في نقد الحاجة إلى شهادة اللفيف

جاء في النوازل الصغرى للمهدي الوزاني (توفي سنة 1342 ه – 1923 م ) أن الفقيه الزرهوني طعن في شهادة لفيف بقوله: “شهادتهم غير عاملة لاستنشاق الغبرة الخبيثة المعروفة عند متعاطيها “بطابق” وهي قادحة في شهادة فاعلها حتى على القول بإباحتها (ج1 ص26).

لا شك أن فتوى الفقيه الزرهوني كانت تستحضر الأصول الفقهية التي تنظم مجال الشهادة في الفقه الإسلامي بشكل عام، وهي أصول تروم البحث في طوية الشاهد وسريرته، على اعتبار أن الشهادة -في نظر هذا الفقه- كانت أهم وسيلة للإثبات، لذلك خضعت  لضوابط وشروط كثيرة، طبعا هذا حديث عن زمن مضى !

لكن هذه المؤسسة الفقهية -وأقصد شهادة اللفيف- التي احتكم إليها المغاربة منذ القرن العاشر الهجري، لضبط جوانب كثيرة من حياتهم الأسرية و الاجتماعية والمالية، تحسبا لما قد ينشب من مناعات قضائية،  باتت موضع نقاش  عن جدوى استمرارها في زمن راهن ملؤه الجشع وقوامه حب المصالح الشخصية !

هذه الوثيقة التي تتميز بتعدد المتدخلين في إعدادها، بين طالب للشهادة و عدول و شهود و قضاء للتوثيق، و التي تتجول بين منازعاتنا العقارية والجنائية والأسرية وتحدث من المشاكل ما لا يطاق، حق لنا أن نلتفت إلى الحسم في مسألة الإبقاء عليها ، خاصة وأنه أثير مؤخرا موضوع بالغ الأهمية يتعلق بظاهرة الاستيلاء على أملاك الغير ، وربما كان اللفيف أحد الآليات الفعالة لتزوير الحقائق وقلب المراكز القانونية للمواطنين .

إن المتتبع لهذا النوع من الوثائق، يجد أنها سيقت في الأصل لتغطية ثغرات الإثبات أمام القضاء، بعدما اشتكى الناس ضياع حقوقهم، لتعذر إشهاد العدول في كل موضع وفي كل حين ، لذلك تم الاكتفاء بشهادة مطلق الناس، على أن يكونوا مستوري الحال ، لا تعلم منهم جرحة ولا عدالة، فتم التساهل في الركون إليها خلافا للأصل وقبلت لإثبات التصرفات القانونية كالبيوع والعطايا والقسمة وغيرها أو لإثبات بعض الوقائع كإثبات الموت و الورثة والمتخلف والحيازة واستمرار الملك واثبات البناء والاحتياج  وفي قضايا  الأسرة تم الاستنجاد بها لإثبات الزوجية والأنساب و مواجب التحجير وأسبابه و فقد الأهلية  وغيرها ..

 و رغم خطورة ما تتجرأ هذه الوثائق على الشهادة به، فقد ظلت بعيدة عن التنظيم القانوني، ولولا بعض المناشير التي تعود إلى ما قبل الاستقلال، فلا أعلم لحدود تاريخه أن المشرع المغربي خاض في هذه الشهادة، بل ظلت في “حديقة ما يسمى بما جرى به العمل” ترفل في نعيم الفوضى ، لا قانون يحكمها ولا نظام يضبطها أو يهدي بها إلى سواء السبيل .

   أما القضاء فقد ساير الوضع رغم كل العلل التي تشوب شهادة اللفيف ، و ظل يحوم حول طبيعتها دون أن ينفذ إليها بجواب صريح، إذ تارة يقبلها ويحتكم إليها،  و تارة يرفضها تبعا لكل حالة أو نازلة ، وفي أسوأ الحالات ينتهي بالشهود وطالب الشهادة و ربما العدول أمام غرفة الجنايات !

صحيح و من- باب نسبة الفضل لأهله – كانت النية لدى حكومة ما بعد دستور 2011 تنصرف لتنظيم شهادة اللفيف من خلال إصدار مشروع قانون يخصها لوحدها، تضمنه المخطط التشريعي للحكومة المذكورة ، بحيث كان المخطط يفيد أن القانون سيصدر في غضون سنة 2014 لكن ذلك لم يحدث على الإطلاق  .

 وفي تقديرنا فالأجدر لو تم  إلغاء العمل باللفيفيات، في أفق تصفية الراهن منها أو التي قيد المنازعات في مختلف ضروب الملفات المعروضة على القضاء .

إن الكثير من الملفات الجنائية المعروضة على أنظار القضاء مضمونها شهادة اللفيف ، إذ في الغالب ما يتراجع الشهود عما تم ذكره في رسم اللفيف، بل وينكر الشهود توقيعهم بمذكرة الحفظ ، أو يسوقون لتراجعهم أسباب عدة أهمها جهلهم بمضمون الشهادة ، وأن شهادتهم انصرفت لشيء آخر لا علاقة له بما سطر في وثيقة اللفيف ، فيجابه الشهود وطالبي الشهادة بتهم ثقيلة من قبيل: التزوير في محرر رسمي واستعماله، الإدلاء أمام العدل بتصريحات يعلم أنها مخالفة للحقيقة (الفصل 355 من القانون الجنائي) فضلا عما يمكن أن يسطر من تهم في مواجهة العدول محرري الوثيقة.

و للتذكير فقط، فقضايا الأحوال الشخصية  كانت مجالا خصبا لهذا النوع من الشهادة كالاحتكام إلى اللفيف لإثبات الزوجية (البينة الشرعية) و إثبات الضرر الموجب للتطليق وأهلية الحضانة أو سقوطها والتسفيه والترشيد. لكن الآن وفي ظل التوسع الكبير الذي عرفه مجال الإثبات في مدونة الأسرة ، فقد انحصر كثيرا اللجوء إلى اللفيف، بحيث تم اعتماد كافة وسائل الإثبات وخاصة رأي الأطباء وإجراء البحوث اللازمة بمكتب القاضي المقرر، وكذا ما يجري به العمل حاليا من استشارة المساعدة الاجتماعية …

ولا شك أن حكما يستند إلى رأي الأطباء في قضايا التسفيه أو التحجير أو غيرهما  لخير من لفيف اجتمع كيفما اتفق ولو بلغ ستة عشر رجلا !

القضايا العقارية أيضا تعرف أيضا رواج هذا النوع من الشهادات ، وبسببها يدخل القاضي مجالا بالغ الصعوبة والتعقيد في أفق  الترجيح بينها في قضايا الاستحقاق والبت في التعرضات .

وكخلاصة يمكن القول انه بات من الضروري التنبيه إلى مساوئ هذه الشهادة ومخاطرها، خاصة مع توفر البدائل الكثيرة والكفيلة بصيانة الحقوق في جميع المجالات التي يتم الاستعانة بها، فهل من العدل كي نثبت الوفاة، أن نستجدي شهادة اثنا عشر رجل ذكر رغم توفر الدولة على الإدارات العمومية المختصة  بما فيها مصالح الحالة المدنية ؟!

ذ. نبيل الحمري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.