في نقد ” سلوك الكذب أو النفاق الإجتماعي “

في مبدأ النقد والنقد الذاتي

إن ممارسة النقد والنقد الذاتي وتربية أفراد المجتمع على مثل هذه الممارسة الإيجابية، يوفر لأفراد المجتمع ضمانة كبيرة لاكتشاف الأخطاءه وتصحيحها ، وهي من ركائز والدعائم الأساسية لأي مجتمع يتوخى التقدم والإزدهار ، لكن يبقى أسلوب ممارستها يختلف من مجتمع لآخر، ويرجع ذلك إلى اختلاف المجتمعات من حيث بنيتها الذهنية وأسلوب إدارتها للشؤونها على جميع الأصعدة. فمثلا  مبدأ حق اتخاذ القرار أو مبدأ الحرية يختلف تطبيقة وممارسته من مجتمع لاخر، فالمجتمعات ليست على درجة واحدة من المعرفة والوعي الاجتماعي والنضج الفكري بمشكلاته والعوامل المسببة لها والاثار المترتبة عليها ولا بكيفية مواجهتها. إن غياب النقد و النقد الذاتي  حسب العلوم الإنسانية هو بحد ذاته نوع من الموت أو الإحتضار للمبادئ واللقيم الإنسانية الحداثية.

وما يحصل الآن في المجتمع المغربي من تشنجات وصراعات على مستوى الإعلامي وشبكات التواصل الإجتماعي ،و كذا بعض المناوشات في الشارع العام و المرافق العمومية حول  ” شرعية قيمنا ومبادئنا “على حساب المبادئ و القيم الإنسانية الحداثية ، لخير دليل على وجود خلل ما، بالمقابل نجد أن فئة عريضة تتغضى النظرعن الفساد المتفشي في المرافق و المؤسسات العمومية، كالرشوة والغش وتفشي الإجرام والبطالة…إلخ. أليس بهذه السلوكيات نكذب أو ننافق على أنفسنا وعلى غيرنا، لماذا هذه السلوكيات وما هي جذورها وأسبابها؟

أسئلة وإشكاليات محرجة وعويصة جدا ، لذا يمكننا القول – ومن أول وهلة – أنه ليس من السهولة بمكان الغوص في موضوع ” سلوك الكذب أو النفاق ” ، الذي يشبه مجازيا ” بحر الميت  ” لإكتشاف ما بأعماقه ، إلا إذا كنا واعيين و آخذين بعين الإعتبار نسبة ملوحة زائدة على المعتاد  فيه. من هذا المنطلق، سنأحاول قد الإمكان ملامسة ” سلوك الكذب أو النفاق ” و رصد بعض مكامن خلله في البنية الذهنية لدى من يسلك هذا السلوك ، ولعلنا نتعرف أكثر على علة هذا السلوك الواسع الإنتشار و على جميع المستويات و بين أفراد المجتمع وبدرجات مختلفة وبأوجه متعددة في أفق إعادة  النظر في هذا السلوك الممنهج ، والذي أصبح معتادا لدى فئة عريضة من المجتمع المغربي. فما هو ” سلوك الكذب أو النفاق ” إذن ؟

  • ” سلوك الكذب أو النفاق “

تجمع معظم المعاجم العربية  بأن النفاق للغويا هو ضرب من ضروب الإفتراء والكذب والمكر والغش، وفيه يظهر الفرد خلاف لما يبطن، أي إظهار الفرد سلوكا خلافا لما هو عليها شخصيته، فهو يكتم أو يخفي سلوكا ويظهر سلوكا آخر بنية وقصد الخداع لتحقيق هدف معين، وقد يكون ماديا أو نفسيا أو اجتماعيا. أما أصطلاحا فالنفاق له حمولة  دينية وأخلاقية يشمل كل ازدواجية بين الظاهر والباطن، بين القول والعمل.

أما حسب المنظور السيكولوجي ” فسلوك الكذب أو النفاق ” هو نوع من التحايل على الذات و الأخر، إنه نوع من ازدواجية الشخصية ، فهو حالة من التضاد بين ما يخالجها من مشاعر وما تسلكه من سلوك . لهذا فإن  ” شخصية الكاذب (ة) أو المنافق (ة) ” تحتاج إلى قدرات ذهنية ، كالتفكير الجيد، والذاكرة القوية، والمنطق المتطور، والخيال الواسع، والتبريرات الجاهزة والقدرات النفسية والإنفعالية، من أجل أن يتحكم في مشاعره وتعبيرات سلوكياته، وتكييفها حسب الوضع الزمني والمكاني الذي يخلقه عندما ينافق . وهذه القدرات اللازمة للكاذب (ة) للمنافق(ة) يجب أن ترافقها استعدادت شخصية أخلاقيا وتربويا، لأن إكتساب سلوك الكذب أو النفاق  يظهر و يترسخ في ذهنية الفرد منذ  تنشئته الإجتماعية الأولى كطفل ( ة ) ، فالأم أو الأب الذي ينافق و يكذب على أطفاله مثلا، يكون قد مهد نصف الطريق لهم ، كي يسلكون نفس

