنية” وكل ذلك من داخل منظومة الفن الذي ينتمي إليه والذي حدده الصديق حميد زايد دائما ” في العالم كله يأتي الرابور من الهامش، يأتي بلا وعي سياسي، يأتي بكلام مباشر، ويأتي بلغة الشارع، دون تدخل منه لتهذيبها، وإذا حاول ذلك، تفوق عليه آخرون، وزايدوا” بمعنى أن الشاب عثمان يمارس فنا اسمه الراب، يتصف بما وصفه الصديق حميد زايد أعلاه وأن ممارسته لهذا الفن فيها ابداع وفنية حسب ذات الوصف إعلاه….
سجن فنان في العالم، بتهم لها علاقة بممارسته لهذا الفن هي مسألة ممجوجة ومدانة، حتى لو كانت ضد رموز الدولة، والتي سنأتي على مناقشتها بدورها…. ممجوجة ليس لأن لذلك علاقة بسلطة الحرية وسلطة حقوق الانسان كما ورد في مقالة الصديق حميد زايد، ولكن لارتباط ذلك بالتعبير الجمعي عن ضمير جزء من هذا الشعب الذي نتغنى بالدفاع عنه وبحمايته بالدولة وسلطتها ورموزها، والذي قد يجد في ذلك الفنان صوته وضميره….
للأسف أننا لا زلنا في مرحلة بناء الدولة كما ينظر لها الصديق حميد زايد، ولا زالت الكثير من أطرافها ممزوجة بالسلطة في أبشع تجلياتها، وهذا الفهم، المرحلي، هو ما يجعل من ممارسة نقد الحكم الجائر الذي طال هذا الفنان اليافع مشروعا، فالاستماع إلى الأغنيتين موضوع القضية لن تجد فيهما سوى عبارتين لهما علاقة بالنشيد الوطني:
منبت الأحرار غير كلمة…
مشرق الأنوار غير حلمة….
فهل هذا تحقير للنشيد الوطني؟
الاستماع إلى كلمات الأغنية كاملة يمكن أن يولد للمستمع قراءة ايجابية للجملتين أعلاه، كون الفنان يتأسف على وضع بلد بالكامل، ويدعو أهله أن يكون بالفعل منبتا للأحرار لا مشتلا للعبيد كما هو عليه الحال، وأن يكون مشرقا للأنوار لا بؤرة ظلام ودمس كما هو عليه الحال الآن….
في الفيديويان اللذين حكم عليه لأجلهما ما يتعدى النشيد الوطني، ورغم يفاعة سنه ورغم عدم تأطيره السياسي، كي لا نقول كما ورد في مقالة حميد زيد، غياب وعي سياسي، هناك موضوعات سياسية قضت مضجع السلطة الماسكة بخناق الدولة الفتية في هذا البلد، وحركت ضده المتابعة… موضوعات مثل القرعة، تزمامارت، الهجرة السرية، البوليس، البصري وغيرها….
قد تكون لرموز الدولة قدسيتها، حين تستكمل الدولة بناءها، ويحصل ذلك التوافق الوطني حول مضاءاتها، ويصبح شكل العلم الوطني مقبولا لدى الجميع…. وأذكر أنني كتبت ذات مقالا ما يحث شباب فبراير على ضرورة حمل العلم الوطني في مسيراتهم بدل العلم الأسود الذي يذكرني بماجد القرصان، وكتبت أيضا ما يحثهم ويشجعهم على الاحتفال بعيد العرش باعتباره حدثا دشنته الحركة الوطنية كجٓدّٓةِ لكل نضالاتهم وأن ما وقع من بعد كان استحواذا من القصر على هذه الذكرى وافراغها من شحنتها الوطنية….
لم أكتب عن النشيد الوطني، لأنني لا أشعر به رمزا مقدسا، لأنني لم أكن أفهمه وأنا حديث السن أرفعه معية زملائي في المدرسة، وحين فهمته وأنا كبير ويافع، أصابتني نوع من الهزيمة الداخلية أن يكون نشيدنا الوطني بهذا الفراغ وبهذه السطحية….
ما مورس ضد عثمان كريزي هو قمع لحرية التعبير والمطالبة بإطلاق سراحه مطلوب ولا علاقة لذلك بسلطة وديكتاتورية حقوق الانسان….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.