في نقد الحاجة إلى مشروع الخطابي

تحل كل يوم 6 فبراير ذكرى وفاة محمد بن عبد الكريم الخطابي ( توفي بمصر سنة 1963). لذلك ارتأيت هذه المرة تخليد هذه المناسبة بالتساؤل عن مدى حاجتنا إلى استحضار مشروعه من خلال تناول الإشكال التالي: هل ينتمي هذا المشروع إلى زمن مضى و انقضى مما يجعل كل محاولة للإستنجاد به مجرد نزعة سلفية يراهن فيها الأحياء على الأموات لحل معضلاتهم نتيجة عجزهم عن مواجهة الحاضر، أم أن مشروع الخطابي يحتفظ براهنية ما لذلك ما يزال يزعج كثيرين يخافون من انبعاثه فيتعرض تبعا لذلك لمختلف أنواع الحصار و التشويه و التقزيم ؟
   الجواب عن الإشكال أعلاه بأكبر قدر من الموضوعية يقتضي الإستناد على أهم الدراسات التاريخية التي اتخذت من التجربة النضالية للخطابي موضوعا لها (وهي دراسات تتناسل باستمرار معبرة عن مدى غنى هذه التجربة). وهاهنا يحضر في نظري بعدان جوهريان و متداخلان يميزان مشروع الخطابي عن غيره، و يتمثلان في كونه يهدف إلى تحرر الشعب émancipation و تحرير الوطن libération .
  1- البعد التحرري في مشروع الخطابي : 
  عندما أقول أن مشروع الخطابي يسعى إلى التحرر أولا، فمعنى ذلك أن الخطابي أدرك باكرا جدا أن العلة الأولى توجد في الذات لا خارجها، و هي سبب ضعفها و تخلفها، و هذه العلة تتمثل أساسا في جوهر نظام الحكم و ليس في شكله أو شخص الحاكم، و يمكن تلخيصها في لاعدالته و عدم تعبيره عن إرادة الشعب. و يكفي لإبراز نقده هذا كقناعة ملازمة له، أن نذكر كونه ندد و هو ما يزال طالبا بفاس باغتيال الكتاني (عالم دين) لأنه طالب ببيعة مشروطة للسلطان، و أنه سيندد في نهاية حياته بأول دستور في المغرب لأنه لا يعبر عن إرادة الشعب و يكرس الحكم الفردي المطلق، بل و اعتبر أن “ولاية العهد” هي بدعة منكرة. و لم يقف الخطابي في هذا النقد السياسي عند باب التنظير لما ينبغي أن يكون، بل جسد مشروعه عمليا عندما أسس “الجمهورية الريفية” (بين 1921و 1926) كنواة للدولة الحديثة، استطاع من خلالها رغم ظروف الحرب ومواجهة الإحتلال، وضع لبنات التحديث الأساسية للدولة والمجتمع؛ إذ اقام حكومة و أسس جيشا نظاميا و أنشأ محاكم مدنية كما شيد المدارس و شق الطرق و أمد خطوط الهاتف… و معنى كل ذلك هو أن تحديث النظام السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي هو في نظره المدخل الأساسي لبناء الذات و تقويتها لمواجهة مختلف التحديات التي يفرضها العصر. لذلك لم يكن يهمه شكل نظام الحكم و إنما مضمونه كما عبر عن ذلك بقوله: ” لا أريدها سلطنة ولا إمارة ولا جمهورية ولا محمية، و إنما أريدها عدالة إجتماعية و نظاما عادلا …و حرية شاملة”. و طبعا ما كان الخطابي ليمتلك هذه الرؤية لولا انفتاحه النظري و العملي على تجارب الآخرين خاصة أثناء مقامه في مليلية مدرسا و صحافيا و قاضيا.
   2- البعد التحريري في مشروع  الخطابي :
  إذا كان الخطابي قد سعى إلى تحرر شعبه من استبداد الحكام و من التخلف عن ركب الحضارة، فإنه سعى أيضا إلى تحرير وطنه من احتلال الدول الإمبريالية عبر مقاومته السياسية و المسلحة لمختلف أنواع الغزو و التبعية للأجنبي، إذ حسب قوله “لا حل وسط في قضية الحرية “، لذلك اعتبر أن الإستقلال الذي حصل عليه المغرب هو مجرد إحتقلال. و في هذه المواجهة للمحتل استطاع الخطابي بمعية رفاقه في المقاومة الشعبية أن يذيق “الإستعمارين” الإسباني و الفرنسي هزائم نكراء، تشكل أنوال عنوانها البارز إلى درجة أنها أعتبرت في إسبانيا كارثة وطنية El desastre. و هذا لا يرجع فقط إلى حجم الخسائر البشرية التي مني بها الإحتلال، و إنما إلى تداعيات ذلك عليه داخليا ( هزيمة إسبانيا في الريف هي سبب الانقلاب العسكري على الحكم المدني، و الذي سيؤدي بها لاحقا إلى الحرب الأهلية التي لم تتعاف منها إلى حدود اليوم : “العناق المميت” بلغة المؤرخ بلفور ). و في هذا الجانب من هذا المشروع لابأس من الإشارة إلى اعتبار الخطابي “أن الإستعمار ملة واحدة”، و أن الغرب الإمبريالي لا يفهم إلا لغة القوة، لذلك ظل طوال حياته وفيا لشعاره “العمل من أجل السلم مع الإستعداد للحرب” حتى عندما كان منفيا. بل إنه عمل عندما التحق بالقاهرة بعد 20 سنة من النفي والأسر، على تشكيل نواة جيش التحرير المغاربي لمواصلة تصديه للإحتلال، رافضا بقاء أي جندي أجنبي فوق أرض الوطن و منددا بأنصاف الحلول.
   خلاصة: أردت من خلال استعراض البعدين السابقين المميزين للمشروع النضالي للخطابي -و قد قمت بذلك باقتضاب شديد- أن أبرز فكرة جوهرية تتمثل في كون جوهر الإشكال الذي طرح على الخطابي و عالجه بطريقته، ما يزال قائما لم يبارح مكانه رغم كل التحولات التي عرفها العالم؛ أي أن معضلة الإستبداد السياسي و التبعية للأجنبي ما تزال قائمة. لذلك عندما نقول براهنية مشروع الخطابي فليس معناه إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء و بناء جمهوريته من جديد كما قد يتوهم البعض، لأن الخطابي الذي أسس الجمهورية هو نفسه من سيؤسس “لجنة تحرير المغرب العربي”، و إنما نقصد أننا مازلنا نعيش نفس العصر الإمبريالي حيث يتم التحكم في مصير الشعوب واستغلال مقدراتها من طرف الدول الغربية عبر وكلائها المحليين الذين يمارسون استبدادهم السياسي و يخدمون مصالحهم و مصالح حاميهم الأجنبي. لذلك فالسبيل لاقرار سيادة الشعوب يتطلب منها خوض معركة مزدوجة: تحرر الذات من عوائقها الداخلية عبر مواجهة الإستبداد السياسي والتخلف الإقتصادي والثقافي عن الركب الحضاري، و تحرير الوطن من عوائقه الخارجية بالتخلص من التبعية للأجنبي  على جميع المستويات أيضا. و من كل ما سبق نفهم طبعا الفرق الجوهري بين مشروع الحركة “الوطنية” المرحب به و الذي انتهى زعيمه (علال الفاسي) إلى أن يكون وزيرا و أن يموت سفيرا، و بين مشروع الخطابي غير المرغوب فيه لذلك ظل صاحبه -حتى بعد الإستقلال- منفيا حيا وميتا، جسدا وفكرا.
رشيد الموساوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.