السلوك الذي تعلموه داخل البيت. ومن الجدير ذكره أن الطفل(ة) عندما يبلغ من العمر نحو أربعة سنوات ونصف، يبدأ الطفل القدرة على الكذب المقنع مع نفسه والمكشوف عند الآخرين. فالكذب عند الطفل(ة) في هذا السن هو تأكيد لعالمه الخيالي الداخلي الذي يبقى ملكه الشخصي، من هنا تأتي رغبته بأن لا يقول كل شيء وأن يخفي بعض الأشياء عن الآخرين. فالأطفال الصغار يتعلمون من التجربة أن الكذب يمكنه أن يجنبهم عقوبة أخطاءهم أو الحصول على شيئ ما، لكن أكاذيبهم في هذا السن لا يكتب لها النجاح ، لانهم يفتقرون إلى آلية و مرجعية منطقية الأحداث و الرويات. فالكذب أو النفاق إذن سلوك متعلم ،لذ يجب عدم  مكافأة و الاستجابة لكل من سلك هذا السلوك ، وما الأسرة الصغيرة إلا نموذج و نواة الأولى ومرآة للباقي المؤسسات المجتمع .

إن البنية النفسية حسب المنظور السكولوجي للفرد المصبوغة ” بسلوك  الكذب أوالنفاق ”  تتمظهر في صورة  الخوف أو الطمع أو الإنتهازية،  هذه  الصور و العناصر مستقلة بعضها عن بعض، لكنها في نفس الوقت متكاملة لبعضها البعض.  فالنفاق حسب هذا المنظور هو سلوك غير سوي وغير مقبول إجتماعيا، لكن من جهة – و حسب هذا المنظور –  قد نضطر أحيانا لسلك ” سلوك الكذب أو النفاق ” من أجل الحفاظ على توازن شخصيتنا و تدعيمها نفسيا  “كمكنزم ” وآلة دفاعية ضد الصدماة والأزمات النفسية المفاجئة، وهذا سلوكا مقبول نفسيا واجتماعيا.

  • ” سلوك الكذب أو النفاق الإجتماعي ” في المجتمع المغربي 

المقصود بالنفاق الاجتماعيّ حسب السوسيولوجين هونوع من الكذب أو النفاق في العلاقات بين أفراد المجتمع ، وهذا السلوك يختلف طبعا من فرد لآخر ومن جماعة لآخرى، ومن قرية لآخرى ومن مدينة لآخرى وذلك حسب الزمان والمكان . و هو يتظهر في أنماط مختلفة  ” كالنفاق الديني ، السياسي، الجنسي…إلخ .  إن أغلب ما كتب في هذا الصدد – وحسب إطلاعي المتواضع – فإنه لا يختلف الإثنان في أن المجتمع المغربي يفتقرفي غالب الأحيان إلى النقد والنقد الذاتي  لهذه السلوكيات ، مثلما يفتقر إلى البحث العلمي والجدل الفكري في هذا الميدان .  وما يروج في الوقت الراهن على مستوى الأعلام بمختلف تلاوينه في المجتمع المغربي من الترهات بإسم المبادئ ،الأخلاق والقيم خير دليل على عدم وعي فئة عريضة  من أفراد المجتمع بما يقع على أرض الواقع ، وبهذا تساهم هذه الفئة بوعي أو بدون وعي في ترسيخ هذا السلوك. فإذا نظرنا من حولنا سنجد أن  ” سلوك الكذب أو النفاق ” بمختلف أنماطه ، و ” سلوك الغش ” و ” سلوك الإجرام ” …إلخ ، وكذا الشائعات المغرضة والافتراءات والأكاذيب هي السائدة في المجتمع المغربي.

