في نعي الأحياء

صار للانتحار فلسفته المختارة بعناية، و طقوسه المتنوعة المثيرة، مُغادرةٌ و صَفْقٌ لأبواب حياةٍ كانت في الكثير من تفاصيلها، أشبه بالعدمْ.. قسوةٌ، فقرٌ، ضياعٌ و ألمْ، الكلُّ ممتزجٌ بلامبالاةٍ و استفزازٍ معذِّبيْنِ و مُدَمِّرَينْ، من الاسرة و من المجتمع و من الوطن…

الانتحار سادية مفرطةٌ بالذّاتِ و بالأحبّة، مازوشية بأعلى قممها، في صورة انتقام من الجميع، من كل الأحياء!

محاولة لعبور برزخ غامض بين حياةٍ رمتْ بجميع نُرودِها، و استهلكت انتظاراتها و آمالها، و بين موت كان يزداد إغراءً، انتهى بسحب روح خمدت منذ زمن، من بين أضلع جسد أمضى عمره المقدّر في حياة ماديةٍ بيولوجيةٍ، دون عيشٍ معنويٍ إنساني…

الانتحار امر محرّمٌ و مُجَرَّمْ، لأنه نزع لروح ليست ملكا لصاحبها، بل يقبضها فقط الخالق الذي نفخها اول مرة.

وهو احيانا مجرد محاولة لإزهاق و تحرير روح قتلتها الحياة، و إخمادٍ لجسدٍ ينبض دونما أمل و دون جدوىً، في ميكانيكيّةٍ مضَجّرَة. بالنهاية تعددت الميتات و الألم واحد و الفقْدُ واحد:

جسد محترق برائحة الحكرة و تفجيرٌ لصرخات ضد الظلم كُبِتَتْ على مدار العمر الطويل.

مصارين تتلوى و تتقطع بعد تسميم العروق النابضة، سمُّ جرذانِ او حبات دواء مبتلعةٍ او غاز يسري عبر الانفاس، انتقام من الجسد و قذف للروح…

القضاء خنقا، جسدٌ يتأرجح برعشات اخيرة، و عيون تكاد تغادر محاجرها، مرور سريع نحو ضفة الموت المجهولة…

الارتماء من علو شاهق، اجزاء من الثانية بحجم عمر كامل، ثم اصطدامٌ اخيرٌ يُنهي سلسلة صدمات عجلت بسقوط حرٍّ يختم كل شيء، قفز على الهوة السحيقة التي تفصل العالمين..

كلها صور لإسدال الستار النهائي بمسرح حياة فانية، معاندة، محبطة، تعج بأحياء فقدوا كل شيء..

ربما ما زالوا جميعهم هناك، بسماءٍ وسط السماوات السبع: مراهقة الكاريان البيضاوي، عشرات الشباب الذين احرقوا أنفسهم، آلاف الغارقين عبثا بأعماق البحر، المشنوقون، المهملون، الضائعون، المقتولون بسبق إصرار من وطن لا مبالٍ و مخزن مترصد..

مازالوا هناك يراقبون بشماتة مجتمع الأحياء، الملايين ممن نسوا دفن أنفسهم، ممن استمروا بالحياة مرغمين.. اي حياة تلك التي أُعدِمَ بها كل الشيء، الكرامة و الكبرياء و النخوة و الأمل.. أية حياة تلك التي يبيع فيها المثقف مواقفه و أفكاره و قلمه، لأجل عيش زائفٍ بأحضان مخزنٍ يجيد الريع و البذل، في مقايضةٍ لصكوك شرعنةٍ للفسادِ و الإفْسادْ..

مات الضمير و مات الفكر!

أية حياة تلك التي ينضم فيها الطبيب و المهندس و الاستاذ و الصحفي و المحامي و القاضي، لكتيبة النهب الأمامية بجيش الفساد و الاستغلال، مراكمة الثروات و مص دماء المعدمين و الفقراء..

ماتت الرسالة و ماتت الانسانية!

أية حياة لسياسيين و مناضلين و نقابيين احترفوا الانحناء و الخضوع، مقابل فتات يرمي به مخزن متسلط، متورط بالسحق و القمع و التفقير.. مات النضال و ماتت السياسة! أية حياة لطبقات مسكونة بنهم الاستهلاك المجنون، و مثقلة بهواجس القروض و المصاريف التي ترهن الكبرياء و الحرية الذاتية، مستعدة لبيع الشرف و النخوة و الاستقامة و الرجولة..

مات فن العيش و ماتت القناعة و ماتت النخوة !

أية حياة لمسحوقين و معدمين، يعيشون على الفتات، يسكنون الدواوير الفقيرة، و احياء القصدير الحقيرة، و كاريانات الإقصاء و التهميش، بوطن المهرجانات و ملاعب الغولف و الكافيار و القصور و اليخوت و الجاگوار و ليالي المتعة الحمراء التي لا تنتهي.

مات العيش الكريم، و ماتت العدالة الاجتماعية!

لكل من خذلناهم، لكل من خذلهم الوطن.. لكل المغادرين قسراً او في لحظة جنون ويأس قاهِرَيْنْ، لكل من امتطينا معاناتهم و ركبنا صور ضياعهم و ساومنا بفقرهم. لعنة المظلوم و المسحوق بانتظارنا جميعا.. و لو الى حين!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.