في نقد اليسار والكلام “الواعر”

أومن أن التغيير نحو مجتمع متقدم يتم تدريجيا وفق راديكالية إصلاحية Réformisme radical لا تمت بصلة لواقعية انهزامية لكنها في نفس الآن رديكالية غير ثورية تؤمن بالتداول السلمي المدني رغم شراسة الخصم، لأن الشعوب تملك طاقات العصيان الهادي، لا تراها قوى التغيير التي تدعي الكلام باسمها، ولان التاريخ أيضا مليء بالعبر فقد علمنا أن الفترات التي تلي مباشرة كل الهزات العنيفة و المسماة ثورية تتميز بارتداد المد التغييري وتراجع المكتسبات، تستفيد منها أساسا القوى الرجعية، المعادية للحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية، لاحظوا مثلا أن الحكومات التي اعقبت ” ثورة ” 1968 بفرنسا هي حكومات يمينية رجعية، والحكم الرجعي الذي تلى الثورة الايرانية قضى على الآمال الديمقراطية للشعب الإيراني والأمر ينسحب أيضا على فترة ما بعد ما “يسمى بالربيع الديمقراطي” الشرق أوسطي والشمال إفريقي الذي تحول إلى خريف ظلامي دامس حيث خفافيش الظلام تعيث في الناس والأوطان فسادا واستبدادا.إذن ما هي أسباب الردة التي تقف وراء فترات ما بعد ” الثورة” أو الانتفاضات العنيفة؟

أعتقد، وانا أتكلم هنا عن آليات التغيير أو الأدوات التنظيمية السياسية التواقة لتغيير مجتمعي تقدمي، من بين تلك الأسباب نجد الديماغوجية والشعبوية التي تتدثر بها ”قوى التغيير” خاصة اليسراوية منها فتكتفي بالعواطف والشعارات الرنانة العامة الهلامية زعماؤها خالدون في مسؤلياتهم يحرثون في ضيعاتهم”فرماتهم” الحزبية كل أنواع الطاعة والزبونية والعسكرة، قواعدها تبجل قيادتها تبجيل المريد الفاقد لكل حس نقذي. متجاهلة أن التغيير يتطلب إعداد البديل التنظيمي والمؤسساتي والفكري للمجتمع النقيض ولأنها ضعيفة تنظيميا فإنها تلتجئ إلى تحالفات هجينة مع قوى رجعية وتكتفي بلغة التباكي وكراهية كل من يختلف معها .

إسالوا الشعب الكردي في سوريا عن عنصرية وانتهازية هؤلاء، حيث يحكمون سويا أي مع القوى الظلامية داخل المناطق الخاضعة لسلطتهم باسم الشريعة وبواسطة ما يسمى مجالس الشريعة، هرولة بعض الامازيغ ذوي النيات الحسنة أو ”لحساسبية” لمساندة هؤلاء لن يخدم لا المشروع الحداثي ولا الأمازيغ. تتصور تلك القوى أنها ”طاهرة” تملك الحقيقة المطلقة، تعميها لغة الحقد عن إنتاج فكر تنويري حقيقي غير غوغائي، وحدانية تصورها النخبوي المتعالي للتغيير تحرفها عن رؤية المؤهلات الخلاقة للشعب، تحتقر لغته، أدبه و تاريخه.

إذن الإشكالية الكبرى المطروحة خاصة في بلاد متخلفة كالمغرب هو كيف نبني بديلا عقلانيا تقدميا واجتماعيا من الناحية التنظيمية والسياسية والفكرية بعيدا عن الديماغوجية والغوغائية؟

لنفترض جدلا أن النظام انهار أو أن سلطات الملك أصبحت رمزية لكن ما هو البديل العقلاني الذي سيعوضها؟ بديل أهل البخور و مغامرات ”الروض العاطر في نزهة الخاطر“؟ أم محبي بول بوت؟ أو عاشقي البعث الدموي؟ على الجميع أن يتواضع وأن يعي جيدا أن الكلام الجميل الواعر لا يكفي لإنقاذ المغرب من التسلط المخزني.

فلتكن فترة ما بعد الانتخابات فترة للتفكير الرصين والنقاش الهادئ بين التقدميين دون عنترية دونكشوتية وهمية من أجل البحث عن السبل الكفيلة لإنقاذ المغرب من التسلط والظلام، إذا كانت خمس سنوات فترة لمحاسبة الحكام، فلتكن أيضا فترة لمحاسبة أصحاب الكلام الواعر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.