ولتأكيد هذه الفرضية فقد أشارت بعض من الدراسات السوسيولوجية المغربية التي أنجزت خلال العشر سنوات الأخيرة – وكمثال على ذلك – أن الممارسات الدينية في جانبها التعبدي في إرتفاع مهول مقابل تراجع في الجانب السلوكي والأخلاقي ( المعاملات )، كما أن انحسار دور الأسرة الصغيرة والتعليم في مجال التربوي لصالح ممارسات وقيم إجتماعية جديدة في ظل شبكات التواصلية الإجتماعية المختلفة ، دفعت بفئة عريضىة من الأفراد المجتمع إلى عيش حالة من  الإزدواجية الشخصية والتناقض بين ما يعتقده وما يمارسه. و حسب هذه الدرسات فأن هذا التناقض بين ما هو تعبدي وسلوكي لا يصل إلى حد انفصام الشخصية عند المغاربة، وتؤكد هذه الدراسات على أن هذا السلوك ليس سلوكا مرضيا لأن المواطن المغربي لا يعاني لوحده من هذا السلوك، بل يقع فيه أغلب أفراد المجتمع. إن هذا السلوك في جانبه العقائدي الديني ينطبق وله كذلك أرتباط وثيق بالجوانب الأخرى سياسيا، جنسيا و فكريا …ألخ في المجتمع المغربي .

إنطلاقا من هذه الدرسات يمكن القول – ولا نعمم هنا –  أن ” سلوك الكذب أو النفاق الإجتماعي ”  في المجتمع المغربي بتمظهراته المختلفة هو من صميم حياتنا، فأصول هذا السلوك متجذرة في طبائعنا، فمتى حضر سلوك الأدب والأخلاق إلا وكان النفاق حاضرا من مدح وثناء ورثاء و… .  ولكي تكون صديقا عزيزا مثلا ، عليك أن تصطبغ نفسك بسلوك النفاق في الغالب الأحيان، وتظهر ما ليس فيك وما لا يخالجك في نفسك . هذه السلوكات اليومية تختلف حسب الزمان والمكان طبعا، فسلوكاتك في البيت تبدو على خلاف تماما لما هي عليها مع الآخرين في المقهي أو في مؤسسة عمومية مثلا ، أي بكل بساطة – وحسب المنظور السيكولوجي – أننا نعيش سلوك ” إنفصامي ” في شخصيتنا، لكن وهذا ما إستبعدته الدراسات السالفة الذكر، وهذا ليس صحيحا من المنظور السكولوجي ( أنظر أسباب  أسفله) .  وحتى لا نعمم ونكون قاسيين على أنفسنا ، فسلوك المجاملة من المنظور السكولوجي مثلا، وبدون المبالغة هو سلوك مقبول  نفسيا واجتماعيا، وهو سلوك يراد به تقوية  أواصر الصداقة والتدعيم النفسي لمشاعر الناس للرقي بقدراتهم وخبراتهم ، وكذلك لكسب محبتهم . أما المبالغة في ذلك فيحول صاحبه إلى منافق و متملق و…، أنه ” سلوك انتهازي ” لإظهار عكس ما يضمر ، الهدف منه هو الحصول على مقابل مادي أو معنوي.

  • أسباب ” سلوك الكذب أو النفاق الإجتماعي “

معظم الدراسات العربية والمغربية تتناول أسباب هذا السلوك من جانبه العقائدي، نطرا لما يحمله مصطلح الكذب أوالنفاق من حمولات دينية وأخلاقية ، وحسب هذا المنظور فوجود أو سلك الفرد ” لسلوك الكذب أو النفاق ” يرجع بالأساس إلى ضعف الأيمان بالعقيدة . لكن  هذا الضعف في الإيمان بالعقيدة له أسباب متعددة، منها ماهي نفسية، اجتماعية ، اقتصادي ،سياسي …إلخ. وسنقتصر هنا على الجانب النفسي والإجتماعي  لهذا السلوك في أبعاده المختلفة ( نفاق سياسي، جنسي، عاطفي … ) . يمكن أن نجمل هذه الأسباب في مايلي :

1- إنعدام ثقة الفرد في نفسيته و المجتمع الذي يعيس فيه، هي أحد أبرز الأسباب المؤدية الى سلك  “سلوك  الكذب أو النفاق “، هذا النمط من السلوك يتمظهر في صورتين ، صورة مصحوبة بنزوع إنتهازي وأخرى مصحوبة بالرضا والقبول، وكمثال على ذلك ، فالفرد الذي يقول ” نعم ” في حالة يستوجب فيها أن يقول ” لا ”  يكون قد مهد لنفسه  الطريق  لسلك  ” سلوك الكذب أو النفاق ” ، وهذا يؤدي به إلى نوع من التناقض وازدواجية في مشاعره و أفكاره و بالتالي إصابته بمرض بإنفصام الشخصية.

2-  الشعورالفرد بالخوف من أن يخسر أشياء معينة أو يخاف من لديه أعلى سلطة منه وفق الهرم السلطوي في الوسط الإجتماعي الذي يحيا فيه ، حيث يستشعر العظمة في الآخرين والقبول بأن النفاق لهم واجب إجتماعي، لكن هذا السلوك يكون غالبا مصحوبا بنوع من الحقد والعدوانية الدفينة تجاه من ينافقهم ، وهو يظهر حقده وعدوانيته كلما أتحيت له فرصة الإنتقام من له أعلى سلطة منه  أو يصبح لديه مرض إنفصام الشخصية .
3 –  الرغبة وطموح الفرد  تكون أكبر مما لديه من مأهلات وقدرات شخصية ، الشيء الذي يدفعه إلى تلميع شخصيته ومكانته الإجتماعية على حساب  شخصية ما ، لها قدرات وسلطة أعلى منه ، وذلك قصد الحصول على علاقات ناجحة و على قلوب الناس أو من أجل أن ينال إعجابهم و احترامهم. الامر الذي يدفعه الى الإعتقاد أن له الحق في سلك ” سلوك  الكذب أوالنفاق ”  في ظل قبول الآخر بسلوكه.

4- من أسباب النفاق كذلك أن يكون النفاق حالة مرضية أوعقدة نفسية، مثها مثل أي عقدة نفسية أخرى لها أسبابها النفسية والاجتماعية.  هنا تكون شخصية المنافق(ة) بسلوكه النفاقي من دون الاعتراف به أو من دون رغبة في ذلك.

هذه الأسباب الرئيسية التي ذكرها تفرز لنا سيكولوجية شخصية الكاذب(ة) أو المنافق(ة) والتي تنكشف سلوكياتها في صور ونفعالات (مثلا) كزيغ البصر، بحيث يتعمد الكاذب(ة) أو المنافق(ة) دائما إزاغت بصره أثناء الحديث و استخدامه أقل عدد ممكن من الكلمات وهو في الحقيقة يفكر فيما يقوله من أكاذيب أو ينهج العكس، ليربك المستمع ويثبت أنه صادق، لكن هذا التكلف العصبي في سرد الرواية الكاذبة ينعكس في وجهه و في ببعض الحركات اللاإرادية كمسح النظارة ولمس الوجه…إلخ. كما أن الكاذب(ة) أو المنافق(ة) يحاول تجنب مسؤولية أفعاله ،باستخدام أسلوب التعميم، فمثلا عندما يسأله المدير المدرسة عن سبب التاخر فيرد الموظف بأن (كل الموظفين يتأخرون….حركة المرور سيئة…ألخ ). ،  فهو بذلك يتجنب الإشارة إلى الذات (أنا) ويقول بدلا منها ( نحن، الناس، معظم…ألخ ).كما يحاول في أغلب  الأحيان إطلاق كلمات الاستخفاف بالأخرىن و ينسب لهم أقوالا وسلوكات لا تمت بصلة بهم في غيابهم و يمدحهم ويمجدهم عند حضورهم .

إضافة إلى هذه التجليات النمطية للكاذب(ة) أو المنافق(ة)، فإن ما توصلت إليه العلوم الإنسانية الحديثة من خلال جهاز كشف الكذب (البوليغراف)، و هو جهاز لقياس بعض المتغيرات الفسيولوجية مثل معدّل نبضات القلب، وضغط الدم، ومعدّل التعرّق، والتنفّس، يتيح لنا الفرصة للكشف والتعرف أكثر على سكولوجية هذه الشخصية.

خلاصة القول أنه حين تطرح وتنتقد ظاهرة سلوكية إجتماعية تؤرق وتنخر ذهنية  وسلوكيات أفراد المجميع ، فإن البعض يعتقد بأنك تتحدث عنه شخصيا وتريد الإنتقاص من مكانته وتجريحه وإهانته شخصيا، لكن ما نتوخاه من هذه المقالة هو التعرف و الوعي بأن التربية السلوكية السوية مسؤولية مجتمعية وليست مسؤولية فردية أو مؤسسة واحدة من مؤسسات المجتمع المغربي، بل هي سلسلة مكانيكية مرتبطة بمعطيات اقتصادية واجتماعية وسياسية …، بإضافة إلى مؤثرات خارجية كثيرة لها علاقة بالطور الحاصل في مجال المعلوميات والتسويق والاستهلاك العالمي. لذا كما يقول إيمانويل كانط ” على الفرد أن يتحلى بالشجاعة الكافية في إستخدام عقله “، وذلك من أجل المساهمة في حماية  و وقاية المجتمع  من هذه السلوكيات المنحط من قيمته الإنسانية كل من موقعه وحسب قدراته . فهل باستطاعتنا أن نبدأ بأنفسنا لنكون قدوة و نموذجا للأجيال القادمة ؟

*مساعد نفساني ومرشد بيداغوجي بطنجة

للتواصل: besp-akrouh@Hotmail.com

 

 

تعليق 1
  1. karim يقول

    بداية جيدة للمقال ولكن في الاخير لحضة أنك تنافق عندما قلت أن البعض يعتقد اننا نوجه له الخطاب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.